العنوان حصاد الهشيم في الصحافة الكويتية ... الحلقة الثانية
الكاتب سلمان فهد العودة
تاريخ النشر الأحد 26-يناير-1992
مشاهدات 79
نشر في العدد 986
نشر في الصفحة 26
الأحد 26-يناير-1992
وتجاوزات رجال الأمن حدث ولا حرج؛ ففي بلاد
الإسلام بطولها وعرضها لا تسأل أجهزة الأمن عما فعلت، وقد تتدخل في خصوصيات
الناس، وقد تتجسس على الناس، وقد تكشف أوراقهم وقد تراقبهم، ولم نجد في هذه الصحف
من متكلم عن ذلك أبدًا، وإنما تكلموا عن تجسس ما يسمونه بتجسس الأخيار، ورقابة ما
يسمونه برقابة الطيبين عليهم، وما أدري ما هو الدافع إلى السكون عن ذاك والتركيز
على هذا، على الرغم من أن الأمر بالنسبة لهم لا يعدوا أن يكون وهمًا كبيرًا، وقد
تكلم أحدهم عن هذا الجهاز وقال: إن هذه تجربة مستوردة معلبة، وهي مستوردة من دولة
مجاورة، وهدد بالويل والثبور وعظائم الأمور حتى قال: إنه يحتمل أن يكون هناك حرب
أهلية إذا قام هذا الجهاز في الكويت؛ لأنه سوف يكون هناك ضرورة أن يدافع الناس عن
أنفسهم، وفي نفس الوقت يصورها بأنها (مليشيات) يسمونها (مليشيات الأمر
والنهي) يعني كأنهم يصورون بأنها دولة داخل الدولة، وأنها تهدد أمن البلاد، وهذه
نبرة معروفة محاولة التخويف من أي نشاط إسلام ي بأنه يهدد أمن البلاد، وأنه خطر
على الحكام، إذن عليكم أيها الحكام أن تقاوموا هذا النشاط، وتحاربوه، وتأخذوا
بالكم منه فإنه يهدد وجودكم، ويهدد استقراركم، ويهدد كراسيكم، رغم أنهم يعترفون
بأن دور هذه الهيئات لم يتعد أن يكون إعلانات على الصحف، بل أحدهم قال: «تتصدر
إعلاناتها الصحف على استحياء»، وإذن إعلانات في الصحف وعلى استحياء أيضًا، ومع ذلك
صار هناك تهديد بأن هذه يمكن أن تقلب نظام الحكم في البلد، وأنها ميليشيات، وأنها
يمكن أن تحدث حربًا أهلية!
ثم ركز هؤلاء على تأييد الأعمال القمعية ضد
الحركات الإسلامية في الجزائر، وفي غيرها، وأيدوا هذا العمل، وقالوا عنها كثيرًا
مما قالوا، ومثل ذلك أمر عجيب، ففي الوقت الذي يتكلمون فيه عن إطلاق الحريات،
ويطالبون بما يسمونه بالديموقراطية كأنهم يعتبرون أن الديموقراطية حق لهم فقط، أما
من ينتسبون إلى الإسلام والدعوة الإسلامية فإنه يجب أن يقاوموا بالحديد والنار ليس
فقط حرمانهم من الحقوق في الصحافة والكتابة، فقد اتصل أحد هؤلاء الصحفيين لما سمع
خطيبًا يدافع.. اتصل بوزير الأوقاف يطالبه بفصل هذا الخطيب، يعني.. حصار إلى هذا
الحد، وإلى هذه الدرجة، ومقاومة بهذه الصورة؛ إذن هم يريدون حريات لهم هم
فقط، ويطالبون بأن يكون مكان الإسلاميين السجون؛ لأنهم يتهمونهم دائمًا وأبدًا
بأنهم خطر على أمن البلاد وعلى استقلالها وعلى استقرارها، ولله في
خلقه شؤون، بعض الجمعيات في الكويت منعت بعض هذه الصحف أن تباع فثارت
ضجة في تلك الصحف وقالوا: هذه الجمعية حكومة داخل الحكومة، ودولة داخل دولة،
وقالوا نخشى أن يتطور الأمر إلى إرهاب فكري وما علاقتكم أنتم بثقافة الناس؟ وماذا
يقرأون؟ وماذا يشترون؟ إلى حد شيء عجيب جدًا! بعضهم من تناقضه قال: إنهم
لما منعوا بيع هذه الصحف ارتفعت مبيعاتها، ارتفع الإقبال عليها، ثم تناقض بعد
قليل، وقال: إن منعهم لبيع هذه الصحف كان تمهيدًا للانتخابات في تلك الجمعية!
إذن منع الصحف يرفع شعبية الجمعية عند الناس، هذا معنى
قولهم (تمهيدًا للانتخابات) وهو يزعم أن مبيعات الصحف قد ارتفعت
بسبب منعها هذا تناقض ظاهر.
المحور الثاني: الذي هجموا عليه هجومًا
غريبًا هو المرأة، ومع تيار التغريب وتغيير هوية المجتمع، وبروز ألوان من الأعمال
الغريبة على مجتمع الكويت المسلم، فإننا نجد ألوان ومقالات وصور عجيبة من الهجوم
على سبيل المثال منها ما يلي:
1- المطالبة
بحقوق المرأة التشريعية والانتخابية، حتى إن إحداهن أصبحت مديرة تحرير لإحدى
الصحف، فكتب أحدهم معلقًا على ذلك يقول: ليت الرجل الظالم يعطي المرأة ما
تستحقه من حقوق، ويتيح لها فرص الإبداع.. «يعطي المرأة»! لماذا تطلب من الرجل أن
يعطي المرأة ما تستحقه من حقوق، ويتيح لها فرص الإبداع، المرأة تستطيع أن تحصل على
حقوقها، وتصل إلى ما تريده من الإبداع وفق كتاب ربها وسنة نبيها -صلى الله
عليه وسلم- دون أن تأخذ إذنًا منك أو من غيرك، بهذا الأمر إحداهن كتبت من لندن،
وهذا يؤكد لك أن القضية ليست مجرد الحصول على حقوق تشريعية في الانتخابات أو
الترشيح، لا، الأمر أبعد من ذلك، فقد كتبت مقالًا بـ«صوت الكويت» عنوانه «المساواة
أساس البناء السليم»، واسمع ماذا تقول؟ تقول: من خلال متابعتي لمنبر القراء لفت
نظري تناول كثير من الإخوة لقضية المرأة بأسلوب لم يعد ملائمًا لعصرنا الذي تتقدم
فيه الشعوب أكثر مما نتقدم نحن، ولذلك دفعتني هذه الآراء لكتابة هذا الرأي حول
وضعية المرأة في مجتمعنا العربي حتي نثير حولها النقاش، ونرفع عنها وصاية الرجل.
ثم تقول في ثنايا المقال: إنها ليست تطالب فقط بخلع الحجاب وما أشبه ذلك، فهذا أمر
انتهى، ومثل هذه القشور قد انتهينا من المطالبة بإبعادها، لكنها تريد أمرًا أبعد
وأكبر من ذلك، وهو أن تكون المرأة والرجل على قدم المساواة في جميع الحقوق وجميع
الفرص إلى هذا الحد.
الموضوع الثاني فيما يتعلق بقضية المرأة،
هو تأييد منع المنتقبات من قيادة السيارة، ثم منع المنتقبات من دخول الجامعة
والمستشفى مرة بحجة المحافظة على الأمن، ومرة بحجة أن المريض يحتاج إلى أن ينظر
إلى وجه الطبيبة، ومرة ثالثة لأن الأستاذ المعلم يريد أن يقرأ أثر التعليم على
تعبيرات وجهها، ومن أطرف وأعجب ما قرأت أن أحدهم قال: من الممكن أن يتنكر رجل
في صورة امرأة، ويلبس النقاب، يقول ربما كانت المنقبة ولدًا، أو ربما كان جاسوسًا
إسرائيليًا جاء ليتجول بين ربوعنا آمنًا مطمئنًا تحت نقاب يقال إنه الزي الإسلامي،
والإسلام منه براء.
وأقول: أبشر، أبشر بالكثير إذا
تمت قضية الصلح الذي يدار الآن بين العرب وإسرائيل، فأبشر في بلدك وبلدي وبلاد
الإسلام كلها بأمواج كاسحة من الجواسيس الإسرائيليين، لن يحتاجوا إلى أن
يلبسوا النقاب أبدًا، ولن يحتاجوا إلى أن يتستروا، بل سوف يتحركون في وضح النهار
وفي الهواء الطلق، وسوف يستقبلهم بعض بنو قومنا في بيوتهم، ويفرحون بمقعدهم،
ويجلسون معهم في الفنادق، ويديرون معهم الندوات والحوارات، وسيتكلمون معهم في
ندوات عن كيفية القضاء على الأصولية، وكيفية محاربة ومقاومة التيارات الإسلامية،
وكيفية القضاء على النقاب والحجاب والجلباب، أبشر بهذا وأكثر منه إذا تم ما
يريدون من الصلح مع إسرائيل، والذي يعقدون له المؤتمرات بعد المؤتمرات.
أمر ثالث: تقول أو يقولون: «ويعتبرون أن
الحجاب والنقاب تخلف وتقليد بال، فيقول أحدهم: انتكس المسلمون وضاعوا في «القازوزة»
عندما ارتدت نساؤهم الحجاب، وارتدى كباتن الكورة بتاعهم الشورت الإسلامي».
ثم ختم كلمه قائلًا: «متى يكف علماء
الدين عندنا عن تهديدنا بالنار لأننا نرتدي الأحذية، ولا نرتدي الأخفاف؟». أنا
لا أجد في نفسي حاجة إلى التعليق على مثل هذا الكلام.
أود أن أرسل مجموعة من الرسائل التي لم
يحملها البريد أما الرسالة الأولى: فإنني أبعث بها إلى القائمين على الصحافة
أولًا فأقول لهم: اتقوا الله واعدلوا، إنكم تتكلمون عن السلوك الحضاري،
والسلوك الحضاري ليس شعارًا يرفع، إنما هو ممارسة، وليس من السلوك الحضاري
استغلال الإمكانات في الإساءة إلى الآخرين، أو نفث الأحقاد الشخصية، أو تبادل
السباب والشتائم، إن هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أننا لانزال نعيش في
عصر العنتريات اللفظية التي لا طائل من ورائها، إن البعيدين من الناس لم
يسمعوا إلا صوتكم فوجدوه صوتًا مرتفعًا، صوتًا خشنًا، صوتًا يحمل الألفاظ البذيئة،
وكلمات السباب والشتم والعار والسخرية.
ولكنهم لم يسمعوا من الطرف الآخر شيئًا يدل
على أنه كان يجب أن تقولوا ما قلتم، فاتقوا الله -تعالى- فيما تقولون، وفيما
تكتبون إننا نذكركم الله تعالى، نذكركم الإسلام الذي ينتسب إليه معظمكم، كما
تدل على ذلك أسماؤكم أن تحافظوا عليه، وأن تتقوا الله -تعالى- في بني دينكم
في مثل هذه الكلمات والعبارات النابية.
كما نطالبكم بإتاحة الفرصة للآراء
الأخرى المخالفة لكم، الذين يحملون صوت الإسلام يبلغونه للناس أن تتيحوا لهم
الرأي ليتكلموا عما في نفوسهم، وأن تعطوهم فرصة ليردوا عليكم، ويفندوا مثل هذه
الأقوال والادعاءات الباطلة، فهذا مقتضى الحرية والديموقراطية التي تتكلمون عنها،
وتطالبون بها، كما أننا نطالبكم حينما تنتقدون المجتمع بكل طبقاته أو تنتقدون
أجهزة الدولة أن تحرصوا على النقد البناء الذي يراعي الأمانة والعدل، وألا يكون
همكم مجرد شتم، سب، تجريح فإن هذا لا يمكن أن يزيل همًا أو يعالج خطأً، وإنما سوف
يزيد الهوة بين أفراد المجتمع، نحن نطالب بالنقد البناء حتى لأنفسنا، حتى
للمؤسسات الإسلامية، حتى لطلبة العلم، حتى للكتب الإسلامية.
ويوم كنتم قبل سنوات تتكلمون عن الجماعات
الإسلامية لم يقل عنكم أحد شيئًا على رغم أن كلامكم كان فيه شدة وقسوة وعنف، وبعد
عن الموضوعية، أما أن يصل الأمر إلى هذا المستوى الذي وصل إليه الآن فإنه لا
يمكن السكوت على هذا بحال من الأحوال، نحن نوافق على نقد بناء، نقد هادف وفي، نقد
موضوعي يستهدف الإصلاح، أما الاستفزاز والإثارة والسخرية فهذا لا يمكن أن
يقبله عاقل، ولا منصف، ولا راع للأمانة مهما كان.
أما الرسالة الثانية فهي للصحفيين في
هذا البلد، فإني أطالبهم بأن يقفوا من مثل هذه الحملة موقفًا هو الذي
يقتضيه الإسلام، وتقتضيه أخوة الدين؛ فإنه لا يجوز أبدًا أن يتعاونوا
مع أولئك في مثل هذا الموقف، وإنني أعلم مثلًا أن بعض هذه الصحف تطبع في هذه
البلاد، و«دار عكاظ» مثلًا هي التي تطبع جريدة «السياسة» الكويتية على
حد علمي، هذا لا يجوز أبدًا؛ لأنه من التعاون على الإثم والعدوان، فعليهم أن
يكفوا عما هم عليه، وإلا فليتبرأوا من طباعة هذه الجريدة في مثل هذا المكان، كما
أننا نطالب الصحفيين بألا يقفوا هكذا فقط، بل ينبغي أن يردوا على مثل هذه الحملات
الظالمة الآثمة، وألا يكونوا ظهيرًا للمجرمين: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ
عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ (القصص:17) وقد رأينا
ولاحظنا في بعض صحفنا أنها بدأت تمارس هذا الدور نفسه، ولكن بطريقة مهذب، فإن
الهجوم مثلًا على جهاز هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصبح ظاهرًا
في عديد من صحفنا.
أما الرسالة الثالثة فإنها لأولئك يتعاونون
ويتعاملون مع هذه الصحف بأي كيفية شركات التوزيع مثلًا التي تقوم بتوزيع هذه
الصحف، محلات البيع من المكتبات والبقالات، وغيرها التي تبيعها للقراء والمواطنين،
بل حتى المواطن العادي الذي يشتري هذه الجريدة ليقرأها لأي غرض من الأغراض،
وأطالب الجميع بضرورة الكف عن التعاون مع هذه الصحف لا توزيعًا، ولا عرضًا، ولا
شراء، ولا غير ذلك حتى تكف هذه الصحف، وتغير مسلكها، وتحترم مشاعر الناس، فإذا
فعلت عاد الأمر إلى نصابه.
(البقية في العدد القادم)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل