العنوان تغريب الوعي الإسلامي في الشعر التركي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-سبتمبر-1986
مشاهدات 61
نشر في العدد 782
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 09-سبتمبر-1986
على الرغم من حملات التغريب التي تعرض لها المسلمون في تركيا
الكمالية وما صاحبها من تشكيك بالإسلام، وإقصاء له عن الحياة والمجتمع خلال سنوات
طويلة، وعلى الرغم من تشويه التاريخ ومحاربة اللغة العربية ممثلة في تعلم القرآن،
ورفع الأذان بها، فقد استمر تيار الوعي الإسلامي يشق طريقه، وبقي أولو عزيمة ممن
عرف الحق يتنفسون نسائم الإسلام في أجواء مشوبة بالإلحاد والعلمانية.
فعلى مستوى الأدب- ونقصر حديثنا هنا على فن من فنونه وهو الشعر-
فقد ظل الحنين إلى الإسلام متوهجًا في نتاج عدد من الشعراء، وبرز ذلك عند شاعر
الإسلام «محمد عاكف» الذي لم ين يتحدث عن عظمة الإيمان ودوره في صهر الشعوب
الإسلامية، بما فيها أمة الترك، ومما قاله وهو يشكو من تأثر المسلمين بفكرة
القومية بمنظورها الغربي، وتمزيقها لوحدة المسلمين.
أي فضل لعربي على تركي؟
أي فرق بين كردي وعجمي
وهندي وصيني
هل كان للعنصرية وجود في
ديار الإسلام؟
أنى يكون هذا؟!
ويدوي صوت محمد عاكف وهو يعيش آلام المسلمين، ليكشف تآمر
الغربيين، وخلفيات الحرب الصليبية التي أججوا أوارها فيقول:
إن ما فعله الغرب المسيحي
تجاه المسلمين شيء فظيع
لقد اتحد على تدمير البلاد
الإسلامية، ومحوها من الوجود
والدولة العثمانية التي تقف
صامدة أمام الطغاة
هي آخر معقل للإسلام
وأمل المسلمين في الخلاص
والنصر
ويفيض الألم بالشاعر، ولكنه
لا يجد أمام ناظريه سوى بوارق الأمل؛ لأن الجند عن الإسلام يقاتلون، وفي سبيله
يموتون:
انظروا إلى هذا الجندي
المتقدم
إنه من جند الله!
فردًا فردًا
وهذا الحنين كما برز عند عاكف فقد برز عند «عثمان يوكسل» وعند
غيرهما نبضًا يقوي ويضعف، ولكنه لا يموت، كما كان التلهف إلى أمجاد المسلمين، أيام
عزتهم ودولتهم التي دقت أبواب «فيينا» كان ذلك كله باعثًا على تفجير طاقات الشاعر-
على الرغم من سوء الواقع، والظلام الذي غطى آخر بؤرة للنور، ونحس ونحن نقرأ شعر
عثمان يوكسل بأن نفسه تتقطع أسى على مجد الإسلام ممثلًا في رمز «مسجد أيا صوفيا»
إذ يقول:
أين انقضى العصر المبارك
شامخًا
أين انطوى الدين المطهر شائدًا؟
في الصمت صرت، وكنت أفضل
ناطق
وإلى الخراب مشيت جسمًا
هامدًا
من ذا أباح حمى النبي لطغمة
من ذا أمال مفاخرًا
ومحامدًا؟
باسم التقدم شوهوا تاريخنا
وامتد كفر القوم بطشًا
حاقدًا
ومع ذلك فإن عثمان يوكسل يرى بصيص الأمل من خلال الواقع المظلم
فلا يجد اليأس إلى نفسه سبيلًا؛ فالعقيدة التي يؤمن بها تجعل المؤمنين يتفاءلون
وهم في أشد ساعات الحرج والابتلاء، لأنها علمتهم أن المقادير بيد الله عز وجل
فلماذا ييأسون؟ وكيف لا يتفاءلون؟
فيقول:
سيكون فتحًا ثانيًا تبني به
خضر العصور لهن سورًا
ماجدًا
ستزال أصنام وترجع في الحمى
آي، ونمحق كافرًا ومعاندًا
ستعود أصوات الأذان قوية
والذكر والتهليل أكبر
ماردًا
ستری المآذن بعد يبس رطبة
بضلوعها تدعو الإله الواحدا
إننا لم نستوف حق الشاعرين، ولا حق الموضوع في هذه العجالة،
وحسبنا أن نشير إلى هناك كنوزًا في الأدب التركي في أواخر عهد الخلافة وفي الوقت
المعاصر، وعلى الأدباء الإسلاميين أن يكشفوا مخبآتها، فمن المحزن حقًّا أن
الماركسيين استطاعوا أن يبرزوا أدب «ناظم حكمت» التركي اليساري بحيث عرف عنه
القارئ العربي أكثر مما يعرف عن محمد عاكف وإضرابه.
أبو بشر