; أمريكا.. هل تعتمد على الأصدقاء في العالم الإسلامي؟ | مجلة المجتمع

العنوان أمريكا.. هل تعتمد على الأصدقاء في العالم الإسلامي؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 14-أكتوبر-1980

مشاهدات 93

نشر في العدد 501

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 14-أكتوبر-1980

  • مسؤول أمريكي يقول: أمريكا وحدها قادرة على حماية المصالح البترولية

  • قواعد عسكرية أمريكية في الصومال وعمان وتركيا والمحيط الهندي 

  • بسبب ظاهرة المد الإسلامي والثورات الشعبية أمريكا تتخلى عن مبدأ نيكسون

  • بعثات ووفود عسكرية تعرض المساعدة على دول المنطقة!

  • مصر مخزن أسلحة استراتيجية للقوات المسلحة الأمريكية

  • الولايات المتحدة لم تكن جادة في مساعدة البلدان الإسلامية وعملت على إفقارها وإضعاف قوتها العسكرية

  • مبدأ كارتر يفضي بالتدخل في المناطق الحيوية للمصالح الأمريكية

«أمريكا وحدها هي القادرة على حماية المصالح البترولية» هذا ما قاله مسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية في معرض تعليقه على الحرب الدائرة بين العراق وإيران. ويأتي هذا التصريح في أعقاب إرسال مجموعة من المبعوثين العسكريين الأمريكيين إلى بعض دول الشرق الأوسط، وتتويجًا لجملة اتفاقات عسكرية تتعلق بتسهيل مهمة قوات «التدخل السريع» أو بناء بعض مراكز التجسس والمراقبة في أكثر من قطر من أقطار العالم الإسلامي خاصة في محيط الشرق الأوسط. فلماذا تلجأ الولايات المتحدة إلى هذه الإجراءات؟! ألم تعد تثق بأصدقائها «في المنطقة»؟!.

وللإجابة على هذا التساؤل فلابد من استعراض الأنشطة العسكرية الأمريكية في المنطقة خاصة في أعقاب الغزو الروسي لأفغانستان وسقوط شاه إيران الذي مثل «دور شرطي» الخليج بشكل جيد في حماية المصالح الأمريكية.

بعثة للسعودية

في نهاية الأسبوع الماضي وبسبب اتساع نطاق الحرب العراقية - الإيرانية كشفت مصادر وزارة الدفاع الأمريكية النقاب عن أنها أرسلت بعثة عسكرية رفيعة المستوى إلى المملكة العربية السعودية لدراسة احتياجاتها الدفاعية في ضوء الحرب الإيرانية العراقية. وقد وصلت هذه البعثة بالفعل إلى السعودية بعد أن وسعت عضويتها بحيث ضمت خمسة خبراء عسكريين جدد برئاسة الجنرال جون بيوترتسكي قائد الدفاع الجوي في القيادة الجوية التكتيكية. وبذا أصبح أعضاء هذه البعثة خمسة عشر عضوًا.

ومع أن مهمة هذه البعثة لم تعلن إلا أن رئيسها صرح بأن البعثة تعمل على تقديم توصيات إلى الحكومة السعودية حول سبل الاستفادة من الرادارات الطائرة الأربع المعروفة بطائرات الأواكس التي أرسلت للسعودية في الأسبوع الماضي. ومحطة رادار أرضية شحنت هذا الأسبوع.

عرض بالأسلحة

وقالت مصادر أمريكية إن واشنطن عرضت على دول الخليج أجهزة رقابة ومعدات عسكرية دفاعية أخرى.

وقد أصدرت الخارجية الأمريكية تعليماتها إلى بعثاتها الدبلوماسية في دول الخليج لإبلاغ العرض إلى الحكومات في هذه المنطقة.

قوات ومناورات عسكرية في مصر

وكانت قد ترددت أنباء في مطلع الشهر الحالي عن أنه قد تم التوصل إلى اتفاق بين مصر والولايات المتحدة تسمح مصر بموجبه للقوات المسلحة الأمريكية بالقيام بسلسلة من المناورات القتالية والعملياتية الشاملة على الأراضي المصرية. وقد تضمنت الخطة إرسال ١٤٠٠ جندي إلى مصر للاشتراك في هذه المناورات. وقد بادر الناطق بلسان الخارجية الأمريكية جون تراتور إلى نفي هذه الأنباء. وبغض النظر عن مدى صحة هذه الأنباء فإن سماح مصادر الخارجية ووزارة الدفاع الأمريكية بتسربها للصحافة يخدم السياسة الأمريكية الحالية الرامية إلى بناء قوات التدخل السريع وإثبات حضورها العسكري في المياه الدافئة و«قوس الأزمات».

جولة ديفيد جونز

وعلى أي حال فقد قام في بداية الشهر الحالي رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات الأمريكية المسلحة الجنرال ديفيد جونز بجولة شملت سلطنة عمان والسعودية و«إسرائيل» ومصر.

وقد أعربت الدوائر العسكرية بواشنطن عن اعتقادها بأن الزيارة التي يقوم بها الجنرال دافيد جونز إلى مصر تتخذ أبعادًا جديدة بسبب الحرب العراقية الإيرانية حيث جاء وصوله في الوقت الذي طالب فيه السادات الولايات المتحدة بتوخي اليقظة في الشرق الأوسط، وجدد عرضه بوضع القواعد المصرية تحت تصرف الجيش الأمريكي من أجل الدفاع عن المملكة العربية السعودية ورغم أن وزارة الدفاع الأمريكية التزمت التكتم الشديد حول زيارة الجنرال جونز إلى مصر إلا أن مصدرًا مطلعًا أشار إلى أن مهمة رئيس أركان الجيوش الثلاثة قد تتناول التفاوض بشأن طرق تدعيم الوحدات العسكرية الأمريكية في المنطقة.

 وجدير بالذكر أن الجنرال جونز قام خلال رحلته إلى الرياض والطائف بالسعودية منذ أسبوع بتسوية تفاصيل انتشار أربعة رادارات طائرة من طراز «أواكس» في المملكة العربية السعودية. وستتيح هذه الطائرات المكلفة بمساعدة القوات الجوية السعودية بكشف هجوم محتمل في الوقت الولايات المتحدة فرصة مراقبة منطقة الخليج بأكملها.

القواعد الأمريكية في مصر

ومع أنه لم يكشف النقاب عن طبيعة المحادثات التي أجراها الجنرال جونز في مصر إلا أنه يعتقد أنها قد تناولت مسألة القواعد العسكرية التي أبدى الرئيس السادات استعداده لوضعها تحت تصرف الجيش الأمريكي. وكان الفريق أول كمال حسن علي وزير الخارجية المصرية قد أعلن مؤخرًا أن محادثات تجرى بين واشنطن والقاهرة حول قاعدة رأس بأناس على البحر الأحمر على بعد مائة كيلومتر شمالي السودان ويشير المشروع الذي تدرسه وزارة الدفاع الأمريكية إلى إمكانية تحديث هذه القاعدة لتستقبل قائلات الصواريخ الاستراتيجية من طراز «ب ٥٢» وطائرات التموين في الجو. 

وجدير بالذكر أن هذه الطائرات لا تستطيع الهبوط إلا على ممرات من الأسمنت المسلح الكثيف يبلغ طولها أربعة آلاف متر على الأقل بسبب ثقل وزنها، وقد تهيأ هذه القاعدة أيضًا حتى يمكن أن تعسكر فيها وحدة من الجيش الأمريكي «١٦ألف رجل».

وتستخدم الولايات المتحدة حاليًا قاعدة «قنة» على نهر النيل، «حوالي ٤٥٠ كم جنوبي القاهرة» وقد توقفت طائرات النقل س ۱۳۰ سرًا في هذه القاعدة أثناء الغارة الفاشلة على إيران في شهر أبريل الماضي.

وفي بداية هذا الشهر تم الإعلان في واشنطن عن وصول سرب الطائرات الأمريكية «فانتوم ف-4» بعد أن أمضت الطائرات الاثنتا عشرة ٨٢ يومًا في مصر وأجرت تدريبات ومناورات حربية مشتركة مع سلاح الجو المصري. وقد صرح قائد السرب الكولونيل مايك والاس قائلًا: أن المهمة نجحت ١٠٠ % وأشار إلى أن الطيارين الأمريكيين «تعلموا أشياء كثيرة حول العمل في بيئة شرق أوسطية».

ولكن لمن السلاح؟

وبالرغم أن أمريكا تحاول أن تظهر بمظهر «الحليف المسؤول» تجاه «أصدقائها» إلا أن نظرة على طبيعة مساعداتها العسكرية على أهم حليف لها في الشرق الأوسط وهي مصر لا تعكس هذه الحقيقة. فوزارة الدفاع الأمريكية نفسها تقول «إن المصريين لم يتمكنوا حتى الآن من تشغيل سوى سبع أو ثمان طائرات من طراز «فانتوم ف- ٤» وذلك من أصل ٣٥ طائرة كانوا قد تسلموها! فكيف سيكون الحال بعد أن يتسلم المصريون «٤٠» طائرة من طراز «ف- ١٦» الأكثر تطورًا وتعقيدًا؟!.

ثم أن مصر ستتلقى معدات عسكرية أخرى: ۳۲۱ دبابة من طراز «م- ٦٠» و٨٠٠ ناقلة جنود مدرعة من طراز «م ۱۱۳ و۱۲» بطارية صواريخ مضادة- للطائرات من طراز «هوك» وصواريخ مضادة للدبابات...- من طراز «تاو».

والحقيقة التي تجعل الولايات المتحدة تعتمد على عسكريها وفنيها في صيانة وتشغيل هذه المعدات العسكرية، ولا تسمح للمصريين بالتدرب والتمرين لتشغيلها، تنبني على حقيقة خطيرة وهي أن الولايات المتحدة باتت تعتبر مصر قاعدة لها ومخزنًا لأسلحتها الاستراتيجية لتستخدمها هي في اللحظة والمكان المناسبين!.

قواعد وتسهيلات في مناطق مختلفة

ويلاحظ بأن الولايات المتحدة منذ مطلع عام ۱۹۷۹ قد نشطت في الاتصال في البلدان التي تربطها بها علاقات «صداقة» ولها في أراضيها قواعد عسكرية، لتجديد هذه القواعد والتأكيد على اتفاقيات استخدام القواعد والتسهيلات العسكرية. وقد توصلت الولايات المتحدة في هذا الصدد إلى الحصول على تسهيلات عسكرية في كل من الصومال وعمان وتركيا بالإضافة إلى مصر وإسرائيل. 

والجدير بالذكر أن أساطيل البحرية الأمريكية من وزن حاملة الطائرات «ميدواي» وغيرها ترابط في مياه المحيط الهندي وبحر العرب. وتشير المعلومات المتوافرة إلى أن عددًا كبيرًا من قطع البحرية الأمريكية باتت مرابطة في مياه الخليج بعد اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية.

التخلي عن مبدأ نيكسون

وهذا النشاط العسكري المحموم للقوات الأمريكية الذي يعتبر تخليًا عن مبدأ نيكسون لا يمكن فهمه بمعزل عن المتغيرات السياسية العالمية خاصة في دول العالم الإسلامي.

فقد شهد العالم بشكل عام في نهاية السبعينيات حركة وطنية استقلالية استهدفت النفوذ الأمريكي والأنظمة الموالية لها. وفي الشرق الأوسط تميز في عقد السبعينات بظاهرة المد الإسلامي ووعي الشعوب الإسلامية على مصالحها ووجودها، وباتت أمريكا تخشى ما بين لحظة وأخرى أن تتفجر ثورة إسلامية تقضي على مصالحها الاستعمارية الجشعة.

ففي إيران، وبعد أن لعب الشاه دور الحارس الأمين لمصالح الولايات المتحدة في الخليج، وجدت مصالحها تتعرض لهزة عنيفة بسقوط الشاه نتيجة لثورة شعبية عارمة. وفي سوريا، تشتعل الآن ثورة إسلامية مباركة، إذا قدر الله لها النصر فستقلب موازين القوى رأسًا على عقب. ولا تدع الشعوب الإسلامية فرصة للتعبير عن غضبها وعزيمتها الماضية للتحرر من آثار النفوذ الأمريكي البشع. وعندما رأت الولايات المتحدة أن حليفتها تركيا تحتمل «تفجرًا إسلاميًا»، سارعت بتدبير انقلاب عسكري سريع فيها للإبقاء على القواعد العسكرية الأمريكية وعزل تركيا عن العالم الإسلامي.

لقد وجدت أمريكا أن مبدأ نيكسون، الذي يقضي بتسليح الحلفاء وضرورة اشتراكهم في الدفاع عن أنفسهم وعن مصالح حليفتهم الولايات المتحدة، والذي عُرف بسياسة «الحرب بالوكالة»، لم يعد مجدية ومؤتمنة. فالحلفاء أو «الوكلاء» باتوا يتعرضون لثورات شعبية إسلامية وضعتهم في موقف حرج لا يستطيعون معه «القيام بالمهمة» وبسقوط شاه إيران في بداية عام 1979، واتساع الثورة الإسلامية في أفغانستان ضد الغزو الروسي، ووضوح ظاهرة المد الإسلامي بالإضافة إلى المتغيرات السياسية غير الصالحة للولايات المتحدة، بدأت إدارة الرئيس كارتر بالتخلي عن مبدأ نيكسون ووضعت مبدأ جديدًا وهو مبدأ كارتر، والذي يسمح بموجبه للولايات المتحدة بالتدخل العسكري في «المناطق الحيوية» للمصالح الأمريكية. وبناء عليه، نشط العمل في بناء قوات التدخل السريع الأمريكية وإرسال الأساطيل إلى المياه الدافئة، وبناء القواعد العسكرية أو الحصول على التسهيلات في بعض دول المنطقة.

عبرة لمن يعتبر

والحقيقة أن أمريكا، وإن كانت تطبق مبدأ نيكسون خلال عقد السبعينات، إلا أنها لم تكن جادة في تسليح «أصدقائها» من الدول الإسلامية. فمصر، بالرغم من طردها للخبراء السوفييت وتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد برعاية الولايات المتحدة، إلا أن ما تلقته من دعم مادي أو عسكري لا يكاد يُذكر مقارنة «بإسرائيل» وأما المعدات التي نوهنا إليها سابقًا فهي على الأغلب لاستعمال القوات الأمريكية وليس الجيش المصري. أما الصومال، التي هي الأخرى ألغت معاهدة الصداقة مع الاتحاد السوفياتي من طرف واحد، فلم تتلق دعمًا يُذكر في حربها مع إثيوبيا، وكذلك باكستان، فبالرغم من أهمية الباكستان الاستراتيجية كسد أمام المد الشيوعي، خاصة بعد الغزو الروسي لأفغانستان، إلا أنها وبعد وعود كبيرة لم تتلق إلا مبلغ 400 مليون دولار أمريكي لإنقاذها في أزمتها الاقتصادية وبناء جيشها.

أما تركيا التي ظلت الحليف لأمريكا، فتجمع المصادر الأمريكية الآن على تدهور اقتصادها وضعف جيشها، بالرغم من أنه يُعتبر من حيث العدد من أكبر جيوش الشرق الأوسط. وللولايات المتحدة في تركيا (24) قاعدة عسكرية ومركز تجسس، وتعترف أمريكا بأنها تحصل على ثلث معلوماتها عن التحركات السوفياتية عن طريق محطات الإنذار في تركيا.

والأعجب من ذلك أن أمريكا كما هي معروفة لا تعرف لعملائها أو حلفائها كرامة. فشاه إيران، الذي كان الحارس الأمين لمصالح الولايات المتحدة، لم يتلقَ الحماية المطلوبة ولا حسن الوفادة بعد طرده من إيران حتى قال: «إن أمريكا طردتني كالفأر الميت».

ثم ماذا فعلت أمريكا لسوموزا؟ وماذا قدمت له؟

إن أمريكا تنطلق من قاعدة «ليس هناك صداقات دائمة بل هناك مصالح دائمة».

وإذا رأت أن من مصلحتها إسقاط حليفها تفعل ذلك ولا تتحرج، والأمثلة كثيرة في العالم. وإذا كانت هذه هي حقيقة السياسة الأمريكية حيال عملائها بشكل عام وحيال «أصدقائها» في العالم الإسلامي بشكل خاص، فإن فيما فعلته بشاه إيران وسوموزا عبرة لمن يعتبر.

والذين ينظرون إلى أمريكا نظرة القوة الكبرى والحليف القوي واهمون أو مغفلون، وعليهم أن يدركوا بأن أمريكا لا يمكن أن تكون حاميًا أمينًا ولا مدافعًا شريفًا، بل هي العدو الأول. وإذا لم يدركوا ذلك فستجبرهم الأيام القادمات على ذلك، ويومها لا ينفع ندم ولا تجدي «صداقة» ولا «اعتدال».

«فإسرائيل» ستظل القاعدة الاستراتيجية لحماية المصالح الأمريكية تردفها القواعد العسكرية المنتشرة في بلاد المسلمين، فمتى يستيقظ حكام المسلمين من سبات عميق أو غفلة مسكرة؟

الرابط المختصر :