; المجتمع الثقافي (العدد 1375) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1375)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 09-نوفمبر-1999

مشاهدات 74

نشر في العدد 1375

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 09-نوفمبر-1999

نقوش على جدار الحزن

قراءة في قصيدة «مدن الصمت» للشاعر محمد حكمت وليد

بقلم: محمد جميل أحمد

عبر تكثيف الدلالة السياسية مستخدمًا أسلوب الخطاب المحكي حينًا والوصف التصويري حينًا آخر يدلف الشاعر السوري الدكتور محمد حكمت وليد إلى كشف وتعرية الدمى التي تستحيل ملامح الحياة عبر تشكلاتها إلى متاحف أسمنت متيبسة في قصيدته «مدن الصمت» من ديوانه «تراتيل للغد الآتي» الصادر عن دار البشير بجدة.

مدن الصمت استراحت في سرير 

من حجر

تتمطى في ضجر

تمضغ العجز قضاء وقدر

وتنادي

أيها المهدي يا سيدنا

طالت الغيبة يا منقذنا

إننا منذ قرون ننتظر

هكذا تتعتم في فضاء النص منافذ الحركة عبر الجمود والعجز، وتتجاوز إرادة الخلاص الواقع المتكلس لتنفصم أسباب التغيير عن تكاليف الحياة من خلال استدعاء رمز الخلاص التاريخي للأمة، وهو استدعاء مخادع الهدف منه تغييب الروح المتحفزة وتمرير الكسل والتواكل لتتراكم خطى القرون على رصيف الانتظار وتتلاشى نداءات الخلاص في الفضاء الرحيب دون أن تنبعث الحركة والحياة في مدن الصمت، ويلف الإيقاع المتثائب الموسيقى الجنائزية في النص كتعبير متراخ يتشاكل تمامًا مع أجواء القصيدة المفضية إلى العجز والجمود والاستسلام.

على أن الشاعر بعد تصوير المشهد السابق يفجؤنا بدلالة جديدة تقابل العجز والجمود، ولكن سرعان ما تنكشف هذه الدلالة عن خيبة الأمل والإحباط، فالحركة التي تأتي نتيجة الجمود والعجز هي حركة ارتدادية نحو الأسفل :

مدن الصمت مشت للمنحدر

تنحت الأصنام للفرعون في وادي الملوك

وهي تدعو الله أن يكلأه

بالسبايا والطواشي والدرر

إن الانحدار الصامت في النص هو تفسير للعلاقة الجدلية في حركة الحياة، فالجمود في كنهه وحقيقته هو حركة في الاتجاه السلبي للحياة، وبالتالي تتحول الأنا الجماعية المشار إليها بعلاقة المكان إلى روافد تستنيم إلى سلطة القهر، فهي هنا تعيد إنتاج أدوات القهر والاستلاب بإرادة مزيفة وتبتدع الطقوس من وحي القهر لتثبيت سلطة الإله المزيف.

والشاعر ينقل دلالة الذات والمكان من الفضاء التاريخي إلى الواقع المرير ليكشف تكريس القمع والاستلاب والقهر وليعري ملامح الفطرة المنتكسة.

ويتدرج بنا عبر كشف هذه الملامح من سيئ إلى أسوأ، فالتحجر والصمت في مفتتح النص هو مقدمة للانحدار والسير في الاتجاه المعاكس، ثم يسلط الشاعر الضوء على تفاصيل مفردات الواقع المرير من خلال قرابين الولاء «السبايا والطواشي والدرر»، ويفصل أكثر فيقول:

مدن الصمت أقامت ناطحات السحاب

وبها الأزهار في كل الميادين 

وفي كل الحدائق

تصرخ الألوان فيها كالنسور الجارحة

والورد فيها حجري ما له من رائحة 

في هذا المشهد يعيد الشاعر تكرار لازمة الدلالة المكانية بإدخال عنصر جديد ولكنه امتداد للمشاهد السابقة، فهو هنا يذكر ناطحات السحاب في إشارة مادية إلى الآخر الأجنبي وحضارته التي تغلغلت في نسيج حياة مدن الصمت، ولكن هذه الحضارة ذات الميادين والحدائق ليست لها مذاقات مميزة ولا طعم ولا رائحة.

كما لا يخلو النص من الإيحاء إلى انقطاع أسباب هذه الحضارة عن القيم الإنسانية انقطاعًا كليًّا، والناس فيها عناصر مومياء تتحرك في مدرج الصمت بلا هدف جاد ولا غاية رشيدة، وهي -أي الحضارة- تتواءم مع سلطة القهر باعتبارها معطى جديدًا يغطي وهج الروح تحت ركام الفطرة المنكوسة.

ثم يعود الشاعر مرة أخرى إلى تغييب الوعي في النص فيتحول الغد الذي يحمل الأمل والحياة إلى زمن رمادي باهت يطل من وراء القرون في الماضي السحيق وتتعطل ملكات الحس ومعاني الحياة، فمدن الصمت لم تعد تفرح أو تبكي، الأمر الذي يفضي بها إلى الموت :

مدن الصمت استراحت في ضفاف الذاكرة 

غدها يشرق فيها من عصور غابرة

لم تعد تفرح تبكي

جمدت في عينها كل الدموع الحائرة

وهذه المدن الرمادية استسلمت خيامها العربية لغارة الإفرنج «الذين يزرعون الليل آثامًا شقية»، أما عبادها فهم أبعد الناس عن معنى الحياة.

يقول الشاعر مصورًا هذه المعاني:

عبر الإفرنج للحي إلى وسط الخيام العربية

وترى العباد من أبنائها خلف الستارة

يقرأون العلم يتلون المتون

وما زالوا يعيشون على فقه الطهارة 

بكل هذا التقابل الذي ينزع إلى التعايش بين المستغفل والمستغفل أو بين النباهة والاستحماء -كما يقول علي شريعتي- يصور الشاعر مسرح الحياة في مدن الصمت وهو في تصويره لا يغفل الهوامش على المستوى الرمزي، فالعلم للقراءة والتلاوة وليس للفهم، والتعليم يتم في الخفاء وهو تعليم ينتج ثقافة العجز، فالحياة في مدن الصمت علاقة جدلية بين ثقافة العجز ودهاء الاستعمار بكل أشكاله الظاهرة والخفية، فالإفرنج دخلوا إلى عقر الخيام العربية لتشكيل مفردات الحياة الداخلية، بينما العباد الذين ينتجون ثقافة العجز لا يتعدى نشاطهم دعاء الكسالى وصلوات العاجزين، وهم بذلك آثروا أن يعيشوا على هامش الحياة أو قل خارج الحياة بتلك الثقافة التي تفضي إلى تغييب الوعي الذاتي والموضوعي للراهن من واقع الحياة، ومن ثم يصير الإنسان في مدن الصمت «عبدًا ماثلًا رهن الإشارة».

وهو أيضًا يدرج العمر بغابات من الأسمنت في قعر الحضارة.

وهنا تتلاحم مؤثرات الصمت والجمود مع خط الانحدار نحو الهاوية في تشكل نهائي يحيل الإنسان في مدن الصمت إلى قطعة في رقعة الشطرنج.

والشاعر في النهاية يريد أن يدلل على أن الجمود والعجز وكل القيم السلبية لا تمنح الإنسان مشروع الخلاص -الحلم- وإن كان المخلص موجود لأنه والحالة هذه ليس أكثر من ساخر من قوم فقدوا مبررات وجودهم لأنهم يعيشون «ليعلوا هرم الفرعون»، وهو تعبير كالح متيبس لا يسمح بأدنى استجابة لقابليات الحياة الكريمة.

لقد عمد الشاعر إلى كشف وتعرية القيم السلبية التي تعيد إنتاج الواقع المتخلف، ولقد نجح في إبراز حقيقة حياة الصمت والزيف، فهو يصف الداء دون وصف الدواء، ولكن هذا يكفي؛ إذ إن تشخيص الداء نصف العلاج.

ولعل تداعي المعاني في أجواء القصيدة يلح على الذهن استدعاء مفاهيم فكرية لا تبعد دلالتها عن توصيف هذا الواقع المرير «فالقابلية للاستعمار» هي من مشمولات هذا الواقع الذي تتنفس أجواءه بالرغم من بصيص الأمل الذي يلوح من وراء الأفق البعيد.

 

واحة الشعر

طال النوى

شعر: محمد الأمين محمد الهادي

بعثت بغيمة الأحزان..

تزجيها أكف الغيب

إلى وطني.. بأشواق

قد احترقت بأعماقي 

تسائله عهود الحب 

وهل ما زال ميثاقي 

ما خطته أقدامي..

على رمل الشواطئ الخضر..

مكتوبًا؟!

أم الأمواج قد لحست

وما أبقت.

لقد طال النوى والبعد..

يا وطني!

فهل ما زال دربي مقمرًا بالليل 

وذاك المنحنى المشبع

بأسرار الهوى المترع

وحيث وعدت عينيها 

وظل شجيرة كنا..

نسميه بظل الحب..

وذاك المسجد المحفوف..

بالأشجار والأزهار..

إذ كنا نطهر ما جناه القلب

أيا وطني

أما برحت خبايا العطر مألوفة؟

وأكواب من الجنات مصفوفة؟ 

وأسمار بليل الأنس..

تتلوها نجوم الليل..

تنسجها أشعتها.. 

ويرويها خيال الشعر..

بالأحلام ملفوفة.

وديك الصبح يا وطني..

شبان وصبيان؟

ليلتحقوا بفوج الفجر..

تتلو ثم قرآنا.

وقبل الصبح؟

أما زالت جرار الماء تحملها عذارانا؟

وهل ما زال في ساح المدارس ثم

أطفال

ولم تعركهم المحن؟ 

أيا وطن؟

ولم تثقل كواهلهم دفاترهم؟

وقد رسموا على الجدران أحلامًا

وأحلامًا 

وما ملت أناملهم ولكن كسروا في الحلم أقلامًا

وعادت غيمتي تبكي..

وقد جرحت!

أصابتها رصاصات

من الأطفال قد طاشت..

يقول وقد طواها الحزن

وتهطل من دموع الغم

بما زاد الأسى همًّا وأحزانا..

تغيرت المعالم في طرائقه مبانيه

وصار الشاطئ المخضر محمرًا

وموج البحر ضخ دمًا وحيتانا

وصوت القنبل الداوي

هو الآذان

ويفقأ أعين الحيطان

«بازوك»

يرتل سورة الرعد 

ويفزع «أبجد» الأشعار

من دعد ومن هند 

وأين براءة الأطفال؟

والأحلام والأقلام؟

وهل يبقى لأشباح

تعاني مثقل الأرزاء أحلام؟

لقد غالت طفولتهم مطامعنا!

وداست بؤرة الإحساس

ولم تشعر بهم في الدهس أقدام

رياض الحب..

بله حدائق الأفراح

وأشجار «الطلال» الخضر..

لم ينعم بفيء ظلالها بيت

حقول الموز والبطيخ والمانجو..

يجردها جراد الحقد.

عناقيد الكروم «ببيدو» احترقت..

وصار عصير ضيفاني نزيف الدم. 

واصطبغت حياتي كلها بالدم 

وماشيتي يعلفها.. الذي اغتصب «الجران»

وذبح في العرا حقدًا.. أبي والأم

ويتم كل أولادي..

وإخواني وجيراني..

وأهلي كلهم شردوا.. 

ومنبر مسجدي يعلوه منتهك

لحرمته! 

ومن جمع المصاحف سلمًا تعلوه

أقدام

فشلت تلكم الأقدام.

ليسرق ساعة المسجد

تسور مدرج المحراب والمنبر

وصار خطيب جمعتنا!

وقالت غيمتي بأسى :

لقد أمطرتهم حبك!

لقد أمطرتهم قلبك!

وأمطرت الهوى والعشق 

كل طرائق الوطن!

لتسقط في جراحات الأسى بردا!

سلامًا يمحق الحقدا!

رحيقًا ينتج الشهدا!

ومنتظر أنا

فلعل ما أمطرت

سوف يعيد ما انهدا !

 

«البياتي» دلـيل آخر على خواء المنطفئين

د. سعيد بن ناصر الغامدي

إذا قرأت لكاتب أو صحفي أو مؤلف فإن أول ما أبحث عنه هو مقدار وضوح الرؤية لديه؛فمنهم عميق الرؤية، ومنهم عديمها، وبين هذين مراتب وأطوار:

أعمى وأعشى ثم ذو                    بصر وزرقاء اليمامة

سبحان من قسم الحظوظ            فلا عتاب ولا ملامة

وإذا كان القائل يسقط العتاب والملامة في الرؤية البصرية رضاء بقدر الله، فإننا في مجال الرؤية العقلية الفكرية لا يمكن أن نسقط العتاب والملام عن الكتاب الذين يعيشون بين أظهرنا ويكتبون بحروف لغة القرآن ويكتبون لأبناء وبنات أمة الإسلام.

ومن شروط الرؤية الناضجة الحكيمة:

۱- النظر في السطح إدراكًا لأبعاده وزواياه.

٢- النظر فيما تحت السطح تعمقًا واستشفافًا.

3- النظر في أبعاد كل ذلك في المستقبل استشرافًا وتوقعًا.

4- الربط بين القضايا كلها برباط عقلي مستنير محكم: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَاب (البقرة: ٢٦٩).

فإذا طبقنا هذه الشروط الأربعة على بعض الكتاب والصحفيين أمكننا أن نعرف مقدار سطحية الرؤية لديهم أو عتامتها .

ومن الأمور التي توضح لنا ذلك بجلاء، موقفهم من القضايا أو الأشخاص الواقعة في مدار «الشد والتأرجح» ممن انطوى على غموض وإبهام في فكره أو عقيدته، أو في مدار «المضادة والمعاداة»، ممن كشف عن عداوته للأمة دينًا وتاريخًا ولغة.

أقول هذا وأنا أطالع هذه الأكداس الكثيرة من المقالات والأقوال التي تناولت موت «عبد الوهاب البياتي»، حيث نراها جميعًا بلا استثناء تبكيه وتطريه وتبدي الحزن الشديد على فقده وتذكر مآثره ومفاخره حتى ليخال للقارئ أن هذا الرجل من علماء الأمة وشخصياتها المهمة وأن له في الدفاع عنها والذود عن عقائدها وخصوصياتها الباع الكبير، وأن له في مجال رفعتها وتقدمها الخطوات الواسعة، هذا هو مضمون وفحوى تلك المقالات المؤبنة والمادحة، فلننظر إلى صدق هذه الدعوى من خلال بعض أقوال للبياتي سطر فيها موقفه من عقيدة المسلمين ومن تاريخهم ومن قضاياهم.

وقبل ذلك أذكر شيئًا من سيرته: فقد ولد في بغداد سنة ١٣٤٤هـ، وتخرج في دار المعلمين العالية في بغداد وانتمى للحزب الشيوعي، وأصبح من دعاة الماركسية، وهو أحد الذين بدأوا وضع بذور الحداثة في البلاد العربية وخاصة في مجال الشعر فهو من مؤسسي الحداثة ومن السادرين في حبها والدفاع عنها، وقد أشرب حب عجلها من شبابه في دار المعلمين على يد مدرس إنجليزي، ثم تنقل ما بين مصر وسورية والعراق والاتحاد السوفيتي.

وله مؤلفات عديدة تساقط في دبقها اللزج أتباع منخدعون، فهم على آثاره يهرعون، وعلى منواله ينسجون.

وحتى لا تصبح هذه الترجمة الموجزة معلقة في فضاء الدعوى لا بد من بيان مواقفه من خلال أقواله التي مات ولم نسمع أنه تاب منها، بل مات وهو يعتبرها جزءًا من ذاته ومفخرة من مفاخره.

فها هو في ديوانه يعبر عن أصل حداثي يتلخص في السخرية من الألوهية وجحدها عن الله تعالى ثم نسبتها لغير الله سبحانه، فيقول في ديوانه 1/ 492 معبرًا عن جحده لألوهية الله تعالى وداعيًا إلى مبدأ نيتشه القائل بقتل الإله:

«رأيت الإله على المقصلة

رأيت الديوك على المزبلة»

ويعبر عن جحد الألوهية بتعبير آخر، وذلك حين يصف مسلمًا يصلي، ناعتًا له بالتخلف والموت -وكل مسلم عنده متخلف- ويعبر عن الله تعالى بلفظ العنقاء رمز المستحيل فيقول:

«رجل بالموت مضاء، قلق تحسبه أعمدة ووهاء، وجسور يركع في منتصف الليل أمام العنقاء».

ومن أبشع وأشنع أقواله، قوله الخبيث الموجود في ديوانه 1/ 368:

«الله في مدينتي يبيعه اليهود

الله في مدينتي مشرد طريد

أراده الغزاة أن يكون

لهم أجير، شاعر، قواد

يخدع في قيثاره المذهب العباد»

وقوله في ديوانه 2/ 85 :

«الله والشيطان

وريث هذا العلم الإنساني

يحوم حول سوره عريان

فاكهة محرمة

ومدن بلا ربيع مظلمة»

وفي الوقت الذي ينادي فيه بالتمرد على كل قيد، والمصادمة لكل ألوهية، والتدنيس لكل مقدس، نجده يرتمي في تقديس الأوثان الجاهلية البائدة کعشتار وتموز، والأوثان الجاهلية المعاصرة من مذاهب وأفكار، بل نجده ينحط مع لوازم هذه العبوديات المختلفة إلى حد تقديس الحرف والكلمة كما في قوله: 

«أيها الحرف

الذي علمني حب الحياة

أيها الحرف الإله

آه لا تطفئ مصابيحك آه

كل ما أكتبه محض صلاة

لك للعالم ما أكتبه

محض صلاة». ديوان البياتي 1/ 420.

وهكذا ينطرح البياتي عبدًا للحرف والشعر ويصلي له ويقدسه معتقدًا أزليته وأبديته ويخاطب الشعر قائلًا:

«إلهي أنا قوس بين يديك فاكسرني»

ويقول جاعلًا كلماته المهترئة وألفاظه النخرة مثل كلمات الله تعالى:

«لو كان البحر مدادًا للكلمات لصاح الشاعر: يا ربي نفد البحر وما زلت على شواطئه أحبوه». دیوانه 2/ 425.

ويتحذلق ممجدًا الإبداع إلى حد مقارنته بالخلق وهو مهووس كغيره من الحداثيين بهذه الكلمة.

وبنفس مجوسي يقول واصفًا الشعر:

«خرجت من نار طقوس الشعر طقوس الحب...

خرجت من نار الشعر والآيات ونبيي الثورات...».

وله من هذا الباب خبط كثير.

ومن منطلق إشرابه قلبه حب الماركسية والوجودية والليبرالية سلط سهام بغضه واستهانته بالنبوة فيسمي النبي «ابن السماء» و«العمدة الموهوب»، كما في ديوانه 1/ ١68، 169.

ويربط النوم والتخلف بالنبوة وذلك في قوله:

«قدمت أوراق انتسابي لرسول الأب

وقومسيار الشعب

من أجل أن يسرق

على الغد السكون بالخوف وبالأشباح

لكنه سلمني لرق التعذيب والسجون والبوليس

والنفي والتشريد

فالعملة الرديئة

قد طردت في مدن الأزمنة الحديثة

العملة الجيدة الجديدة». ديوانه 2/ 128، ۱۲۹.

ويتمادى في هذه الاتجاه حين يقرن إرهاصات النبوة وعلاماتها بالعنقاء رمز المستحيل، بالكتب الصفراء والمقابر رمز التخلف عندهم، ويسخر من النبي صلى الله عليه وسلم ومن حادثة شق الصدر رابطًا كل ذلك بالجمود والرجعية فيقول:

«قلت: شبابي ضاع في المقابر

والكتب الصفراء والمحابر

ودارت الأفلاك

ولم أزل أبحث في تهامة 

عن تلكم الحمامة

وفي مساء زارني ملاك

ووضع القمر

على جبيني، شق صدري، انتزع الفؤاد

أخرج منه حبة سوداء

وقال لي: إياك فالعنقاء

تكبر أن تصاد

فعد إلى المقابر

والكتب الصفراء والمحابر

من بلد لبلد مهاجر».

ومن مسالك الاستعارات الفكرية والنقدية التي سلكها البياتي قوله مستنقصًا مقام الله عز وجل:

«من تری ذاق فجاعت روحه، حلو النبيذ

وروابي القارة الخضراء والمطاط والعاج وطعم الزنجبيل

وعبير الورد في نار الأصيل

ورأى الله بعينه، ولم يملك على الرؤيا دليل

فأنا في النوم واليقظة من هذا وذاك

ذقت لما هبطت عشتار في الأرض ملاك».

لقد أضحت عشتار لديه محور الآمال والمطالب، فهي فوق النقد وهي مفتاح الرؤيا لكل شيء حتى يزعم أنه يرى الله بعينيها، وهو أمر عجيب من رجل تكونت ثقافته تحت راية الديالكتيك المادية، وهو في نتاجه الشعري يمارس إغراقًا عجيبًا في الاعتداد بالآلهة الوثنية اليونانية، حيث جعلها رمزًا للبعث والنهضة والتقدم، ونسب إليها جملة من الأعمال الإرادية، فهي عنده تقول وتسير وتبكي وتندم وتضحك وهي نماذج النماء والخصب والحيوية، يقول تحت عنوان العودة من بابل:

«بابل تحت قدم الزمان 

تنتظر البعث فيا عشتار

قومي املئي الجرار». ديوانه 2/ 78.

ويصور البياتي الله تعالى كواحد من المخلوقات يمكن الاختفاء عنه، وذلك في قوله: «وأنا أحمل في الشارع جثة، مخفيًا وجهي عن الله وعنك». ديوانه 2/ ۲19.

ويتحدث عن الباري جل في علاه باستخفاف حداثي صارخ فيقول: 

من أعطاك حق البحث في مدينة العشق عن الله؟ دیوانه 2/ 355.

ويجعل صفة البصر لله تعالى موضع تهكم ووهم وتندر، حيث يجعل إثباتها من كلام أحد المجانين وذلك في قوله:

«... انتظريني -قال المجنون- وظلي ميتة بين الموتى، واقتربي

من ضوء الشمعة، إن الله يرانا ويرى وجهي الخائف مقتربًا من وجهك».

وينتقص الباري سبحانه غاية التنقص في قوله:

«… أتخطى الوضع البشري، أدور وحيدًا حول الله وحول منازله في الأرض».

ويقول: «صغيرتي نادية، رأيت في سماء عينيك رأيت الله والإنسان» ديوانه 1/ 476.

ويقول: «مولاي لا يبقى سوى الواحد القيوم وهذه النجوم». ديوان 2/ 73.

ومن تراتيله الوثنية وعاداته الصنمية قصيدته التي سماها «مرثية إلى أخناتون» وفيها يشبه هذا الطاغية بالله تعالى وتقدس، حيث يقول:

«يا أيها المعبود

أنت الذي يعيش في الحقيقة

ممجدًا مباركًا قدوس...

متوجًا بزهرة اللوتس والثعبان، حيًّا جميلًا

خالدًا معبود

وعاشقًا معشوق

شمس النهار أنت في جلالك العظيم

وضعت ليلًا في السماء وصنعت منه أمواجًا على الجبال

تسقط والحقول.. إنك لا تموت إنك لا تفنى إلى الأبد

إنك لا تعطش في سفينة الشمس لا تجوع». دیوانه 2/ ٢69.

هل توجد لغة وثنية عبادية أصرح من هذه اللغة البياتية التي تسمى إبداعًا وتحديثًا؟

هذه بعض مضامين شعر البياتي، ولو ذهبت أستقصي ما قاله من انحرافات وجاهليات وشركيات لطال المقام، ولعلي -إن شاء الله- أفرد البياتي وانحرافاته بمؤلف خاص لتقوم الحجة على مقلديه والمعجبين به والجاهلين بحاله، المصابين بالعوز المعرفي والثقافي، وبفقر الدم العقدي، والله المستعان.

موت راقصة.. وحياة أمة!

ماذا يعني موت «راقصة»؟

يعني حياة الأمة، فبموتها، وموت من على شاكلتها، يهوي معلم كبير من معالم الرذيلة، ويرتفع أمل عظيم في استنقاذها من وهدة الملذات الحسية، ويتراجع سبب رئيس من أسباب انحطاطها، إذ ماذا تربح هذه الأمة من وجود الراقصات سوى تغييب وعي مواطنيها، والهبوط بقدراتهم وإمكاناتهم، وتخديرهم بالشعور الزائف بالسعادة، وتركيم سحب الشهوانية والاستغراق الحسي في نفوسهم.. وكلها أمور أخطر على الأمة من أعدائها.. بل هي عدو داخلي ينهش فيها نهشًا.

ما الرقص؟ أليس ممارسة المرأة لفنون الغواية والإثارة الجسدية في عري، وعلى محضر من الرجال؟ وهل هناك شك في حرمة هذا الرقص؟ بل هو حرمات فوق حرمات!

والرقص عمل جاهلي أبطله الإسلام.. وهو ركن من أركان الحضارات المخالفة للإسلام كالرومانية والفارسية وامتداداتهما الحالية في الحضارة بشقيها: الغربي والشرقي.. بل يعتبر جزءًا أصيلًا من تكوين هذه الثقافة القائمة أساسًا على المادية، والشهوانية، والحسية.

ولئن كان المشروع الغربي يرفع خسيسة الراقصات، فما علاقاتنا به حتى نصير إلى ما صار إليه؟! ولئن كان الرقص قد وفد إلينا مع الاستعمار، واستوطن في بعض بلداننا نتيجة وجود النفوس المريضة فقد حان أوان محاربته، وتنظيف بلاد المسلمين منه، ومن آثاره.. فقد دفعت الأمة ثمنه غاليًا من تاريخها ومجدها بهزائمها المنكرة، وانسياقها خلف عدوها، وهوانها على نفسها حتى أنها لم تعد تنتج ما تصدره سوى فنون «الرقص الشرقي»!

أقول هذا تعليقًا على ما كتبه بعض النقاد حول وفاة راقصة منذ ثلاثة أسابيع فقد وصفها بعضهم بأنها: «جزء من نهضة ثقافية أساسية وحركة إحياء وطني للفنون»، وأنها كانت «راقصة ورمزًا ثقافيًّا ليس فقط في مصر بل في العالم العربي» (إدوارد سعيد- جريدة الخليج 10/١٠/99) ذلك أن «الرقص أقرب عندها إلى العبادة منه إلى الخلاعة» «نوري الجراح- المشاهد السياسي ١٠- 16/ ١٠/ ١999م»... إلخ.

وهذا «قليل من كثير كتب عنها».

فليت شعري إذا كانت تلك حقًّا مكانة الراقصات عندهم فما مكانة المتعبدات الطائعات، والتقيات الفاضلات اللائي خرجن للأمة عشرات من المجاهدين، والعلماء العاملين والباحثين المتمكنين؟

إن الإسلام والمسلمين براء من هاتيك الراقصات -الأحياء منهن والأموات- والأمة إلى موات ما دامت فيها حياة للرقص، وهي إلى حياة ما دام الرقص فيها إلى موات.. أما وعيها وثقافتها فيتشكلان بحياة الجد، والالتزام الأخلاقي التي ينهض بها مواطنوها الأخيار من حملة القرآن، وأمناء العقيدة، يتحقق تفوقها بطهرها، ونظافتها، وسموها، وروحانيتها.

إن هذه الثقافة الجديدة التي يتم الترويج لها، والتأسيس لأدواتها، معتبرة الرقص وسيلة حضارية بعيدة كل البعد عن ثقافتنا وشخصيتنا الإسلامية.. لذا كان لزامًا علينا تنقية ساحتنا من هذا الوافد الدخيل والحفاظ على مشروعنا الإسلامي نقيًّا ربانيًّا على شرط مفاصلة الغرب.. خاصة عند رقصه ومجونه .

عبد الرحمن سعد

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

955

الثلاثاء 31-مارس-1970

الأسرة.. وحزيران

نشر في العدد 3

152

الثلاثاء 31-مارس-1970

مقامة