; توكلت على الله | مجلة المجتمع

العنوان توكلت على الله

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أكتوبر-1983

مشاهدات 68

نشر في العدد 641

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 18-أكتوبر-1983

معناها

كلمة يقولوها كثير من الناس في كل صباح ويقولونها في مناسبات كثيرة، ولكن قليل من يفقه معناها، وقليل من هذا القليل الذي يطبقها ويحولها من ألفاظ ومعان إلى واقعه الذي يحياه بينه وبين نفسه وبينه وبين الله وبينه وبين الناس.

فالتوكل هو تفويض الله بكل أمر من أمورك وهي الثقة بالله والإيمان بقدرته وقوته وعلمه، فهو إذًن الاعتماد الكامل على الله سبحانه ومحصلة ذلك هو الإيمان العملي ببعض أسماء الله وصفاته. لذلك قال الإمام ابن القيم التوكل نصف الدين والنصف الثاني الانابة فإن الدين عبادة واستعانة «فالتوكل هو الاستعانة والإنابة هي العبادة» «1» فاستعانتك بالله إقرار بضعفك وبجهلك وإيمان بعلم الله وقدرته فتخضع له وتطلب منه العون وتحبه وكل ذلك من معاني العبادة.

يوسف عليه السلام وصاحباه

يرجح الإمام ابن القيم في تفسيره القيم أن عقاب الله ليوسف عليه السلام بأنه لبث في السجن بضع سنين جاء من استعانته ببشر قبل استعانته بالله وذلك قوله﴿لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ (يوسف: 42) أي عند سيدك الملك فأنساه الشيطان ذكر ربه أي أن الشيطان أنسى يوسف عليه السلام الاستعانة بذكر ربه الحقيقي واستعان ببشر «فلبث في السجن بضع سنين» فلا يقبل الله سبحانه وتعالى الاستعانة بغيره لأن غيره لا حول له ولا قوة وغيره مهما ملك من القوة والسلطان والعد والعتاد فإنه لا يتعدى أن يكون عبدًا من عبيده حركاته و همساته وإرادته كلها تحت إرادة الله وقدرته.

مريم تهز النخلة

نتعجب من قول ربنا في سورة مريم ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (مريم: 25)«۲» فكيف لمريم عليها السلام وهي في حالة النفاس متعبة منهكة بعد المخاض والوضع لا تستطيع حراكًا، كيف لها أن تهز نخلة؟ مع علمنا أن النخيل هو من أصلب الأشجار، وجذوع النخيل من أخشن الجذوع بين باقي الأشجار، وعذق النخلة التي تحتاج إلى هز ليتساقط الرطب الذي فيه، لا شك أنه مرتفع بعيدًا عن متناول اليد، فكيف لمريم وهي المرأة التي من طبيعتها الضعف ويضاف إلى ضعفها الطبيعي آلام النفاس وآثار الحمل، والحالة النفسية التي كانت تتملكها وهي خائفة من تهمة الفاحشة من قبل أهلها وهي الطاهرة العفيفة، كيف لها أن تهز النخلة؟

إذن هي سنة الله في بذل الأسباب لكي يتم المعنى الحقيقي للتوكل، فلابد لمن توكل على الله أن يبذل الأسباب فهذه هي سنة الله سبحانه.

ونجد هذا المعنى متحققًا في أكثر من موضع من القرآن والسيرة النبوية، فها نحن نقرأ قوله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَى (الأنفال: 17)«3» وذلك عندما أخذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- حفنة من التراب وألقاها في وجوه الكفار في أحد المعارك فدخلت كل ذرة منها في عين أحدهم وكانت ذلك سببًا من أسباب الانتصار، نرى أن الله سبحانه وتعالى أراد من رسوله -صلى الله عليه وسلم- بذلك السبب وهو رمى هذه الحفنة من التراب ولكن الناصر الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى، لذلك ينفي سبحانه وتعالى رمية الرسول -صلى الله عليه وسلم- و يقر رميته هو سبحانه وتعالى، إذ إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد توكله على الله ما زاد على بذل السبب شيئًا، وكذلك الحال في عصا موسى عليه السلام.

 يا ليتنا معهم

هنيئًا للمطبق لهذا المعنى الإيماني الكبير «التوكل» في كل جزئية من حياته، فإن البشارات تأتيه تترى.

أولها: رجاء أن يكون من السبعين الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب كما جاء في الصحيحين والذين جاء من صفاتهم ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (النحل: 42).

ثانيها: أن يزداد تعرفه بالله سبحانه وتعالى من خلال تطبيقه العملي لأسمائه وصفاته «كالقادر والرازق المحيي المميت» فيزداد قربًا منه. 

ثالثها: ترك الشرك، وترك الالتفات لغير الله فيزداد بذلك عزة.

رابعها: يزداد رضا بما يقدر الله، وهو الاستسلام الكامل القلبي لله سبحانه وتعالى.

خامسها: يزال من قلبه كل أثر للخوف من المخلوق، الذين قيل: لهم ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (آل عمران 173). «٤»

سادسها: زيادة الهداية والوقاية من كل شر والكفاية من كل حاجة، وذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- «من قال- يعني إذا خرج من بيته» بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له- هديت ووقيت وكفيت، فيقول الشيطان لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدى وكفى ووقى»

هوامش:

  1. تهذيب مدارج السالكين ٣٣٦
  2. مريم / ٢٥
  3. الانفال / ١٧
  4. آل عمران / ۱۷۳
الرابط المختصر :