العنوان المجتمع التربوي (1065)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1993
مشاهدات 61
نشر في العدد 1065
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 07-سبتمبر-1993
وقفة تربوية: ابدأ بصفة الخير
لا يوجد إنسان في الدنيا والآخرة لا توجد فيه
خصلة من الخير، وإذا كانت هذه حقيقة مسلمة لا خلاف فيها، فإن الداعية الذكي هو
الذي يعرف كيف يبحث عن خصال الخير في المدعو، خاصة إذا كان من خصوم الدعوة
والدعاة. إذا كان الخط المستقيم هو أقرب الطرق بين نقطتين، فإن الابتداء مع
المدعوين بالحديث عن الخصال الطيبة فيهم هو أقرب الطرق إلى قلوبهم لقبول الدعوة،
ولكن الذي نراه في بعض الدعاة أنهم ينفقون أوقاتًا كثيرة في التنقيب عن المساوئ لا
عن المحاسن؛ ولهذا فإنهم لا يجدون قبولاً لدعواتهم.
وقد يرى بعض الدعاة أن الابتداء بذكر محاسن
المدعو قبل دعوته من قبيل المداهنة والمجاملة التي لا تليق بصاحب الحق، وهذا خطأ
ظاهر؛ حيث إن المداهن يبالغ بذكر خصال الخير فيمن يرجو منه منفعة، وقد لا تكون هذه
الخصال فيه، مبتغيًا بعض المصالح الدنيوية، ولكن الداعية عندما يذكر خصال الخير في
المدعو فإنه لا يبالغ ولا يختلق خصالاً من عنده، ثم إنه لا يبتغي من وراء ذلك مصلحة
دنيوية، إنما يريد تقريبه للصراط المستقيم المؤدي لمرضاة الله تعالى، ومن ثم فهو
يريد إنقاذه من الظلمات إلى النور، فهل سيؤدي هذا وذاك؟!
أبو
بلال
وحدة الولاء تمنع من الخضوع للأهواء
بقلم - د: زكريا عبد الرازق
المصري
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد:
إن الله تعالى خلق الإنسان وأودع فيه غرائز
وطبائع لتكون دافعًا له للحركة في حياته؛ ليحقق مصالحه ويتمكن من القيام بعمارة
الأرض كما قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ
فِيهَا﴾ (هود: 61).
ولكن لما كان للإنسان عدو خطير يتربص به
الدوائر ويسعى إلى إيقاعه في موجبات الخسارة والندم، وهو الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ
الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ (فاطر: 6)، فهو يعمد إلى
استغلال ما جبل عليه الإنسان من طبائع وغرائز ليوجهها إلى ما يوقعه في الضرر
والخطر بحكم ذلك العداء المستحكم بين الإنسان والشيطان. ومن هذه الطبائع التي خلق
الإنسان عليها اتباع الهوى، والهوى هو كل ما تهوى النفس وتحبه بغض النظر عما إذا
كان خيرًا أو كان شرًّا؛ فهو الميلان القلبي نحو الشيء لتسخير طاقات البدن لتحصيله
بعد ذلك. ومن هنا يدخل الشيطان على الإنسان ليقوده من خلال هذه الغريزة إلى ما
يضره في الدنيا والآخرة، فيزين له المعصية ليتعاطاها، ويقبح في عينيه الطاعة لينفر
منها، لتكون النتيجة الوقوع في الإثم الذي يترتب عليه العقاب من الله تعالى عاجلاً
أو آجلاً.
ولذلك جاءت شرائع السماء تدل الإنسان على
الطريق الصحيح الذي يجب عليه أن يسلكه ليكون في مأمن من تزيين الشيطان وتزويره للحقائق
أمام عينيه، فلا يقع في إغرائه ولا يتبع خطواته؛ لأن غريزة الهوى لديه قد أصبحت
تابعة لما يريد الله تعالى ﴿إنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ
وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ
وَالْبَغْيِ﴾ (النحل: 90). فإن كانت علاقة الإنسان بالله تعالى علاقة توحيد في
الولاء ونبذ الشرك، فلا عبادة ولا طاعة ولا متابعة إلا لما يأمر الله تعالى به،
حفظ الإنسان نفسه من الشيطان والجن. وإذا كانت علاقة الإنسان مع الناس علاقة توحيد
في الولاء للمتجانسين معه في المعتقد ونبذ التفرق والتنازع المؤدي إلى التعدد في
القيادة، حفظ الله الإنسان نفسه من شياطين الإنس.
ونهاية وحدة الولاء مع المتجانسين في المعتقد
الالتزام بما أنزل الله تعالى من شرائع؛ فيكون الفرد والجماعة قد طوعوا هذه الغريزة
للخير والعمل الإيجابي لصالح الفرد والمجتمع، لتصبح الحركة في الأمة صالحة
وإيجابية، وإلا تمكن الشيطان من قيادة الفرد والأفراد والجماعات نحو الفساد
والضلال الذي يلبسه لباس الصلاح والهداية.
فهل يسعى المسلمون أفرادًا وجماعات وحركات
وأحزابًا وتنظيمات إلى توحيد الولاء مع الله ومع المتجانسين معهم في المعتقد،
لتكون أهواؤهم تبعًا لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؟ نرجو ذلك.
التواضع
١- قال عمر بن إسحاق: قال علماء السير: كان
أبوبكر يحلب للحي أغنامهم، فلما بويع للخلافة قالت جارية من الحي: الآن من يحلب
لنا الغنم؟ فسمعها أبوبكر فقال: لأحلبنها لكم، وأرجو ألا يغيرني ما دخلت فيه من
الخلافة عن خلق كنت فيه، فكان يحلب لهم -رضي الله عنه وأجزل ثوابه.
٢- قال عبدالرحمن بن عوف: دعاني عمر بن الخطاب
-رضي الله عنه- ذات ليلة وقال: نزل بباب المدينة قافلة، وأخاف عليهم إذا ناموا أن
يسرق شيء من متاعهم، فمضيت معه، فلما وصلنا قال: نم أنت؛ ثم إنه جعل يحرس القافلة
طول ليلته.
٣- عن النضر بن سهل عن أبيه قال: قال عمر بن
عبدالعزيز لجاريته يومًا: روحيني حتى أنام، فروحته فنام، فغلبها النوم فنامت، فلما
انتبه أخذ المروحة يروحها، فلما انتبهت ورأته يروحها صاحت وقامت مذعورة، فقال لها
عمر: لا تخافي، إنما أنت بشر مثلي، أصابك من الحر مثل ما أصابني، فأحببت أن أروحك
كما روحتنِي. فهكذا يكون تواضع الملوك وحسن صنيعهم مع رعيتهم.
ماهر
السعيد
آلام قلم وكلمات أمل (المعاناة الثانية عشرة)
بقلم: الشيخ جاسم مهلهل الياسين
ثانيًا: مهمة صناع التجديد
وصفاتهم
الفكر الحركي الإسلامي مبعث للمعاناة حينما
نتأمل فيه؛ لأننا نجد قصورًا فيه أحيانًا، ونجد فيه أحيانًا أخرى أمورًا مضى وقتها
الذي كانت مناسبة له في حينه، وهي اليوم تقال في زمن غير زمنها وربما في بيئة غير
بيئتها، فقد جدت أحداث وتلاحقت أزمان حملت كثيرًا من التغيرات في الوقائع ونوعية
المواجهات وامتداد واتساع الحركة، مما كان يستدعي تطورًا فكريًّا تجديديًّا لا يصف
هذه الأحداث ويلاحقها فقط، بل يسبقها ويمهد لها إن كانت صالحة، ويحذر منها إن كانت
غير ذلك.
وهذه محاولة لتصحيح شيء مما لحق الفكر الحركي
الإسلامي، قد تخفف شيئًا من المعاناة وقد تحقق أملاً ربما طلبناه.
صعوبة البداية بالتجديد
إن للبداية صعوبة في كل شيء؛ فكيف إذا كانت
متعلقة بالقديم والجديد؟ فمن المعتاد أن يشتد الأمر دائمًا بين القديم والجديد في
فترات الانتقال، فأصحاب الحركات الإسلامية يثأرون من الأطروحات التجديدية؛ لأن
أصحاب الفكر التجديدي يضغطون على زر الانفعال الذي تحدث عنده الاستجابة، فهذه الأزرار
موجودة عند كل الناس، ولكن لا يستطيع كل واحد أن يضغط عليها؛ كما أن كل من ضغط لا
يمكن أن يحدث نفس الانفعال. إلى جانب أن الصعوبة تأتي من أن التغيير الفكري بطيء
في سريانه وتفاعله، ولكنه في الوقت نفسه طويل المدى في تأثيره، بخلاف التغيير
السياسي والاقتصادي الذي هو بمقدار ما هو سريع في التغير والتقلب هو سريع أيضًا في
زوال آثاره؛ كما يحدث في الثورات السياسية والاقتصادية؛ فالتغير الفكري لا يهجم
على النفس دفعة واحدة ولكن النفس تتشربه آنًا بعد آن، ويسير فيها بطيئًا سريان
الغذاء في الأبدان. وعملية التغيير والتجديد الحركي هي عملية أخذ كل ما هو نافع
وترك كل ما هو جامد متبلد.
كما أنه في البناء الفكري للحركات نرى تراكم
عدد هائل، وقد يكون متناسقًا وقد يكون متناقضًا، وقد يطمس كثير خطئها قليل خيرها؛
مما يعطل العاملين في البحث عن الصحيح في ركام الأخطاء. يضاف إلى هذه الصعوبة أن
القدرة الفردية عند أبناء الحركة الإسلامية ضعيفة، باعتبار أن حرية الاختيار شبه
مقيدة.
صانعو التجديد للفكر الحركي
إن هذا الاسم (التجديد في الفكر الحركي) ما
كان موجودًا إلا عندما وُلد فكرة في عقولنا، ثم أطلق عليه هذا الاسم، فخرج من
الفوضى المبهمة ليأخذ في عقولنا صورة محددة؛ فالإنسان عندما يسيطر على شيء ما يخلع
عليه الأسماء.
والتجديد في هذا لا يملكه فرد، بل هو مشروع
يشترك فيه كل الغيورين من أصحاب الفكر الإسلامي، فهو في حكم المشاع إن أراد صاحبه
الإصلاح والإبداع وفقه الله سبحانه وتعالى ﴿إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ
ٱللَّهُ بَيۡنَهُمَاۗ﴾ (النساء: 35). وصانع التجديد يندفع ويعمل على تحقيق إبداعه،
فإن تحقق لم يفتر، بل يقفز به ذلك قفزة جديدة، وهو بذلك يبتعد عن الأحلام التي لا
يستطيع أن يحققها؛ لأنها خارجة عن إطار الممكن.
وصانعو التجديد تكون مهمتهم الأولى تجديد
الأهداف الإستراتيجية، ولا نقصد بذلك ما يتحدث به قادة العمل الإسلامي من أساسيات
عامة موجودة أصلاً في المنهج الإسلامي العام من إصلاح أحوال المسلمين وإصلاح
العالم كافة وإعادة عصر الخلافة الراشدة، فهذه تصلح أن تكون إطارًا عامًّا لا تخرج
عنه الأهداف، أما أن تكون هذه هي الأهداف الإستراتيجية التي يوضع عليها المنهج
الحركي فهذا هروب من مواجهة الواقع وإعاشة أبناء الحركة في عموميات وسياحات حالمة؛
فالغايات العامة التي هي ملك كل الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر على وجه العموم،
سواء أكانوا دولاً أو جماعات أو أفرادًا، هذه الغايات يجب أن لا تختلط مع
الإمكانات والفرص المتاحة والأهداف المحدودة التي يمكن قياسها ومعرفة مدى تحققها
ومدى نجاحها أو فشلها، ولا حرج إذا قلنا إن هذه الحركة قد فشلت في تحقيق أهدافها
في هذه المرحلة كما نجحت في تلك المرحلة؛ لأنه لا ربط بين فشل الحركة والإسلام؛
لأن الحركة البشرية وسيلة، والإسلام هو دين الله الخالد الذي لا يأتيه الباطل من
بين يديه ولا من خلفه. ومن هنا يجب ألا يخلط بين أمرين: الفكر الإسلامي المعتمد
على الكتاب والسنة الذي له صفة الثبوت من حيث الأصول الاعتقادية والتشريعية، وبين
المنهج الحركي الفكري والسلوكي المتجدد.
وصانع التجديد يحتاج إلى وضوح الهدف عنده، مع
قوة في الطاقة والوسيلة وتحدٍ لكل الصعاب؛ فالإنسان الذي يعتقد أن بإمكانه حل
المشاكل التي تواجهه إنسان يحسن التغيير والتجديد، ولعلنا نستأنس بقوله تعالى
﴿لِكُلِّ أَجَلٖ كِتَابٞ﴾ (الرعد: 38) في أن لكل فترة ومرحلة من العمل منهجًا في
التفكير الحركي يناسب زمانه وفق ما تقتضي مصلحة العباد في هذا الوقت، وتبعة
التغيير والتجديد أمر متعلق بأبناء الحركة الإسلامية وهم يحملون بعد ذلك تبعة هذا
التجديد إن كان سموًّا أو انحطاطًا ﴿إِنَّ اللَّـهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّى
يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم﴾ (الرعد: 11). فالحركات الإسلامية جاءت من أجل بعث
الحياة ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي
بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا
كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: 122)، والحياة
لا يمكن لها أن تكون في جو آسن، فلابد فيها من التطور والتجدد، ثم بعد ذلك عملية
التغيير مسؤولية يتحملها الجميع.
وقد أعطى العلماء للمجدد سعة في استخدام كل
الأدوات التي يصل فيها إلى حل معضلات الحياة ومشكلاتها، قال المناوي في فيض القدير
عن وصف المجدد: "أن يكون مجتهدًا قائمًا بالحجة ناصرًا للسنة، له ملكة رد
المتشابهات إلى المحكمات، وقوة استنباط الحقائق والدقائق من نصوص الفرقان،
وإشاراته ودلالاته واقتضاءاته من قلب حاضر وفؤاد يقظان".
التقوى خير الزاد
بقلم الشيخ: عقيل بن عبد الرحمن
محمد
أستاذ العلوم الشرعية بثانوية
اليرموك بالرياض
يقول الحق جل جلاله وتقدست أسماؤه ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ
إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 102)، ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (الأحزاب: 70).
وهاتان الآيتان فيهما -أخي الكريم- حث على
تقوى الله تعالى ولزوم طاعته، وهما خطاب لكل مؤمن مما يدل على أهمية التقوى في
حياة المؤمن، فما هي التقوى؟
التقوى في اللغة قلة الكلام، وأما معناها في
الاصطلاح فيوضحها محادثة دارت بين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأبي بن كعب -رضي
الله عنهما- فقد سأل عمر أبيًّا عن التقوى فقال: هل أخذت طريقًا ذا شوك؟ قال: نعم،
قال: فما عملت فيه؟ قال: تشمرت وحذرت، قال: فذاك التقوى(1). وما أجمله -أخي
الكريم- من تفسير؛ فدنيانا مليئة بالأشواك مكتظة بالمنغصات، وكل ذلك محتاج منك
لتشمير واستعداد، وأخذ هذا المعنى ابن المعتز فنظمه:
خلّ
الذنوب صغيرها وكبيرها
ذاك التقي
واصنع
كماش فوق أر ض
الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن
صغيرة إن
الجبال من الحصى(2)
والذنوب -أخي الكريم- تكون يسيرة ثم تتضاعف
حتى تصبح كالجبال العالية. وقريبًا من تفسير أبيّ -رضي الله عنه- للتقوى، نجد
تفسير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- عندما قال: التقوى هي: الخوف
من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.
وحقًّا من خاف الله سبحانه وتعالى وعمل بما
أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن والسنة، وقنع بما رزقه الله تعالى من
رزق الحلال وإن كان قليلاً، واستعد ليوم رحيله من هذه الدنيا؛ فهذا والله التقي
الذي عرف خلاصه من هذه الدنيا الفانية، وجهز زادًا ومتاعًا للحياة الباقية.
وتقوى الله -أخي في الله- هي خير الزاد الذي
يتزود به المرء في رحلته الأخروية، لذلك يقول الحق سبحانه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ
خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: 197).
ويقول الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى:
«التقوى فيها جماع الخير كله، وهي وصية الله من الأولين والآخرين، وهي خير ما
يستفيده الإنسان». كما قال أبو الدرداء وقد قيل له: إن أصحابك يقولون الشعر وأنت
ما حفظ عنك شيء، فقال:
يريد
المرء أن يؤتى مناه ويأبى
الله إلا ما أراد
ويقول
المرء فائدتي ومالي وتقوى
الله أفضل ما استفاد(3)
وتقوى الله -أخي الكريم- سبب لزوال الكرب
وانكشاف الهم والغم، كما أنها سبب الرزق، قال تعالى ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ
يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق: 2-3)
ومن ثمار التقوى -أخي في الله- أن الله يجعل
للمتقي فرقانًا بين الحق والباطل، ويكفر عنه سيئاته ويغفر له، أوما سمعت قول الحق
جل جلاله: ﴿ي يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا
وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ
الْعَظِيمِ﴾ (الأنفال: 29)؟
يقول الإمام القرطبي -رحمه الله- معلقًا على
هذه الآية: «فإذا اتقى العبد ربه، وذلك باتباع أوامره واجتناب نواهيه، وترك
الشبهات مخافة الوقوع في المحرمات، وشحن قلبه بالنية الخالصة وجوارحه بالأعمال
الصالحة، وتحفظ من شوائب الشرك الخفي والظاهر بمراعاة غير الله في الأعمال والركون
إلى الدنيا بالعفة عن المال.. جعل الله له بين الحق والباطل فرقانًا، ورزقه فيما
يريد من الخير إمكانًا...»(4).
وفوق هذا يا أخي الكريم فلتعلم أن الرسول صلى
الله عليه وسلم قد أخبر -وهو الصادق المصدوق- أن المتقي لله هو أكرم الناس؛ فعن
أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قيل يا رسول الله من أكرم الناس؟ قال: «أتقاهم...»
الحديث متفق عليه.
ولقد وصف الله عباده المتقين بصفات اختصوا بها
عن غيرهم؛ فمن ذلك قوله تعالى في مطلع سورة البقرة ﴿الم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا
رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. وَالَّذِينَ
يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ
هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (البقرة: 1-4).
فالله سبحانه امتدح هؤلاء المؤمنين بإيمانهم
بالغيب تبعًا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه، وأخبر أن شعارهم إقامة
الصلاة بتأديتها في أوقاتها على الوجه المطلوب شرعًا بإتمام قيامها وركوعها
وسجودها؛ كذلك أخبر سبحانه أن من صفات عباده المتقين الإنفاق في سبيل الله سواء
كان ذلك واجبًا كالزكاة أو تطوعًا كسائر الصدقات، وكل هذه الصفات منبثقة عن
إيمانهم بالآخرة وما فيها من الحساب والثواب أو العقاب.
ومن هنا تدرك -أخي في الله- أن جماع التقوى
اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه؛ فعليك أن تعمد إلى الأعمال التي تزيد هذه التقوى
وتسمو بك إلى مصاف الأخيار، واحذر من الأعمال التي تخدش في هذه التقوى أو تضعفها.
ألا وإن مما يزيد تقوى العبد ذكر الله تعالى
في السراء والضراء في كل زمان ومكان، فهو سبب الفلاح، قال تعالى ﴿وَٱذۡكُرُواْ
ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ (الجمعة: 10).
وفي الحديث الذي يرويه أبو هريرة -رضي الله
عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان
في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» متفق
عليه. فذكر الله سبحانه وتعالى بالتسبيح أو التكبير أو التهليل أو التحميد فلاح
للعبد وزيادة في تقواه، كذلك بالاستغفار ومداومة الصلاة على النبي صلى الله عليه
وسلم وتلاوة القرآن، إلى جانب أداء الواجبات الشرعية من الصلاة والزكاة والصوم
والحج ونحو ذلك؛ وبر الوالدين وصلة الأرحام وملاطفة الأيتام والمعوزين والتودد لهم
والإحسان إليهم والصدق والأمانة والعفاف وحفظ حقوق الناس والحذر من الوقوع في
أعراضهم وأموالهم، كذا أداء النوافل والسنن كالمحافظة على السنن الرواتب وصلاة
الوتر وركعتي الضحى وصيام التطوع كصيام ست من شوال وصيام يوم عرفة ويومي تاسوعاء
وعاشوراء وصيام الأيام البيض من كل شهر، ومثله بذل الصدقات والتبرع للمنكوبين
والإنفاق في سبيل الله. كل هذه -أخي الكريم- روافد فضل للتقوى تزيدها وتكملها
وتجعل صاحبها في مراتب أولياء الله المخلصين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وليحذر المسلم من كل ما من شأنه هتك لهذه
التقوى وتقويض لها؛ من الغش والكذب والخيانة والغيبة والنميمة، ناهيك عن ترك
الواجبات الشرعية والوقوع فيما حرم الله، وكل ذلك يقضي على تقوى العبد لربه ويوقعه
في سلم الرذيلة ويحجزه عن كل فضيلة.
جعلنا الله وإياكم من أوليائه المتقين، وجنبنا
سبل الضالين، وجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وغفر لنا ولوالدينا ولجميع
المسلمين؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين وسلم تسليمًا كثيرًا.
______________________
الهوامش
(1) تفسير القرطبي ج1 ص 161، 162.
2 - تفسير القرطبي ج1 ص 162.
3 - أحكام القرآن للقرطبي ج1 ص 162.
4 - تفسير القرطبي ج7 ص 396.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل