; قصة قصيرة.. الضياع | مجلة المجتمع

العنوان قصة قصيرة.. الضياع

الكاتب عبد الرحمن العمصي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-1972

مشاهدات 89

نشر في العدد 91

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 14-مارس-1972

قصة قصيرة

الضياع

عبد الرحمن العمصي

دلف سالم إلى غرفة طبيب الصحة المدرسية، وجلس على كرسي مواجه للطبيب بعد أن حياه بصوت خفيض.

 وبادره الطبيب سائلًا: كيف الصحة اليوم؟

فأجاب سالم: لم أشعر بأي تحسن يا دكتور، الإعياء الذي أحس به طيلة يومي هو هو، وحالتي لا زالت نفس الحال، حتى أصبح أمر نومي في الفصل مثار عبث زملائي وتندرهم، ورغم أنني أغالب نفسي كي أظل منتبهًا لمدرسي، متيقظًا متابعًا لما يقولون، إلا إنني بعد فترة قصيرة أجدني- رغمًا عني- وقد وضعت رأسي على المقعد إذا أحس بالذبول والإعياء والعجز عن أن أستمر متابعًا منتبهًا.

رفع الطبيب رأسه سائلًا: ألا تمارس الرياضة يا سالم؟

 فأجاب سالم وعلى وجهه سحابة من الصفرة: بلى، لقد اعتدت دومًا أن أشارك في الفرق الرياضية بالمدرسة، وأنا أحد أعضاء فريق كرة القدم بمدرستي، ولكنني منذ صرت أحس بهذه الحالة لم أعد قادرًا على أن أزاول لعبتي المحببة.

 وابتدره الطبيب سائلًا: وهل أحسست بمثل هذه الحالة من قبل؟

- لا يا دكتور لم أحس بهذا من قبل، كانت المرة الأولى التي أحسست بهذا المرض بعد زيارتي لبيت خالي حيث تسامرت مع ابن خالي عادل ومجموعة من الأصدقاء.

 وامتدت يد الطبيب نحو ملف سالم الصحي، وقلب الأوراق باحثًا عن نتيجة التحليل الطبي الذي أجراه سالم قبل ثلاثة أيام حسب أمر الطبيب نفسه عندما جاءه شاكيًا من الحالة التي يعانيها.

ونظر الطبيب من خلف نظارته جائلًا ببصره بين سطور نتائج التحليل، بينما تحركت عينا سالم تنظران إلى سماعة الطبيب الملقاة على المنضدة أمامه، ثم ارتفع بناظريه إلى وجه الطبيب الذي بدت تظهر عليه سحابة من ألم مشوب بالعجب والدهشة وبادره الطبيب سائلًا كم عمرك يا سالم؟

وجاءه- الجواب من صوت منقطع ست عشرة سنة.

 وغدت نتيجة التحليل واضحة أمام الطبيب الآن بعد أن أتت عيناه على كل ما في ورقة التحليل.

 وارتسمت على وجهه أشباح من الأسى والألم ظاهرة، وغشيت محياه غاشية من الكآبة والدهشة، وتمتم: ويح هذا الجيل ما أضيعه! ويل للذين تاجروا بالانحراف، وأغرقوا الشباب بالمجلات العارية، وألهبوا ظهورهم بسياط من الأغاني الفاجرة والصور الخليعة، موهمين الشباب الغض أن الانحراف حرية، والطيش والنزق فتوة.

 وأوهموا الشباب أن التفلت من كل مثل أو نظم رجولة وإباء وفي نفس الوقت أبعد الشباب عن التربية الإسلامية ليكون مجردًا من كل أسباب المقاومة.

وما كان الطبيب ليصدق ما يرى من نتائج التحليل، واستمر غارقًا في غيبوبة من الحزن قائلًا لنفسه: إن هذا الشاب لم يكد يتم السادسة عشرة من عمره حسب تاريخ ميلاده المسجل أمامي، ولكن ماذا يفيد الأسى وما تفيد الدهشة؟! إنها النتائج واضحة وضوح الشمس وماذا تفيد مغالطة النفس ورفع الطبيب عينيه الزائغتين هلعًا مما رأى في ورقة التحليل الطبي

سائلًا سالم: منذ متى أوقعت نفسك في هذا الطريق المدمر يا سالم؟

 فالتفت إليه الطالب في دهشة مشوبة بخوف قائلًا:

أي طريق هذا الذي تعنيه يا دكتور؟

- طريق مصادقة الأشرار والسقوط معهم فيما يسقطون فيه من فواحش.

 وحاول سالم أن يرد، ولكنه حشرج بكلمات غير مفهومة، وعكرت وجهه المصفر غيوم من الخجل والأسى.

 فكرر الطبيب: قل لي يا سالم هل حدثت معك مثل هذه الأعراض من قبل؟

- لا يا دكتور لم أحس بهذا الأمر إلا منذ ستة أيام وبعد زيارتي لابن خالي عادل، فرد الطبيب: عرفني بالضبط عما كان، فأنا طبيبك ولا بد أن تكون صادقًا معي ويجب أن توليني كل ثقتك كي تستفيد من العلاج.

 وهنا أطرق سالم وعلت وجهه حجب من الخجل والشعور بالإثم والمهانة وتمتم في صوت خفيض بتفاصيل ما كان من أمره مع أصدقاء السوء إذ قادوه معهم إلى مستنقع الرذيلة حيث واقع معهم ساقطة من الساقطات. وأحنى سالم رأسه بعد أن انتهى من حديثه وكأنه يتمنى أن تبتلعه بطن الأرض، وأردف قائلًا:

 منذ تلك اللحظة يا دكتور وأنا أشعر بالاحتقار لنفسي أنا لست إنسانًا يستحق الاحترام أو العطف منك أو من غيرك.

 وهنا قال الطبيب: أتدري يا سالم ما المرض الذي أصابك نتيجة سيرك مع أصدقاء السوء ساعات من ليلة، إنه وباء إذا دخل جسمًا حطمه وربما انتهى بحياة صاحبه إلى الذبول الدائم وحتى إلى العقم؟ إنه مرض الزهري الخطير يا سالم.

 وهنا دارت الدنيا بسالم وألقى برأسه على المنضدة وارتفع صوته في نحيب متشنج، وبعد محاولة من الطبيب لأن يبث في نفس سالم معاني الصبر ويؤمله باحتمالات الشفاء- بإذن الله- انتظم على العلاج، وترك أصدقاء السوء إلى غير رجعة.

 وبعد فترة من التهالك، قام سالم من مكانه وتحرك بخطوات واهنة كخطوات من يمشي إلى حبل المشنقة بعد سماع الحكم بإعدامه، ليضيف عضوًا جديدًا إلى قائمة الذين دمرهم الانحراف.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

1637

الثلاثاء 24-مارس-1970

حَديث صَريح للشيخ محمد أبو زهرة

نشر في العدد 1

1417

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع القراء

نشر في العدد 2

1441

الثلاثاء 24-مارس-1970

مع القراء 1