; دور الحركات الإسلامية في البعث الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان دور الحركات الإسلامية في البعث الإسلامي

الكاتب عبدالكريم عثمان فادي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-مايو-1979

مشاهدات 147

نشر في العدد 444

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 08-مايو-1979

  • الجزء الأول
  • تمهيد

بادئ ذي بدء أود أن استعرض معكم العنوان «دور الحركات الإسلامية في البعث الإسلامي» بهدف تحديد ما يجب تعريفه وتبيان الوجه المقصود منه.. فمثلًا ماذا نعني من كلمة «الحركة الإسلامية» وما هي علاقتها بالدعوة الإسلامية.. وماذا نعني من كلمة «البعث الإسلامي»؟؟ وما منزلة هذا البعث من الحركة الإسلامية؟ أهو في منزلة الغاية من الحركة أم نتيجة لها؟؟

ومن ثم نستطيع أن نناقش ما يلي: 

أولًا: دور الحركة الإسلامية «المحلية» في البعث الإسلامي وعلاقتها بالحركات الإسلامية «سواء المعاصرة أو المتعاقبة».

ثانيًا: دور الحركات الإسلامية المعاصرة في البعث الإسلامي العالمي.

الحركة الإسلامية وعلاقتها بالدعوة الإسلامية وتنظيماتها

الدعوة كلمة عامة تطلق على أي تبليغ قولي أو فعلي في صورة أمر بالمعرف أو نهي عن المنكر ابتغاء مرضاة الله.

أما الحركة فهي الدعوة المنظمة المبنية على دراسة الواقع المراد أحداث التغيير الإسلامي فيه والتي تتناول كافة الأنشطة البشرية في الأمة وفق خطة ناتجة عن تلك الدراسة وفي إطار السياسة أو المنهج العام الحركي للإسلام على أن تسير في مراحل متكاملة بواقعية وإيجابية واعية تفضي إلى غايته المنشودة.

والتنظيم الإسلامي هو الجماعة التي تتولى قيادة الحرية والتخطيط لها وتوجيهها. وعليه يفهم أن كل جزئية في أي حركة إسلامية تعتبر دعوة ولكن ليس بالضرورة أن تكون كل دعوة حركة بالمفهوم الاصطلاحي للحركة كما أشرنا آنفا. وبمعنى آخر يمكن تصوير العلاقة بين الحركة والدعوة باعتبار أن الدعوة هي رسالة الحركة وأن الحركة هي التجسيد الاجتماعي للدعوة. 

ونكتفي بهذا القدر لأننا لسنا بصدد الحديث عن طبيعة الحركة وأركانها وخصائصها أو سماتها.. فهذا يتطلب محاضرة مستقلة بذاتها ولكن قد نعطي بعض اللمحات عنها عبر تناولنا الموضوع المحاضرة.

وماذا نعني بالبعث الإسلامي وما منزلته من الحركة الإسلامية؟

نعني بالبعث الإسلامي هو إيجاد القناعة بحتمية الحل الإسلامي لإخراج الأمة المسلمة من محنة ارتكاسها في الأنظمة غير الإسلامية «الشرقية والغربية على السواء» ومن ثم إيجاد روح التضحية والجهاد من أجل تجسيد النظام الإسلامي -كنظام حياة متكامل- في واقع الأمة الإسلامية... ومن أجل إيجاد الدولة المسلمة. 

وعنوان المحاضرة «دور الحركات الإسلامية في البعث الإسلامي» ليوحي كأن هذا البعث في منزلة الغاية من هذه الحركات الإسلامية أو في منزلة النتيجة لهذه الحركات. في الحقيقة يمكن اعتبار البعث إحدى نتائج الحركة أو الحركات الإسلامية، كما يمكن اعتباره، غاية أدنى لأن الغاية القصوى من الحركة على وجه البسيطة هي إقامة دولة إسلامية واحدة وغاية الغايات للحركة هي غاية المسلم في الحياة الدنيا وهي مرضاة الله سبحانه وتعالى. 

وللتوضيح لا بد أن نفرق بين الغاية والهدف.. لقد أصطلح عرفيًا من الناحية العلمية أن الأهداف تطلق على أهداف برامج الحركة فمنها المباشرة وغير المباشرة ومنها القريبة أو البعيدة.

دور الحركة الإسلامية «المحلية» في البحث الإسلامي وعلاقتها بالحركات الإسلامية الأخرى «سواء المعاصرة أو المتعاقبة»

لقد تكفلت العناية الربانية بإرسال الرسل والأنبياء كلما ران على قلوب العباد وعقولهم اكنة الزيغ وأغلفة الضلال ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (سورة الإسراء: 15).

هذه عناية ورعاية عامة للعباد «سواء المسلمين وغير المسلمين». أما العناية والرعاية الخاصة بالأمة الإسلامية فتتمثل في بعث من يجدد لها دينها على رأس «أو مع» كل قرن كما جاء في الأثر. والتجديد الذي نعنيه هو إحياء المعاني الحقيقية للقيم الإسلامية وتجسيدها تجسيدًا يظهر في سلوك الفرد والدولة «حكومة وأمة» وهو أيضًا إزالة الصدأ الذي قد يتلبس معدن العقيدة الإسلامية وجوهرها بفعل تقادم العهد على الناس العوام وجاهلية الفكر أو الحرف أو كليمها، والتغيير التدريجي في مظاهر الحياة والسلوك الذي جعل من المسلمين مسخًا في صورة أناس لا يختلفون كثيرًا عن غير المسلمين وخاصة في وقتنا الحاضر.. في ظل ما وفد إلينا مع الحضارة المادية التي تقبع وراء تكنولوجيتها.. والتجديد الذي نعنيه كذلك هو إجلاء الغشاوة التي غلفت البصائر وفك الأغلال التي قيدت العقول والقلوب التي في الصدور. 

﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (سورة الرعد: 5).. 

فلن تكون هذه الأغلال في الأعناق يوم القيامة إلا لأولئك الذين غلت عقولهم وقلوبهم -بما كسبت أيديهم- في الدنيا فلم تع أو تبصر الحق الذي نزل من ربهم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (سورة البقرة: 171).

والتجديد حركة يبدأها المجدد وأنصاره منطلقين لمواجهة واقع مرير يعانيه المجتمع المسلم. وفي هذا الواقع تسود مظاهر من سلوك الفرد والمجتمع والدولة تنحرف بهم وتحولهم دون تحقيق مضمون العقيدة الإسلامية ومدلولها مع تقادم العهد. 

وهذا التجديد بدوره يعمل على إحداث انقلاب فكري لدى الفرد والمجتمع وخلق قناعة تامة في النفوس المسلمة بضرورة تبني الحركة التصحيحية وحتمية الحل الإسلامي لإخراج المجتمع من مغبة ارتكاسها في الأنظمة الفاسدة وغير الإسلامية، وإذكاء روح التضحية والجهاد لإحداث التغيير الاجتماعي الإسلامي وإقامة الدولة المسلمة. وللتوضيح يجب أن نورد بعض الأمثلة الحية من واقع تاريخنا المعاصر أو في الماضي القريب.

حركة محمد بن عبد الوهاب التصحيحية:

هذه الحركة نشأت في القرن الثاني عشر الهجري -الثامن عشر الميلادي- عندما سادت شبه الجزيرة العربية جاهلية الحرف والفكر والعقيدة، ومظاهر الوثنية التي لا تختلف في قليل أو كثير عما كانت في وثنية قوم نوح وموسى.. الأمر الذي دفع بالإمام محمد بن عبد الوهاب «رحمه الله» أن يصدع بالحق لتصحيح عقيدة التوحيد في نفوس المسلمين بالطريقة التقليدية المتبعة والتي كانت مناسبة في ذلك العهد. فهي في عمومها أن اقترنت بالعنف إلا أنها كانت ذات أثر إيجابي إلى حد كبير.. إلى الحد الذي قد يغيب على ذهن المسلم العادي إدراك هذا الأمر في الحركات الإسلامية المتعاقبة التي نشأت وانتشرت بعد ذلك في مختلف بقاع العالم.

فببلوغ هذه الحركة أرض الحرمين الشريفين حيث المناخ الذي يتوفر فيه إمكانية الاتصال بمختلف الشعوب المسلمة ووفودها خاصة في مواسم الحج والعمرة... انتشرت هذه الحركة العقيدية التصحيحية في إنحاء العالم حتى بلغت إندونيسيا.. أقصى بلد في عالمنا الإسلامي.

أذكر أنني دعيت مرة في حفلة تكريم لأحد الكتاب المؤرخين الإندونيسيين المعروف باسمه المختصر «همكا».. كان ذلك في القاهرة صيف عام 1969م إذ كان همكا في طريق عودته من الجزائر حيث حضر مؤتمر أدباء آسيا وأفريقيا... وقد أشار في كلمته التي ألقاها في هذه المناسبة إلى أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب وحركته التصحيحية قد وصلت إندونيسيا عن طريق ثلاثة أشخاص التقوا به في أحد مواسم الحج. 

وأذكر أن أحدهم يدعى الحاج مسكين وعلى أثر جهود هؤلاء الثلاثة قامت الجمعية المحمدية «بمدينة فادين بسومطرا الغربية» والتي عنيت بفتح المدارس التي تعلم الإسلام على مذهب أهل السنة والجماعة دون التشيع أو التعصب لأحد مذاهب السنة الأربعة. 

وبنفس الطريقة تقريبًا انتشرت حركة محمد بن عبد الوهاب في مصر وشبه القارة الهندية والشام وغيرها من البلدان الإسلامية.. فجماعات أنصار السنة امتداد لهذه الحركة.

حركة ماشومي الإسلامية في إندونيسيا

لقد استطاعت الجمعية المحمدية من نشر رسالتها وإخراج أجيال من المسلمين وتحت رسالتها كأمة مسلمة ونظرت إلى واقعها المرير ومجتمعها المستضعف الذي رزح تحت نير الاستعمار الهولندي ما ينيف على الثلاثمائة سنة فأنشأت تنظيمًا إسلاميًا حركيًا يتناسب ومقتضيات ظروف الجهاد المقدس ومقاومة الاستعمار الدخيل واسمه «شركة إسلامي»، ثم سرعان ما تطور الي شكل تنظيم إسلامي حركي حديث استوعب إلى حد ما معظم مقومات الحركة في مختلف مجالات النشاط البشري سواء المجال السياسي، التعليمي، التربوي.. إلخ. 

وهذا التنظيم عرف باسمه المختصر «ماشومي» واسمه الكامل «مجلس شورى إسلامي» ولكن القوى المعادية للنظام الإسلامي في داخل إندونيسيا وخارجها تمكنت بتحالفها مع سوكارنو ونظامه من حل هذا التنظيم.. ولكن الحركة لا زالت مستمرة فهي في مد وجزر.. وهي الحركة التي أطاحت بسوكارنو وتدعو الآن إلى إقامة الدولة الإسلامية التي تقوم بتطبيق الشريعة الإسلامية كاملة واتخاذ الإسلام منهجا لحياة الفرد والأمة والدولة. وزعيم هذه الحركة حاليًا هو الدكتور محمد ناصر. 

فهذه الحركات الثلاثة التي تعاقبت على إندونيسيا تعتبر أولى الحركات الإسلامية التصحيحية المعروفة ببقاء عقيدة أصحابها واتباعها وبفكرها الإسلامي وعدم لبس هذه العقيدة بأي ثانية من شوائب الشرك أو الخرافات التي كانت تسود كافة الأقطار الإسلامية في العالم آنذاك «لا إندونيسيا فقط».

كما كانت هذه الحركات تتميز بوضوح الفكر والرؤية الإسلامية.

حركة الجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية وحركة الإخوان المسلمين في مصر!

أما حركة الجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية- فهي شبيهة بحركة ماشومي في إندونيسيا ويتزعمها مؤسسها الأستاذ أبو الأعلى المودودي.. فقد نشأت في نفس الفترة التي قامت فيها حركة ماشومي تقريبًا. وتعتبر حركة جماعة الإخوان المسلمين في مصر موازية لتلك الحركتين وأن كانت الأوليان تسبقان الأخيرة من حيث تاريخ النشوء إلا أن هذه الحركات الثلاث تعتبر حركات متوازية بمعنى أن جميعها تسير في عصر واحد وتواجه نفس الظروف وتعاني نفس البواعث التي أدت إلى ظهورها. فقد كانت الهند مستعمرة بريطانية وإندونيسيا مستعمرة هولندية، كما أن مصر وأن كانت مستقلة إلا أنه ليس لها من الاستقلال إلا الاسم إذ كان الانتداب البريطاني جاثمًا على أنفاس شعب الكنانة المسلم وكان تصريف أمور الدولة يتم بتوجيهات من المندوب البريطاني الذي كانوا ينعتونه بالسامي وما هو بسام «حاشا وكلا».

أن ظروف المعاناة التي أحاطت هذه البلدان الإسلامية الثلاثة... معاناة الاستعمار.. معاناة الفقر والجهل والمرض وما ينتج عن كل ذلك من مظاهر الفساد والنفاق والمسخ وتعطيل شريعة الله.. أن هذه الظروف كلها كانت بمثابة مفتاح الحركة التي انطلقت من عقالها، ولم تستطع القوى المعادية للإسلام من استئصالها بالرغم من تحالفها واتخاذ بعضها البعض ظهريًا. 

في الحقيقة أن هذه الحركات الثلاثة تعتبر من كبرى وأشمل الحركات الإسلامية الحديثة التي لم تؤد فقط، إلى البعث الإسلامي المحلي -أي في كل منطقة منها فقط- بل أنها أدت أيضًا إلى بعث إسلامي شامل. 

فحركة ماشومي أدت إلى ظهور إرهاصات وانبعاث حركات إسلامية في كل من الفلبين وماليزيا وقطاني.. وحركة الجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية لم تقتصر على الباكستان والهند فقط بل تعدتها إلى أفغانستان وکشمیر وبنغلاديش، كما أن حركة الإخوان المسلمين لم تقتصر في مصر فقط بل تجاوزت مصر إلى الشام «سوريا، لبنان، الأردن، فلسطين» والعراق والسودان وغيرها من البلدان العربية.

في الحقيقة أن هذه الحركات الثلاث وغيرها من الحركات المعاصرة التي انبعثت في البلدان الإسلامية الأخرى مثل تركيا، أفغانستان، قبرص، إيران.. إلخ- وغير الإسلامية كما في أوروبا وأمريكا تعتبر كلها حركة واحدة إسلامية ممتدة منذ ميلادها وانبثاقها على يد باعثها الأول رسول الإسلام محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آلة وصحبه وتابعيه وسلم. 

فتعدد التنظيمات واختلاف أسمائها، لا يبرر أن اعتبارها حركات «وليست حركة واحدة» وذلك للأسباب التالية:

1- البواعث والظروف التي تدعو إلى ظهور الحركة فهي واحدة في جميع أنحاء العالم وتتمثل في استشراء الفساد في كل مناحي الحياة ومرافقها العامة وفي الأنظمة التي تضبط سلوكها وتحكم علاقات الأفراد والمجتمعات.

2- الرسالة واحدة وهي تحقيق سيادة النظام الرباني وتحقيق الدينونة الكاملة لله على وجه الأرض.

3- أهدافها وغاياتها واحدة «كما أشرنا سابقًا عند شرح مفهوم البعث الإسلامي».

إذن نخلص من هذا أن هناك حركة إسلامية واحدة عبر العالم كله وعبر الأحقاب التاريخية المتعاقبة ولكن مع وجود تنظيمات حركية متعددة لسد حاجة الحركة في كل بقعة من بقاع العالم وفي أي فترة من الفترات التاريخية. ومما يؤكد ذلك مثلًا وجود تنظيمات إسلامية مختلفة تحمل اسمًا مشتركًا بالرغم من عدم وجود الترابط العضوي بينها. فالجماعة التي تقوم بمحاربة حكومة تراقي الشيوعية في أفغانستان تسمى جماعة الإخوان المسلمين بالرغم من عدم وجود الارتباط العضوي بين هذه الجماعة وجماعة الإخوان المسلمين في مصر. وتحت نفس الاسم توجد جماعة إسلامية في إيران. كما نجد حاليًا أن الجماعات الإسلامية الطلابية في مصر تسمى بالجماعة الإسلامية مع عدم وجود الارتباط العضوي مع الجماعة الإسلامية في الباكستان أو الهند. 

وعليه فأن استخدام صيغة الجمع للحركة الإسلامية في المناطق المختلفة من العالم وفي الفترات التاريخية المختلفة يعتبر من قبيل المجاز والتمييز ليس إلا.

«يتبع في العدد القادم»

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل