; د. أحمد بن راشد بن سعيد في حوار مع المجتمع: استراتيجية التعامل مع ثقافة العولمة وإعلامها | مجلة المجتمع

العنوان د. أحمد بن راشد بن سعيد في حوار مع المجتمع: استراتيجية التعامل مع ثقافة العولمة وإعلامها

الكاتب عصام عبدالعزيز

تاريخ النشر السبت 21-يوليو-2001

مشاهدات 56

نشر في العدد 1460

نشر في الصفحة 30

السبت 21-يوليو-2001

الحضور الأمريكي في ميدان الثقافة والاتصال يتزايد.. الثقافة الشعبية أصبحت أكثر السلع تصديرًا بعد الطائرات!

فارق كبير بين «العولمة» و«عالمية» الإسلام التي ترفع راية التسامح وتحافظ على الخصوصيات القومية وتعمل على إثراء الحضارة الإنسانية

لسنا مخلوقات محصنة ضد التأثير الخارجي.. لكننا لا نقف فاغري الأفواه أمام بعبع يهم بالتهامنا وتذويبنا

التطورات المثيرة التي تشهدها تكنولوجيا الاتصال أدت إلى بروز ظاهرة العولمة التي اعتبرها كثير من المثقفين في دول الجنوب امتدادًا لهيمنة دول الشمال وتتويجًا لنفوذها الثقافي والسياسي، لكن هذه الآراء لم تضع في اعتبارها صلابة الهوية المحلية، والخصوصية الثقافية لدول الجنوب سيما العالم العربي والإسلامي، وأغفلت الدور الحيوي الذي تقوم به الشعوب في التعامل مع تكنولوجيا الاتصال تعرضًا واستخدامًا وتفسيرًا. 

فإرادة الشعوب، ومنظومتها الثقافية، وسياقاتها الاجتماعية، وتقاليدها المتجذرة في التاريخ تُشكل موانع طبيعية ضد الاختراق. كما أن استخدام العولمة مفهوم القرية الكونية من أجل بسط هيمنتها الثقافية أدى إلى ارتفاع أسهم الخصوصية، والنزوع إلى المحلي.

لمعرفة المزيد عن هذا الموضوع كان لنا هذا الحوار مع الدكتور أحمد بن راشد بن سعيد أستاذ الاتصال بجامعة الملك سعود بالرياض.

د. أحمد بن راشد بن سعيد.

من مواليد الرياض عام ١٩٦١م.

حاصل على الدكتوراه في الاتصال الخطابي من جامعة ويلز – بريطانيا.

أستاذ الاتصال بجامعة الملك سعود بالرياض.

من مؤلفاته:

- فن الكلام: مدخل إلى الاتصال العام.

- على من تعرض الصور: دراسة في مأساة البوسنة.

- قولبة الآخر: قصة التشويه الحضاري والاغتيال الإعلامي للمسلم والعربي.

- قوة الوصف: دراسة في لغة الاتصال السياسي ورموزه.

 

● أثارت التطورات المتسارعة في میدان تكنولوجيا الاتصال تفاؤلًا مشوبًا بالحذر، وأحيت النقاش مجددًا حول «الهيمنة الثقافية».. في رأيك ما الجذور التاريخية لمفهوم الهيمنة الثقافية ومراحل تطوره؟

• في الخمسينيات والستينيات من هذا القرن سادت رؤية براجماتية مؤداها أن وسائل الاتصال الجماهيري يمكن تسخيرها لنقل أنماط التقدم التكنولوجي الغربي، وتحطيم البنى التقليدية التي تعوق التنمية في الدول حديثة الاستقلال وقد فرضت هذه الرؤية نفسها على البحوث الأكاديمية والتعليم، وتم الأخذ بها في سياسات الاتصال والاقتصاد في الدول الغربية والعالم الثالث واليونسكو على حد سواء. ترتب على ذلك أن تدفقت صادرات تكنولوجيا الاتصال الغربية، والأمريكية على وجه الخصوص إلى دول العالم الثالث. ولم تقتصر هذه الصادرات على الأجهزة، بل شملت المضامين والخبرات.

ثم ظهر نموذج الهيمنة الثقافية - الاتصالية وانتشرت أكثر الكتابات حول الهيمنة الثقافية من أواسط الستينيات إلى أواخر السبعينيات، وهي الفترة التي شهدت التوسع الاقتصادي الكبير للشركات متعددة الجنسيات، وكانت أمريكا اللاتينية المحضن الخصب لهذه الكتابات، حيث تم الربط بين التوسع الاقتصادي للرأسمالية الأمريكية والتصدير واسع النطاق للمنتجات الثقافية وتكنولوجيا الاتصال الأمريكية، وفي أواخر السبعينيات خفت الحديث عن الهيمنة الثقافية - الاتصالية لاصطدامها بعاملين: الإنتاج المحلي للبرامج الإعلامية الذي قلل الاعتماد على البرامج الأمريكية، ثم التفسيرات المحلية للرسائل الإعلامية الوافدة.

مع مطلع التسعينيات وتزايد عولمة الثقافة والاتصال عاد الحديث بقوة عن الهيمنة، أصبحت المنتجات الثقافية الغربية أكثر حضورًا من ذي قبل. تطورت تكنولوجيا الاتصال تطورًا مدهشًا، وخرجت الولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب الباردة وحرب الخليج الثانية بانتصار دراماتيكي توجهًا القوى العظمى رقم 1. هذا الانتصار السياسي صاحبته طروحات وكتابات جعلت منه انتصارًا أخلاقيًا وحضاريًا، فاندثار الاتحاد السوفييتي، والتوجه الدراماتيكي نحو الديمقراطية واقتصاد السوق في أوروبا الشرقية خلقا جوًا من النشوة والزهو، ودفعا بعض المفكرين إلى القول بنهاية التاريخ وانتصار القيم الليبرالية الغربية.

هنا أصبح حديث الهيمنة طاغيًا وعالميًا أكثر من ذي قبل. لم يكن هناك خلاف في أي وقت من الأوقات حول وجود هيمنة غربية ثقافية على الشعوب الأخرى، لكن الخلاف كان حول حدود هذه الهيمنة ومدى تأثيرها. في السنوات الأخيرة ازداد الحضور الأمريكي في ميدان الثقافة والاتصال: أصبحت الثقافة الشعبية أكثر السلع الأمريكية تصديرًا بعد الطائرات، الأفلام الأمريكية شكلت 40% من سوق الأفلام الأوروبية وربع سوق التلفزيون، أكثر من نصف الأفلام التي تعرضها محطات التلفزيون الأوروبية تم إنتاجها في الولايات المتحدة المسلسل الأمريكي باي ووشت تم عرضه في ١١٤ بلدًا وأخبار السي إن إن وأفلام ليون كنج وموسيقى مايكل جاكسون ومادونا إلى الوجبات السريعة ماكدونالدز وبيتزا هات، وهكذا يتبدى عصر العم سام ويحبس العالم أنفاسه أمام ظاهرة ثقافية متفجرة.

 

● إذا كانت الهيمنة الثقافية - الاتصالية تعني الاختراق وتهميش التقاليد المحلية وتعزيز القيم الرأسمالية، فماذا تعني العولمة؟ وهل هناك فرق بينها وبين مفهوم العالمية التي يدعو إليها الإسلام؟

• تعددت تعريفات العولمة، فهناك من يعرِّضها بأنها: تشكيل وبلورة للعالم كله بوصفه مكانًا واحدًا، وظهور لحالة إنسانية عالمية واحدة. وهناك من قال إنها تعني في جوهرها: رفع الحواجز والحدود أمام الشركات والمؤسسات والشبكات الدولية الاقتصادية والإعلامية والثقافية كي تمارس أنشطتها بوسائلها الخاصة، وتحل محل الدولة في ميادين المال والاقتصاد والثقافة والإعلام.. والهيمنة الثقافية هي إحدى آليات العولمة، حيث تعمل جنبًا إلى جنب مع الشركات متعددة الجنسيات ومنظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي لنسج خيوط العولمة. بيد أنها تعتبر أخطر هذه الآليات لأنها تعهد الطريق أمام تيارات العولمة الأخرى عبر الترويج للنمط الاستهلاكي، وتفتيت القيم المحلية السائدة، وردع أو تثبيط أي محاولة للنهوض الاقتصادي أو التفرد الثقافي وانطلاقا من هذه الرؤية فإن العولمة هي تتويج للنظام الرأسمالي والقيم الليبرالية الغربية على مستوى الكون، ما يفسح المجال لهيمنة ثقافية وأشكال أخرى من الهيمنة. 

أما عالمية الإسلام وإن اتفقت مع العولمة في بعض جوانبها من حيث أنها تهدف إلى تشكيل وبلورة العالم كله بوصفه مكانًا واحدًا وظهور لحالة إنسانية عالمية واحدة إلا أنه يرفع راية التسامح ويشدد على مفهوم ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: ٢٥٦)، ولا يحاول سلب الخصوصيات القومية، بل ينفتح على كل ما هو كوني وجميل وصالح بغرض إثراء الحضارة الإنسانية تحت راية التوحيد وهذا ما جعل الشعوب والدول التي دخلت في الإسلام تتمسك به وتتبنى الدعوة إليه والجهاد في سبيله لا أن تقاومه وتعمل على محاصرته مثلما يحدث الآن مع دعوى العولمة التي هي احتواء للعالم وفعل إرادي يستهدف اختراق الآخر.. وسلب خصوصيته الثقافية.

 

● قلت إن الهيمنة الثقافية هي أخطر آليات العولمة.. كيف؟

• يمكن ملاحظة الهيمنة بجلاء في انتشار النعوت والمصطلحات التي تطلقها الدوائر السياسية والصحفية الغربية على الأشخاص والجماعات والأحداث.. من أمثلة ذلك التمويه، أو تلطيف القبيح، أي استخدام عبارة ملطفة وغير مباشرة لوصف شيء بغيض ومنفر مثل وصف الإبادة الجماعية لمسلمي البوسنة وكوسوفا بــ: التطهير العرقي، وغزو لبنان عام ۱۹۸۲م بـــ: سلام الجليل، وتسمية حدوث إصابات مدنية في الحروب بـ: الضرر المصاحب، والهدف -كما يقول أحد الباحثين- هو جعل الحقيقة السيئة مقبولة لغويًا كما يطلق المركز الغربي أوصافًا تخدم مصالحه أو مصالح حلفائه، كإطلاق اسم: يوم الغفران على حرب رمضان ۱۹۷۳م، واسم: جبل المعبد على المسجد الأقصى، ووصف القدس الشرقية بأنها: متنازع عليها بدلًا من محتلة، ووصف الغارات الصهيونية على لبنان عبر السنين بأنها: انتقام أو دفاع عن النفس، ويدخل في ذلك أيضًا وصف الجزء الذي تحتله الهند في كشمير بأنه: الجزء الذي تديره الهند، وصف المقاتلين الشيشان بأنهم إرهابيون، أو جيش تحرير كوسوفا بأنهم انفصاليون.. هذه النعوت ليست وصفية مجردة، بل أيديولوجية صادرة عن رؤية حضارية وموقف ثقافي معيّن، فالشيشانيون إرهابيون ليس لأنهم كذلك فعلًا، بل لأن المركز الغربي يقول إنهم إرهابيون، والخطورة أن هذه التسميات لا تتوقف عند مجرد الكلام بل تقود إلى عمل، فوصف «الإبادة الجماعية» لمسلمي البوسنة بـ «حرب أهلية» يعني عدم التحرك، ورفض التدخل بين أطراف متناحرة أو جماعات يقتل بعضها بعضًا منذ مئات السنين. أما وصف الأمر بأنه إبادة أو اعتداء فيقتضي ذلك -حسب القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة- التدخل لردع المعتدي وإنقاذ الضحية. ووصف شعب كوسوفا بأنه «انفصالي» يعني ضمنًا رفض مطالبه بالاستقلال، فكيف ينفصل الطفل عن أمه، أو كيف ينفصل عضو من الأعضاء عن باقي الجسد، هذه المصطلحات تمثل شكلًا من أشكال الهيمنة التي فرضتها عولمة الثقافة والاتصال والنفوذ السياسي لدول المركز الغربي. 

● هل ترى أن هذه الهيمنة بلا حدود وتجعل شعوب عالمنا العربي والإسلامي مسلوبة الإرادة لا تملك سوى الاستجابة لمنبهات مركز العولمة؟

• بالطبع لا، من الخطأ التسليم بقدرتها على إذابة التقاليد المحلية وصهرها في بوتقة واحدة، إن ذلك يتجاهل إرادة الجماهير وما تملكه من وعي ذاتي وقدرة على الاختيار أو التفادي والدور النشط الذي تقوم به في به في التعامل مع تكنولوجيا الاتصال تعرضًا واستخدامًا وتفسيرًا بناء على ما تحققه من إمتاع وإشباع.

فكثيرًا ما تقوم الشعوب بتطويع تكنولوجيا الاتصال لخدمة الثقافة المحلية أو الاتجاهات السياسية والاجتماعية للأفراد والجماعات ويسخرها لأهداف لم ترد في فكر صانعيها ولم يصمموها لها اصلًا. إن تكنولوجيا الاتصال تسمح للجماعات المتوافقة فكريًا والمتباعدة جغرافيًا بالاندماج في نشاطات مشتركة، وتشكيل جبهة ضاغطة على مستوى العالم مما يحقق لجهودها التكامل والتأثير.

ثبتت فاعلية وسائل الاتصال الإلكترونية الشخصية في مجالات عديدة أبرزها مجال المعارضة السياسية، ومقاومة الاحتلال وطلب الاستقلال فصورة الشهيد محمد الدرة شكلت جبهة كونية ضاغطة لمصلحة الشعب الفلسطيني المطالب بحريته، كذلك استخدام فيلم عن مذبحة صبرا وشاتيلا وإعادة عرضه بعد انتخاب شارون رئيسًا للوزراء ساهم في تذكير العالم بأن جزار وسفاح صبرا وشاتيلا لن يكون رجل سلام، ومن قبل استخدم أية الله الخميني الكاسيت الصوتي لإشعال لهيب المعارضة ثم الثورة ضد الشاه، والجمهور يقبل على هذه البدائل في ظل ضعف وسائل الإعلام الرسمية وغلبة السمة الدعائية عليها وافتقارها إلى التثقيف والمعالجة الشاملة والموضوعية للأحداث، فيلجأ الجمهور إلى التسهيلات التي تقدمها تكنولوجيا الاتصال الشخصية بحثًا عن طرح مختلف، أو نافذة للرأي الآخر.

ويمثل الإنترنت مع أنه ظاهرة جديدة ومتنامية دليلًا حيويًا على نشاط الجماهير وقدرتها على تطويع تكنولوجيا الاتصال، في العالم العربي ينمو الوعي بأهمية الشبكة العالمية وضرورة الاستفادة منها لتدعيم القيم، ونشر المعلومات، والإسهام

الإيجابي في حركة العولمة.

هناك الآن آلاف المواقع الإسلامية والعربية على الشبكة أقامت معظمها الاتحادات والمنظمات الإسلامية في طول العالم وعرضه ويوجد تنسيق مستمر بين معظم هذه المواقع إزاء القضايا الحيوية مثل قضية فلسطين، والتمييز العنصري الذي يتعرض له المسلمون في الغرب «يشمل ذلك إعداد ملفات توثق الممارسات العدائية والجرائم وأشكال الإقصاء التي يتعرض لها المسلمون، وهناك مواقع عديدة للقرآن الكريم بلغات مختلفة، ومواقع تحتوي على أوقات الصلوات وعناوين المراكز الإسلامية ومعلومات عن الحج والعمرة وحساب المواريث وترجمات للحديث النبوي وخدمات إخبارية وترفيهية منوعة».

إن الإنترنت يفتح آفاقًا واسعة للجمهور النشط ليقوم بخدمة ثقافته المحلية وهويته الخاصة، ويشير بعض الدراسات عن استخدام تكنولوجيا المعلومات في الكويت إلى أن الشركات الكويتية لا تستخدم الإنترنت لالتماس صفقات تجارية عالمية، بل لتعزيز الهوية المحلية ونشر القيم الإسلامية المحافظة، وهو ما لا تدركه الآن خطابات الهيمنة عصر المعلومات التي تشدد على الهيمنة ولاحظت نموًا لثقافة إنترنت نشطة ونمط ثابتًا من المعرفة والممارسة المحلية شكل استجابة الكويت لعصر المعلومات، وتصف الدراسة عملية بناء ثقافة عالمية بأنها تشكيل لفرقة موسيقية غير متناغمة ثقافيًا، الآلات ليست سواء، هناك أكثر من قائد، وليس كل الموسيقيين -إذا وجد أحد أصلًا يريد أن يعزف اللحن نفسه.. النتائج يمكن أن تكون موسيقى جميلة أو رديئة- حسب الظروف.

 

حيوية الجماهير

ومما يدلل أيضًا على حيوية الجماهير هو أنها لیست متجانسة في قراءتها للرسائل الإعلامية، وأنه لا يوجد معنى كوني أو مطلق للنَص حتى وإن كانت هناك أيديولوجية مهيمنة عليه، تصاغ الرسائل الإعلامية بحذر لتحمل معنى موجهًا، لكن ذلك قد يصطدم بالقدرة التفسيرية للجمهور الذي قد لا يتشرب المعنى المراد. فتحاول الجماهير استيعابه وقراءته بطريقة تفاوضية أو مقاومته وقراءته بطريقة معارضة، الرسائل الإعلامية إذن حبلى بالمعاني، وعملية استخلاص المعنى تتأثر بعوامل ثقافية واجتماعية محلية ولهذا يبدو من البساطة القول إن أفلام هوليوود ستقود مشاهديها في أنحاء العالم إلى اعتناق قيم الرأسمالية الاستهلاكية، والتحرر على الطريقة الأمريكية.

اختلاف التلقي والفهم للأفلام والبرامج ومواد التسلية الغربية لا يعني عدم شعبيتها، فالعواطف والدموع ومشاعر النصر والفرح والحزن، وقيام العلاقات وذبولها - كل هذا الخليط الدرامي يشحذ الاهتمام ويغري بالمتابعة، لكنها متابعة تقود إلى استهلاك الصور لا المعاني بالضرورة، فالناس يستخدمون معايير ثقافية مختلفة لتفسير الرسائل بطريقة قد تتناقض مع ما يهدف إليه القائم بالاتصال. هذا السلوك يحد كثيرًا من تأثير الهيمنة. 

 

● إذن نظريات الاستعمار الثقافي التي تقول إن الهيمنة تغلف في لوس أنجلس، وتشحن إلى القرية الكونية، ثم تفتح في العقول البريئة، نظريات غير صحيحة، فالنتيجة عكس ذلك: «عقول بريئة قليلة جدًا، وتشكيلة من القرى»؟ 

• بالضبط.. عندما ابتكر مكلوهان مفهوم القرية الكونية كان يتخيل عالمًا بلا حواجز يمتلك فيه الناس فرصة إبداء آرائهم وإسماع أصواتهم على قدم المساواة، اعتبر مكلوهان وسائل الاتصال الإلكترونية نقطة تحول في التاريخ الإنساني تفرض علينا كما قال: الالتزام والمشاركة، إذ أصبحنا مشتبكين معًا، ومسؤولين عن بعضنا بطريقة يتعذر إلغاؤها، لكن هذه الرؤية لم تتحقق من حيث بقاء ملكية وسائل الاتصال الجماهيري والتحكم في مضامينها بأيدي الدول الغنية، وتحويل القرية العالمية إلى ساحة تتبارى فيها شبكات الإعلام العنقودية التي تحركها اعتبارات الكسب المادي لا المواقع المعرفية والثقافية، لقد ربطت العولمة القرية الكونية بعجلتها لتنساب فيها المعلومات والمنتجات الثقافية بلا قيود، ويمطر الملايين من سكانها بحملات الإعلان للشركات متعددة الجنسيات، خذ مثلًا إن إعلان فندق انتركونتننتال الذي يقول: عالم واحد، فندق واحد، انتركونتننتال.. إنه إعلان لا يجسّد واقع عالمنا الحقيقي، بل يهدف إلى تحقيق أعلى الأرباح من خلال ترويج أيديولوجية الهيمنة. كم من سكان القرية الكونية لديهم القدرة على استئجار غرفة في فندق انتركونتننتال؟ الأمر نفسه ينطبق على استخدام تكنولوجيا الاتصال الذي يتطلب مالًا، سواء لشراء الأجهزة مثل: التلفزيون، الراديو، الحاسوب، أو المنتجات: الكتب، التسجيلات، الأقراص المكتنزة.

 

الأطباق اللاقطة

وماذا عن الأمية والمرض والفقر الذي تعاني منه شعوب كثيرة؟ إن هناك أجزاء من العالم لا تعرف الأطباق اللاقطة ولا الإنترنت، إن الولايات المتحدة وأوروبا واليابان تنفق -مثلًا- تسعة أضعاف باقي دول العالم على الموسيقى، مع أن شعوب هذه الدول تشكل أقل من سبع سكان الأرض. وفي عام ١٩٩١م كان هناك جهاز تلفزيون واحد لكل ١,٢ من الأمريكيين، بينما وجد جهاز واحد لكل ٣٢ صينيًا ولكل ٥٦ باكستانيًا. في الوقت نفسه يتزايد التشبث بالهوية المحلية، ويجري إحياؤها والدفاع عنها.. في تركيا مثلًا واجه أنصار حزب الفضيلة فنادق العولمة بإنشاء فنادق إسلامية تقدم خدمات «خمس نجوم» لكي تتفادى ما يخالف تعاليم الإسلام. عدد من المؤسسات الإعلامية العربية شرعت في إنتاج برامج للأطفال تحتوي على «رموز» بديلة وأسلوب مختلف للتسلية. ورغم أن هذه المحاولات تشق طريقها بصعوبة إلا أنها تمثل شكلًا من أشكال المقاومة يتم من خلالها توليد رموز خاصة بالجمهور ومستوحاة من ثقافته وكما يقول أحد الباحثين: قد تهيمن هوليوود 

-وأوروبا بشكل أصغر- على التدفق الدولي للأخبار وبرامج التسلية. لكن لا يوجد دليل قوي على اندفاع كوني لشعبية الأمم الغربية، وقيمها الهيمنة في المجال الاقتصادي قد لا تنتج بالضرورة الهيمنة المرادفة في الحقل الثقافي.

. ● لكننا لسنا مخلوقات محصنة ضد التأثير الخارجي.. أليس كذلك؟ 

• بالتأكيد.. لكن فوبيا العولمة أمر مبالغ فيه، ويذكرنا بالنزعة الإنسانية التي ترى في كل جديد خطرًا، وفي كل وافد شرًا مستطيرًا. لسنا بالتأكيد مخلوقات محصنة ضد التأثير الخارجي، سيما وسائل الإعلام، لكننا أيضًا لا نقف فاغري الأفواه أمام بعبع يهم بالتهامنا وتذويبنا. إن القول بنشاط الجمهور لا يعني استقلاله الكامل ولا ينفي أن لتكنولوجيا الاتصال ووسائل الإعلام تأثيرًا كونيًا. 

كما أن الحذر من العولمة بوصفها نظامًا للاختراق والنفوذ لا يعني الوقوف منها موقف المصدوم الذي لا يفتح فمه، أو المصاب الذي يفتح فمه ولكن بالصراخ واللعن، في الحقيقة، ربما كان الاحتكاك بالعولمة مفيدًا للتقاليد المحلية التي قد تنهض وتنتعش وتقوى باتصالها بأنماط أخرى للحياة، في هذا الإطار لابد من تفاعل خلاق يقدم برامج ورؤى ومصطلحات ورموزًا مستمدة من تجاربنا وثقافتنا الخاصة. يمكن لنا أن نبادر بطرح رؤيتنا لقضايا كونية ملحة: تدفق الاتصال والمعلومات، حقوق المرأة، الانفجار السكاني، انتهاك الأطفال، أوضاع الأقليات التمييز العنصري... إلخ. يمكن أن تحدد مفهوم الإرهاب وأنه لا يعني الكفاح من أجل تحرير الأوطان، ونوضح المقصود بحرية التعبير وأنها لا تشمل تجريح المقدسات. نستطيع أن نرفض ترديد عبارات مثل: سلام الجليل والحزام الأمني والتطهير العرقي والملاذات الآمنة وغيرها من العبارات الأيديولوجية، ونقدم تعريفاتنا المستقلة للأحداث.. يمكن أن نستخدم بفاعلية أشمل تكنولوجيا الاتصال لا لتدعيم ثقافتنا المحلية فحسب، بل لمد جسور الحوار وتبادل المعلومات مع الثقافات الأخرى. إن الإنسان عدو ما يجهل ومراكز العولمة التي تتبنى خطابًا أحاديًا فوقيًا ربما تجهل الكثير عن حضارات الآخرين وثقافتهم وتاريخهم، يجب إذن أن نبدع خطابًا تبادليًا يتحدث عن خصوصيتنا الثقافية في الوقت الذي يتلمس فيه أرضية مشتركة، ويشيد بالتنوع كظاهرة حضارية جميلة تخدم الاستقرار والتعايش على مستوى الكون. 

الرابط المختصر :