العنوان «من يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا»
الكاتب محمد سلامة جبر
تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-1972
مشاهدات 76
نشر في العدد 119
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 26-سبتمبر-1972
ونقيض الحكمة الحمق والسفه..
وهي على ثلاثة أضرب.. حكمة قوليَّة، وحكمة عمليَّة، وحكمة علميَّة..
أمَّا الحكمة القوليَّة، فالقول الصائب.
وأمَّا الحكمة العمليَّة، فوضع الشيء في محله.
وأمَّا الحكمة العلميَّة، فإدراك حقائق الأشياء، أو معرفة الأمر على ما هو عليه.
وبقدر ما يجمع الإنسان من تلك الصفات، بقدر ما يكون متَّصفًا بالحكمة، وبقدر خلوِّه عنها يكون خاليًا منها.
وأكمل من جمع تلك الصفات رسولنا محمَّد صلى الله عليه وسلم.
أمَّا من جهة قوله، فعرض غير متلو ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ (النجم: 3 – 4).
وأمَّا وضعه الشيء في محلِّه، فيظهر في تنوِّع توجيهاته صلى الله عليه وسلم لأصحابه كلٍّ بحسب ما يليق به، وما يعرفه عنه، فيقول لأحدهم «لا تغضب» والآخر «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك» ولثالث «یا غلام.. إنِّي أعلِّمك كلمات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله..» إلى آخر ما ورد في هذا الباب من أحاديث مشهورة.
وتظهر كذلك حكمته العمليَّة في أجلى صورها بتنوُّع سلوكه في الحادثات بحسب ما يريد الله تعالى من وجوه المسالك المجدية.
فبينما مكث يدعو بمكَّة ثلاثة عشر عامًا ويصلّي وحوله أصنام قريش وقبائل العرب دون أن تمتدَّ يده صلى الله عليه وسلم إلى صنم فيحطِّمه، إذا به حين نصره الله وعاد مكَّة فاتحًا يكسر الأصنام جميعًا وهو يقول ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81).
وكان إمساكه صلى الله عليه وسلم عن إزالة الأصنام في أوَّل أمره، ثمَّ كسرها حين أيَّده الله بنصره، عمل تقتضيه الحكمة البالغة من وضع للأشياء في مواضعها اللَّائقة بها، فلو استفزَّه وجـود الأصنام حوله -ومرآها أقسى على نفسه الشريفة من ضرب السيوف- ولو اندفع ومن معه من القلَّة المؤمنة بدعوى تغيير المنكر مهما كانت التكاليف والتضحيات، لوُئِدَت الدعوة في مهدها، ولقُضى عليها في بدئها، ولاتَّخذها كفَّار مكَّة ذريعة لتصفية المسلمين تصفية جسديَّة، ولشكروا للمندفعين أن أتاحوا لهم هذه الفرصة النادرة في إشفاء غليلهم من المسلمين، بسفك دمائهم أجمعين، ولكنَّ الله سبحانه وهو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلِّه، وعدًا عليه حقًّا هو الذي علَّم رسوله الحكمة وأوحى الله إليه بالصبر على الدعوة، وإنَّ العجلة في تحقيق هذا الوعـد الصادق لن تؤدِّي إلَّا إلى عدم تحقيقه، ذلك أنَّ وعد الله لا يتحقَّق إلَّا باتباع أمر الله، وسلوك نهج رسل الله، وما عند الله لا يُنال بخلاف أمر الله ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (الحجر: 94 – 95)
أما حكماء عصرنا، وعقلاء زماننا -وما أكثرهم- فيقولون: الشجاعة تقتضيك أن تسلك مسالك الرجال، وتخوض خضم الأهوال، ولا تبالي بالخسائر في الأرواح والأموال، فشهداؤنا في الجنَّة على كلِّ حال.
فاسمع -رحمك الله- وأعجب لفقههم أو لا تعجب، فالأمر كما قيل:
إنِّي لآمنٌ من عدوٍّ عاقل
وأخاف خلا يعتريه جنون
فالعقل فنٌّ واحد وطريقه
أدری فارصد والجنون فنون
أمَّا حكمته العلميَّة صلى الله عليه وسلم، فيكفي للتدليل عليها قوله تعالـى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ (الإسراء: 1).
فقوله تعالى ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ﴾ دليل اختصاصه صلى الله عليه وسلم بعلم أسرار إلهيَّة تفضَّل الله عليه بها وأنعم، ثمَّ الإجماع منعقد على سيادته العلميَّة على كافَّة الأنبياء «أنَّه والله لو كان موسى حيًّا بين أظهركم ما حلَّ له إلَّا أن يتبعني» رواه الحافظ أبو يعلى.
ففهَّمناها سليمان
قد يحكم اثنان من الناس حكمًا صحيحًا على أمر من الأمور، غير أنَّ أحدهما يكون في حكمه أحكم، وفي إدراكه لوجه الحقِّ أعلم، فيأتي حكمه موافِقًا للحكمة، متضمنًا لمقتضيات العدل والرحمة، وليس عبثًا ما قصَّه علينا ربنا -سبحانه- من أمر داود وسليمان عليهما السلام، إذ حكم نبيّ الله داود حكمًا صحيحًا التزم فيه بقواعد الشريعة في تضمين المتسبِّب بهلاك المال، غير أنَّ سليمان عليه السلام أشار عليه بحكم نظر فيه إلى أبعد من ذلك، حيث قصد تحقيق الحكمة، وإيصال الرحمة ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ ﴾ (الأنبياء : 79) ثمَّ أتبع سبحانه ذلك بقوله ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ ﴾ (الأنبياء: 79) ليشير سبحانه إلى أنَّ حكم سليمان وإن كان أحكم إلَّا أنَّ حكم داود ما كان باطلًا ولا جائرًا بل ما كان أسلم ولا أرحم.
قال تعالى ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ. فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (الأنبياء: 78 – 79).
روى ابن جرير الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّه قال: يقول: «كنَّا لما حكما شاهدين، وذلك أنَّ رجلين دخلا على داود، أحدهما صاحب غنم حرث، والآخر صاحب غنم، فقال له صاحب الحرث: إنَّ هذا أرسل غنمه في حرثي فلم يبق من حرثي شيئًا، فقال له داود: اذهب، فإنَّ الغنم كلَّها لك، فقضى بذلك داود، ومرَّ صاحب الغنم بسليمان، فأخبره بالذي قضى به داود، فدخل سليمان على داود، فقال: يا نبيَّ الله، إنَّ القضاء سوى الذي قضيت، فقال: كيف؟ قال سليمان: إنَّ الحرث لا يخفى على صاحبه ما يخرج منه في كلِّ عام، فله من صاحب الغنم أن يبيع من وأولادها وأصوافها وأشعارها حتَّى يستوفى ثمن الحرث، فإنَّ الغنم لها نسل في كلِّ عام، فقال داود: قد أصبتَ.. القضاء كما قضيت، ففهَّمها الله سليمان». انتهى بنصّه ص ٥٢ ص ۱۷.
ثمرة الرواية
ولستُ أقصد فيما قدّمت من بيان حكمة رسولنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وإثباتها له بأعلى مقام، وكذلك ما رويت من قضاء داود وسليمان عليهما السلام، لست أقصد من وراء ذلك مجرَّد الرواية، ولكن لا عبر منه إلى بيان ما نحن بسبيله.. «إلام ندعو .. وكيف...؟» فما تقدَّم يدل دلالة واضحة على أنَّ الحكمة ضالَّة المؤمن أنّي وجدها فهو أحقُّ بها، ويدل كذلك على أنَّ الرأي الحقَّ قد يتعدَّد، غير أنَّ أحدهما يكون أقرب إلى الحكمة وتحقيق مقاصد الشرع من الآخر.
هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإنَّ داود عليه السلام لم يمنعه أن فرغ من قضائه وأصدر حكمه الصحيح أن يعود فينقض حكمه حين تبيَّن له وجه الحكمة في قضاء ولده سليمان عليه السلام فيقول: «القضاء ما قضيت»، قال تعالى ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (ص: 26) ولقد حكم عليه السلام بالحقِّ ولم يَّتبع الهوى، لذلك آثر حكم ولده فور سماعه إذ رأى فيه حكمة عاليـة آتاها الله إياه كما قال سبحانه: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (ص : 20)
قال أبو طالب المكي في قوت القلوب ص ٤٠٦ حـ 1 ما نصّه:
«والمحقّقون من أهل المعرفة يقولون: إنَّه لا يجتمع عبدان في مقام بالسواء، بل لا بدَّ من أن يكون أحدهما أعلى بعلم أو عمل أو وجد أو مشاهدة، وإن كان الصواب والقصد والأصل واحدًا، وأعلى التفاوت مشاهدات الوجه، وقد قال الله تعالى ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ (النساء: 87) ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ ﴾ (البقرة: 148) وقال تعالـي ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 84) قبل أقصد وأقرب طريقًا» انتهى بنصّه..
وهذا بعض ما يستفاد ممَّا حكينا عن داود وسليمان عليهما السلام.
أمَّا قصدي من إثبات أعلى مقام للحكمة لرسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، فذلك ما أبيِّنه إن شاء الله.
إنَّه على الرغم من كمال عقل بعض الناس، وعُمق إيمانهم، وصدق إخلاصهم، إلَّا أنَّهم كثيرًا ما يضطربون في بعض المواقف المصيريَّة، ويتشكَّكون في سلامة القضايا اليقينيَّة، فإنَّ الأمر إذا خفيت حكمته، ودقَّت حقيقته، وتاهت في طوايا الغموض سريرته، يصعب على العقلاء -فضلًا عن غيرهم من العامة- أن يسلّموا بصحة الحكم، وسلامة الاتجاه، وسداد الرأي، ولقد وقع ما يصدق ذلك كثير، غير أنَّ رواية واحدة مشهورة تكفي للاحتجاج في هذا المقام، وفيها عظة وعبرة لمن ألقى السمع وهو شهيد.
قال ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسيره حـ ٢٦ ص ۱۰۰: «قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ «يوم الحديبية» فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: «ألسنا على الحقّ، وعدوِّنا على الباطل؟
قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنيّة في ديننا إذن؟ قال: إنِّي رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري، قلت: ألست تحدّثنا أنّا سنأتي البيت، فنطوف به؟ قال: بلى، قال: فأخبرتك أنّك تأتيه العام؟ قلت لا ، قال: فإنَّك آتيه ومتطوّف به، قال: ثمَّ أتيت أبا بكر، فقلت: أليس هذا نبيّ الله حقًّا؟ قال: بلى، قلت ألسنا على الحقّ وعدوِّنا على الباطل؟
قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال: أيها الرجل، إنَّه رسول الله، وليس يعصي ربه، واستمسك بغرزه حتَّى تموت، فوالله إنَّه لعلى الحقِّ، قلت: أوليس كان يحدِّثنا أنَّا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنَّك تأتيه العام؟ قال لا، قال فإنَّك آتيه ومتطوّف به.
قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالًا» انتهى بنصه وقول عمر رضى الله عنه «فعملت لذلك أعمالًا» يدلّ على تأثمه ممَّا فعل، وندمه الشديد على ما بدر منه، فأكثر من عمل الصالحات، واجتهد في كسب الطاعات، لعلَّها أن تقاوم تلك الزلَّة التي قد لا تُقبل من مثل عمر، غير أنَّ الله سبحانه وتعالى جعلها تصدر عن عمر لحكمة بالغة، لعلَّ منها ألّا نتّبع دعوة داع إلى الحقّ إذا شابها رائحة من الباطل، وألّا نطيع نداء مناد للجهاد -مهما كان ذلك المنادي علمًا وإخلاصًا- ما دام في ندائه مخالفًا لقواعد الكتاب والسنّة، متنكبًا حكمة التشريع متعجّلًا ثمرة الدعوة والتبليغ.
ولو كانت الحكمة علمًا في الكتب، وحبرًا على قراطيس، وقواعد من المنطق، لما كان أكثر حكمائنا، ولكن.. هيهات إنَّها يا أخي هبة الخالق لبعض خلقه، وعطيَّة من عطاياه، يختصُّ بها من يشاء من عباده ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ ﴾ (البقرة: 269)
ولقد كان عمر رضي الله عنه من كبار حكماء الأمَّة ولا ريب، يشهد له بذلك تاريخه العظيم، ومواقفه الخالـــدة الراشدة، وحكمته العالية المسدّدة، ولقد صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال «كان فيمن قبلكـم محدَثون، وإن يكن في أمّتي أحد فعمر» والمحدث بفتح الدال هد الملهم.
وإنَّما حجب الله عن عمر رؤية الحكمة في اتفاق الحديبية لحكمة بالغة يعلمها سبحانه، واجتهدت في بيان بعضها والله أعلم بمراده.
ومع ذلك، فلم تكن حكمة عمر لتطاول حكمة الصديق، ولا حكمة الصديق لتطاول حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ ۗ ﴾ (آل عمران : 163) ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ۗ ﴾ (الأنعام: 124) .
صيحة النذير
وأخلص من كلّ ذلك، لأقرّر أنّ الحقّ دائمَا على خلاف الهوى ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (المؤمنون: 71).وكثيرًا ما يبدو الهوى وكأنَّه الحقّ المراد، وعين الحكمة والسداد، فينادي به العامّة والخاصّة، ويلحُّون في طلبه، ويشقّون على أئمَّتهم لحملهم على طاعتهم، والتسليم لأهوائهم، فأمَّا تنتصر حكمة الشيوخ، أو تطغى فورة العموم، ويا ويلنا إن سادتنا أهواؤنا، وقادتنا آراؤنا، وتغلّبت على حكمائنا جماهيرنا، وقيل علام نعطي الدنيّة في ديننا، فإن لم نكن إلى الضياع صرنا، فإنَّا إليه صائرون، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل