; الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية | مجلة المجتمع

العنوان الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أكتوبر-1996

مشاهدات 57

نشر في العدد 1223

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 29-أكتوبر-1996

رغم أن عدد اليهود في الولايات المتحدة لا يزيد عن ستة ملايين نسمة وهو ما يعادل أقل من 3% من عدد السكان الذي يبلغ حوالي مئتين وستين مليون نسمة، إلا أن تأثيرهم المباشر في الانتخابات الأمريكية يأخذ حجمًا ودورًا أكبر من هذه النسبة بكثير، وقد بدأ دورهم المؤثر في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وكانت صورة اليهود في ذلك الوقت صورة قبيحة لدى عامة الأمريكيين، حتى إنه وقبل ثلاثين عامًا خلت كانت بعض المطاعم في الجنوب الأمريكي ترفع لافتات مكتوب عليها «ممنوع دخول الزنوج واليهود» لكن الصورة تغيرت تمامًا الآن، ووصل الأمر باليهود إلى أن لعبوا دورًا رئيسا في المجيء باثنين من أبناء الجنوب الأمريكي ليجلسا على كرسي الرئاسة في البيت الأبيض، أما الأول فكان الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر وأما الثاني فهو الرئيس الحالي بيل كلينتون الذي شهد اليهود الأمريكيون بل والإسرائيليون في عهده من النفوذ والهيمنة ما لم يشهدوه وربما لن يشهدوه من بعد، حتي دفع الأمر أحد الكتاب اليهود الأمريكيين أن يكتب مقالا شهيرًا يعبر فيه عن هذا النفوذ كان عنوانه: «اليهود في بلاط كلينتون» أما على المستوى الإسرائيلي فقد منح رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق شيمون بيريز الرئيس كلينتون لقب «الصهيوني الأخير».

وينحاز غالبية اليهود في الولايات المتحدة إلى الديمقراطيين باعتبارهم الأكثر تأثرًا بتنفيذ ما يطلب منهم والأكثر احتياجا للدعم، وبعدما نجح اليهود في تكوين الأخطبوط المالي والإعلامي الذي يسيطر على معظم المؤسسات الاقتصادية ووسائل الإعلام الرئيسة في الولايات المتحدة، استخدموا المال والإعلام في تحقيق أهدافهم والوصول إلى مأربهم، وأصبحت المؤسسات اليهودية تحدد الاستراتيجية السياسية للاعبين على ساحة الأحداث، ولأن المال بشكل عام أصبح يلعب الدور الرئيس في صناعة الساسة وصناعة الرؤساء في الولايات المتحدة، لذلك فإن المال اليهودي الموجه لخدمة مصالح اليهود وإسرائيل أصبح يلعب الدور الأكبر في هذه الصناعة، ولنا أن ندرك خطورة هذا الأمر إذا علمنا أن نفقات الحملة الأمريكية الانتخابية لعام ۱۹۹۲م بلغت حوالي ۳.۲ مليار دولار أنفق منها حوالي ٥٥٠ مليون دولار على الحملة الرئاسية، فيما أنفق باقي المبلغ على انتخابات الكونجرس وحكام الولايات وبعض المناصب العامة الأخرى، ولأن المجتمع الأمريكي مجتمع مفتوح ومن حق المرشحين أن يتقبلوا التبرعات والمساعدات في الحملات الانتخابية، فإن الذي يملك المال هناك هو الذي يستطيع أن يُسخر الساسة للعمل من أجل قضاياه، وهذا ما يقوم به اليهود بالفعل.

 أما في مجال الإعلام، فالأمر لم يعد يتوقف عند امتلاك اليهود لمعظم وسائل الإعلام نفسها، وإنما وجود قائمة طويلة من الكتاب والمعلقين والمحللين الصهاينة الذين لهم تأثيرهم في صناعة القرار من خلال ما يكتبون أو يعرضون، ثم جاءت بعد ذلك المرحلة الثالثة من النفوذ والتأثير للصوت اليهودي، وذلك عن طريق المشاركة المباشرة ليس في صناعة القرار، وإنما في اتخاذه، فنجح اليهود في إيصال ٤٣ عضوًا يهوديًا إلى الكونجرس الحالي يمثلون ما يقرب من ١٠% من عدد النواب، فيما يقل اليهود كثيرًا عن نسبة 3% من عدد السكان، وكان الرئيس الأمريكي الأسبق كارتر قد شغل نفسه بعد وصوله للبيت الأبيض في عام ١٩٧٦م بقضية اليهود ومدى تأثيرهم في صناعة الرؤساء بل وصناعة الساسة عمومًا في الولايات المتحدة وتأثيرهم في الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه على وجه الخصوص، فأعد له مستشاره السياسي هاملتون جوردن مذكرة سرية تقع في ٤٤ صفحة ذكرت الكاتبة البريطانية هيلينا كوبان التي اطلعت عليها وعلقت على بعض محتوياتها في صحيفة «الحياة» الصادرة في الثامن من أكتوبر الجاري أنها تميزت «بصراحة غير مسبوقة» وأنها تضمنت وصفا مذهلًا للنفوذ الهائل الذي يمارسه الأمريكيون اليهود على الحياة السياسية للبلاد.

 وجاء في المذكرة أن 60% من كبار الممولين للحزب الديمقراطي هم من اليهود، وأن عدد اليهود في المجلس الحالي الوطني للحزب الديمقراطي الذي يضم ١٢٥ شخصا زاد على سبعين يهوديا، كما لفت جوردن في مذكرته النظر إلى أن المنظمات اليهودية العاملة على الساحة الأمريكية حققت نجاحًا متميزًا في تنسيق جهودها بالنيابة عن إسرائيل و«أن التأثير التراكمي للوبي اليهودي تزداد أهميته عندما يؤخذ في الاعتبار أنه لا توجد في هذا البلد قوة مضادة سياسية تعارض الأهداف المحددة للوبي اليهودي» ولعل هذه العبارة في مذكرة جوردن تعتبر من أكثر العبارات التي استوقفتني وأنا أتابع التقرير، فهذه المذكرة كتبت قبل عشرين عامًا فقط حقق اليهود خلالها ما يصعب على غيرهم تحقيقه في أضعاف هذه المدة، وارتفع «تأثيرهم التراكمي» بشكل مثير حتى وصل الأمر بأعضاء الكونجرس أن يصفقوا وقوفًا أكثر من عشر مرات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أثناء خطابه الذي ألقاه في الكونجرس في أعقاب اختياره رئيسًا لوزراء إسرائيل وذلك في صورة غير مسبوقة في تاريخ الولايات المتحدة السياسي، وهذه المحصلة هي ثمار جهود صهيونية امتدت إلى عدة عقود دون أن تجد قوة منظمة مضادة تواجهها.

أما تأثير الصوت اليهودي المباشر في الانتخابات فإنه يتمثل في حرص كل يهودي أمريكي على الإدلاء بصوته وللمرشح الذي يحدده اليهود، مما يجعل نسبة الأصوات الملتزمة لليهود والموجهة إلى مرشح بعينه تلعب دورًا مؤثرًا تجاه هذا الطرف أو ذاك ويكفي أن ندرك أن أصوات اليهود في انتخابات ۱۹۹۲م شكلت نسبة 5% من أصوات المقترعين الأمريكيين، وذلك لوجود نسبة كبيرة من الأمريكيين لا تشارك في العملية الانتخابية، ومع ميل اليهود الدائم إلى المرشح الديمقراطي نجد أن الرئيس كارتر حصل في انتخابات عام ١٩٧٦م على 75% من أصوات اليهود، أما كلينتون فقد حصل في عام ۱۹۹۲م على 90% من أصوات اليهود الأمريكيين، فيما حصل بوش على 10%  فقط، وبالتالي فإن كلينتون يعتبر أكثر الرؤساء الأمريكيين الذين حصلوا على أصوات اليهود، وربما يضرب الرقم القياسي في انتخابات هذا العام ١٩٩٦م ويحصل على نسبة أعلى من هذه النسبة، وذلك بعدما أعلن اليهود صراحة أن مواقف المرشح الجمهوري دول من إسرائيل مذبذبة ولا تدعو للثقة به، ومن ثم فإن ثقلهم الانتخابي كله سوف يوجه إلى «الصهيوني الأخير».

واعتقد أن «التأثير التراكمي» لليهود في الولايات المتحدة سوف يواصل ازدياده إلى أن تظهر على الساحة الأمريكية قوة سياسية مضادة واضحة المبادئ والأهداف تقوم بداية بكسر شوكة اللوبي اليهودي ثم تأخذ دورها المؤثر على الساحة الأمريكية. 

فهل يا ترى يمكن أن يشكل المسلمون الأمريكيون هذه القوة المستقبلية التي تكسر شوكة اليهود؟.

الرابط المختصر :