العنوان مداد القلم
الكاتب سلمان مندني
تاريخ النشر الأحد 12-يناير-1992
مشاهدات 63
نشر في العدد 984
نشر في الصفحة 50
الأحد 12-يناير-1992
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا)
ففي الاعتداء على حدود الله اعتداء من الإنسان على ذاته أو على غيره.
فحدود الله تحجز مساحة التحرك للإنسان وتعطيه مدى لنشاطه وعطائه وجهده بحيث تتوافق
هذه المساحة مع رغباته وآماله وطموحاته، فيها الإشباع والإمتاع وتحقيق الذات وليس
للإنسان أن يدعي أنها مساحة ضيقة أو محدودة فيدفعه الطمع إلى تجاوزها، فإن فعل ذلك
فقد ظلم نفسه وظلم غيره ويقيه من ذلك التزامه بحدود الله.
والمسلم يكبر في ظلال هذا الالتزام وأفيائه وأندائه، يعتاده ويألفه
ويلتصق به حتى كأنه جزء من كيانه يرى فيه حرية لا قيدًا، وسعة لا ضيقًا، وقوة لا
ضعفًا، وعزة لا مذلة، ينشأ رجلًا ويضبط عواطفه ورغباته وانفعالاته.. يقودها، لا
ينساق وراءها كالبهيمة، وهذه الحدود لا تصطدم مع فطرته، ولا تؤثر في نفسيته كما
يدعي المبطلون، وإنما هي تتوافق مع كيانه كل التوافق وتنسجم معه كل الانسجام،
لأنها إطار هذا الكيان ورونقه وضياؤه فهي من عند الله، وهو من صنع الله، فكيف
يصطدمان؟
وما وراء هذا التوافق بعد ذلك إلا الحياة السوية
الوادعة الهانئة، أما مصادمة الفطرة فلا ينشأ عنها إلا اختلاط في العقل
واضطراب في السلوك.
والإسلام لا يضمن لمن خرج عن حدوده حياة وادعة هانئة ولكنه يعطيه
ضمانًا أكيدًا في ذلك إن هو عاد إلى كنف الإسلام عن رغبة واقتناع لا يجد في ذلك
حرجًا مما قضى الله ويسلم تسليمًا.
وحدود الله، بها عاش الإنسان في صدر الإسلام، سويًّا، وبها يبقى كذلك،
ما تعاقبت عليه الأزمان والقرون إلى أن تقوم الساعة، وكذلك بتجاوز هذه الحدود يضل
الإنسان ويبقى به كذلك ما تعاقبت عليه الأزمان والقرون إلى أن تقوم الساعة.
والناس حيال هذا الأمر إلى طريقين: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ
وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ (الشورى: 7) وليس مرد هذا التصنيف إلى الحظ أو الإجبار،
وإنما مرده القصد، وصدق التوجه والاختيار.
فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه،
فإنما التوفيق من الله هو ثمرة التزام العبد، ومن اعتدى على حدود الله فقد ظلم
نفسه وضل سواء السبيل ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ (البقرة:
229).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل