; المليشيات المدنية قوة جديدة لإحكام قبضة الجيش | مجلة المجتمع

العنوان المليشيات المدنية قوة جديدة لإحكام قبضة الجيش

الكاتب صهيب جاسم

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1999

مشاهدات 55

نشر في العدد 1333

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 05-يناير-1999

إندونيسيا: 

  • دور صهر سوهارتو -الجنرال برابوو- في الخطف والاغتيالات السرية وأحداث الشغب.

طمأن الجيش الإندونيسي الشعب على لسان مسؤوليه بأنه لن يحدث انقلابًا عسكريًا، وذلك على إثر الإعلان عن خطة تأسيس مليشيات مدنية للمشاركة في الإشراف على الانتخابات المقبلة المزمع إجراؤها في يونيو 1999م، وقال الجنرال أغوم غوميلار: «إن الجيش متمسك بتقاليده وولائه للدولة ولن يفكر بالتخطيط للانقلاب».

الجيش مع كثرة الانتقادات لخطته الجديدة، أعلن عزم قيادته على المضي في الخطة التي يرى الجنرالات أنها ضرورية بحجة أن عدد أفراد السلطة العسكرية لا يكفي، ولذلك ستؤسس القوة العسكرية الجديدة المسماة «المدنيون المدربون» بتعداد (۷۰) ألف شخص ابتداء، وقد يزيد العدد، وقال الجنرال ويرانتو رئيس القوات المسلحة الإندونيسية إن مليشيا «راتية» الجديدة ستكون ذات شرعية في أن تعتقل وتحتجز، وتعد التقارير الأمنية، وتحقق مع المشتبه بهم، باختصار ستكون ساعدًا جديدًا للشرطة.

وفي تصريحاته فند ويرانتو مخاوف القوى السياسية من أن المليشيا ستستخدم لأهداف سياسية في صالح أطراف معينة، أو لكبح أي قوة معارضة عند تأسيسها في الشهر المقبل، مدعيًا أن ذلك يتوافق مع الدستور وتعديلاته في عام ١٩٨٢م الخاصة بمهمة المواطنين الدفاعية.

وعلى هذا الأساس وبحجة عدم كفاية الشرطة حاليًا؛ لأنها أقل من المعدل المعترف به عالميًا، فسيدرب (٤٠) ألف مدني كحد أدنى كل عام، في الوقت الذي يبلغ عدد الشرطة فيه (٢٠٠) ألف شرطي عسكري.

الفكرة لاقت انتقادات وتخوفات من أطراف عديدة، فوزير العدل الإندونيسي مولادي دعا الحكومة إلى تأجيل تنفيذها، قائلًا: إن ذلك عمل غير شرعي إن لم يصدر قانون خاص به.

ومن جانبه حذر الدكتور أمين رئيس -المعارض البارز ورئيس حزب أمانة الشعب- من أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى موجة عنف مفاجئة، إذا استخدمت لصالح أطراف سياسية معينة، 

وقال: «إنني أدعو الحكومة إلى إلغاء خطة تدريب وتسليح الشباب؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى حرب أهلية، إذا تسلح الناس لمحاربة هذه المليشيا».

وأضاف أن خطة تسليح المدنيين تشير إلى أن الانتخابات المقبلة قد لا تكون عادلة، وبخاصة أن خطة مشابهة قد جربت في أثناء انعقاد مجلس الشعب الاستشاري الشهر الماضي، إذ سلحت مليشيات مؤقتًا مقابل مبالغ لإعانة الجيش في حماية مبنى المجلس لمدة أسبوع.

منير نائب رئيس لجنة المفقودين وضحايا العنف ادعى أن لدى الحكومة هدفًا ودافعًا خفيًا،

أما هينداردي - مدير رابطة حقوق الإنسان والعون القانوني- فإنه يرى أن المليشيا ستدفع إلى أن يرفع المواطنون أسلحتهم في وجوه إخوانهم. 

وقال إنها أسلوب جديد لضرب الحركة الطلابية، واتهام جماعات الإصلاح بالإجرام، وإبعاد النظر عن القضايا الأساسية، في الوقت الذي يبدو الجيش عاجزًا أو متعمدًا في تساهله في التعامل مع أحداث العنف بأشكالها التي كان آخرها في صولو وبالي التي حدثت في غموض شديد، ومقابل ذلك أعلن الجيش -على لسان الجنرال نور فيضي- أنه قد أمر جنوده بإطلاق الرصاص على مثيري أعمال الشغب.

المنتقدون للفكرة كثيرون، ومنهم وزير الدفاع السابق وأحد حلفاء سوهارتو الجنرال إدي سودراجات، وحاكم يوجو جاكرتا سري سلطان هامینجوبونكس اللذان اعتبرا القوة الجديدة غير ضرورية.

نور محمودي إسماعيل رئيس حزب العدالة «الإسلامي» توقع أن القوة العسكرية الجديدة قد تزيد من تأزم صراع القوى، وتكون أسلوبًا لإعادة إبراز المؤسسة العسكرية بشكل أو بآخر في الحياة السياسية الإندونيسية، ولن تجلب إلا شكلًا جديدًا من الصراع في المجتمع، كما أنها قد تكون وسيلة لمص أموال الشعب بأيادي السفاحين على حد قوله، الذين أيدوا الفكرة هم رئيس حزب جولكار الحاكم، وحليف حبيبي أكبر تانجونغ، وحمزة خاص رئيس حزب التنمية المتحد، مع أن كليهما حذر منها كذلك، كما دعم الفكرة رئيس لجنة حقوق الإنسان مرزوقي دراوسمات معللين ذلك بالأوضاع الحرجة والخطيرة. 

دور سياسي قديم:

فكرة المليشيات المدنية إن كانت تهدف إلى تقوية دور الجيش سياسيًا، وهي ليست بالأمر الجديد، فالقوات المسلحة الإندونيسية المعروفة باسم «أبري» ذات حق مقنن معروف باسم الوظيفة المزدوجة بجانبيها السياسية الاجتماعية، والأمنية العسكرية، وهذه الوظيفة جاءت نتيجة لدور الجيش في ثورة الاستقلال (١٩٤٥م - ١٩٤٩م) ومواجهة أخطار سياسية عديدة، ثم دعم هذا الدور عندما وصل سوهارتو، وهو أحد أبناء الجيش إلى السلطة؛ لذلك يكره الناس الجيش لارتباط اسمه بأعمال وحكم سوهارتو الذي حصل على شرعية حكمه بعد أن قضى على الشيوعيين بمعاونة الأمريكيين كما اعترفوا بذلك.

سجل دموي غامض:

التاريخ الإندونيسي المعاصر مليء بكثير من حوادث القتل وأعمال الشغب التي كان لاسم الجيش أو جنوده ارتباط بها، لكن ما حدث خلال هذا العام كان متنوعًا من حيث السبب ومكان الحدوث، ومن حيث دور الجيش الذي كان إما فاعلًا أو سلبيًا بسبب العجز عن معالجة الوضع.

أحداث شهر مايو الماضي التي أدت إلى سقوط سوهارتو ارتبطت بالجيش، وهو ما أكده كثير من السياسيين الإندونيسيين خلال حديثهم للمجتمع في مناسبات عديدة، وما قرره تقرير رسمي في أواخر شهر أكتوبر الماضي عن لجنة مشتركة مستقلة شكلتها الحكومة لتقصي الحقائق حول مقتل ألف شخص، واغتصاب، أو الاعتداء، أو القتل، أو التعذيب لـ(۱۲۳) امرأة خلال الفترة ما بين ١٣ إلى 15 من مايو ۱۹۹۸م.

التقرير الذي جاء مفاجئة لكثيرين ضم اقتراحات عدة لتنفيذ خطوات قد تؤدي إلى ظهور أسرار أخرى حول العقول المديرة لأعمال الشغب، كما ضم تفاصيل اجتماعات سرية في مبنى رئاسة القوات الإستراتيجية بقيادة الجنرال برابوو زوج ابنة سوهارتو، الذي أخرج من منصبه عقب الإطاحة بسوهارتو بـ(٣٦) ساعة بحضور عسكريين ومدنيين أيضًا، ويعتقد معدو التقرير ضلوع برابوو فيما حصل إلى جانب جنرال آخر هو سجفري شمس الدين.

الجنرال ويرانتو بعد يوم من إصدار التقرير أنكر أن يكون للجيش دور في تحريك أعمال الشغب، وحاول تفسير ما كشف عنه التقرير بصورة مختلفة في الوقت الذي اعتبر محرر صحيفة جاكرتا بوست «أنه إن كان ذلك صحيحًا، فإن أحداث القتل الغامضة منذ يوليو ١٩٩٧م، كانت نتيجة لصراع القوى داخل الدولة وبين النخبة السياسية والعسكرية، وإن ذلك سيستمر كأسلوب للصراع حتى الآن»، لكن التقرير لم يؤخذ بعين الاعتبار من قبل الحكومة، التي لم تنفذ مطالب معدي التقرير.

معارضون مفقودون:

والجنرال برابوو سبيانتو ارتبط اسمه كذلك في وسائل الإعلام الإندونيسية بحوادث اختفاء ناشطين معارضين في فبراير الماضي، وهو ما أنكره برابوو بشدة عندما سأله السفير الأمريكي ستابليتون روي عن ذلك، وأوصل له «قلق الولايات المتحدة وغضبها ومطالبتها بإطلاق سراحهم»، هذا ما نقلته الواشنطن بوست آنذاك، لكن بعد أسابيع سلم أربعة منهم إلى مركز شرطة في جاكرتا، لكن الباقين ما زالوا في حكم المفتقدين، وذكرت مصادر صحفية وتلفازية بعد ذلك تفاصيل عن التحقيق مع المفقودين وأساليب نزع المعلومات منهم، كما ذكر ذلك بعض الذين أطلق سراحهم.

ظاهرة اختفاء الناشطين بدأت في فبراير ۱۹۹۸م، حسب تقديرات البعض في الوقت الذي برزت فيه تحركات الطلبة مع حلول موعد الانتخابات الرئاسية التي أعيد انتخاب سوهارتو فيها للمرة السابعة، ثم اعترف ويرانتو -ومرة أخرى بدون تفصيل- بأن الجيش بدأ بالفعل مواجهة «الحركات الراديكالية» ويقصد بذلك المعارضة، لكنه تردد في القول إن الجنود قد اتخذوا خطوات خارجة عن الأوامر التي صدرت لهم بخصوص التعامل مع المعارضين.

وإذا رجعنا إلى تصريحات برابوو وقرأنا ما بين سطورها يمكننا أن نقول إنه يعتقد بأنه قد قام بما هو مناسب عندما ألمح إلى أن وحدته العسكرية قد قامت باختطاف الشخصيات المفقودة، وأن النظام كما يرى يسمح له بالقيام بذلك.

برابوو المتدرب في الغرب وبعد هذا السجل الأحمر فصل من الجيش في ٢٥ من أغسطس الماضي بقرار من ويرانتو «لمشاركته في تعذيب والاعتداء على الناشطين»، إلى جانب اثنين آخرين وباقتراح من لجنة عسكرية خاصة لتقصي الحقائق، ومع أن برابوو الذي يبلغ الأربعين من عمره قد ابتعد عن أحلام قيادة الجيش، فإن لديه الكثيرين من الحلفاء الذين قد يكونون وراء ما حصل أو سيحصل من أحداث غامضة.

وهنا يبرز الحديث عن حوادث القتل في تيمور الشرقية التي دعا -الحائز على جائزة نوبل لوريات جوس راموس هورت بشأنها- إلى اعتقال سوهارتو ومحاكمته ليس على فساده الإداري فحسب، بل على جرائم حقوق الإنسان على غرار ما يترقب العالم حصوله للدكتاتور التشيلي السابق بيونتشه، وقال هورتا إنه يجب محاكمة سوهارتو وجنرالات الجيش الآخرين بسبب مقتل مئات الألوف عند وصولهم إلى السلطة؛ إذ ارتكبت (٦٦) مذبحة في عامي ١٩٦٥ - ١٩٦٦م.

نهضة العلماء ضحية النينجا:

مع استمرار إنكار الحكومة والجيش لما تدعيه جمعية نهضة العلماء، فإن الجمعية قد أعلنت في ١٤ من ديسمبر الماضي عن أن حوادث قتل النينجا التي اجتاحت بانيوانغي في شرق جاوة، إنما هي نتيجة للصراع السياسي، وإنه «إرهاب سياسي»، وليست جرائم طبيعية، وذلك على إثر إعدادها تقريرًا عن ذلك من قبل لجنة من أعضائها في تلك المنطقة، وبعد اجتماع مجلس الشورى والمجلس التنفيذي للجمعية في 11 ديسمبر الماضي، وقالت الجمعية: إن الحوادث أثبتت وجود تنظيم وراءها وضلوع الجيش أو الحكومة بصورة مباشرة أو غير مباشرة فيها.

وقالت لجنة التحقيقات -على لسان نائب رئيس اللجنة التنفيذية مصطفى زهاد وآخرين- إنه قد تأكد مقتل (٢٥٣) شخصًا على يد ملثمين ولابسي ملابس سوداء، أظهروا مهارة في عملية الاغتيال، وأنه قد حصل ذلك في جيمبور، سيتيبوندو، بندووسو، سامبانغ، باميكاسان، وباسوروان في شرق جاوة، وأن معظم المقتولين أعضاء في نهضة العلماء، وأن الهدف كان قتل (٥٠٠) شخص.

ويظهر التقرير عدم جدية الحكومة في مواجهة الاغتيالات، كما هددت نهضة العلماء بأن ترفع القضية إلى محكمة العدل الدولية، واجتمع آلاف من شباب النهضة في مدينة سيمارانغ داعين الحكومة إلى كشف الحقائق وراء مقتل رفقائهم، أما لجنة تقصي الحقائق التابعة للبرلمان، فقد رفعت يوم 11 من ديسمبر الماضي تقريرًا إلى البرلمان يؤكد مقتل (۱۸۲) شخصًا في المدن المذكورة وبصورة منظمة، لكنها عجزت خلال التحقيقات عن كشف الفاعل لذلك في الفترة بين يناير و١٧ من أكتوبر الماضي.

مستقبل غامض:

كل حوادث القتل والاعتداءات المذكورة وغيرها التي يتهم الجيش بها من قبل الناشطين في مجال حقوق الإنسان، وجه لعملة دور المؤسسة العسكرية، أما وجهها الآخر فدورها السياسي الذي أضعف مؤخرًا عندما خفض عدد ممثلي الجيش في مجلس الشعب الاستشاري إلى (55) فقط بعد أن كانوا مسيطرين على المجلس بشخص سوهارتو.

واليوم مع الإعلان عن خطة تشكيل مليشيات مدنية بدأت مخاوف من احتمال دخول إندونيسيا إلى مرحلة جديدة من الحكم العسكري بقيام الجيش أو أطراف فيه بانقلاب لأي سبب كان، أو أن تشعل هذه المليشيات حربًا أهلية فتضيف إلى سجل الصراعات الإندونيسية نوعًا جديدًا إلى جانب الصراعات العرقية، والدينية، والسياسية، والاقتصادية.

الرابط المختصر :