العنوان بانتظار ملحمة من حطين (العدد 824)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1987
مشاهدات 56
نشر في العدد 824
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 07-يوليو-1987
الافتتاحية:
بدخول اليوم الرابع من يوليو لهذا العام، يكون قد مضى ثمانمائة عام على الانتصار الخالد في حطين على الهجمة الصليبية الاستعمارية الكبرى على قلب العالم الإسلامي «فلسطين» في العصور الوسطى.
ومن المفرح أن تقام لهذا اليوم العظيم ذكرى تعيد تذكره، وتجدد معانيه، وتحيي مآثره، ولكن من المؤسف أيضًا أن يسبقنا إلى ذلك عدونا الصهيوني؛ فيحتفل بهذه الذكرى، ويحتفي بها، كأن أسلافه هم من قاموا بها، وانتصروا من خلالها على أعدائهم... فيأتي احتفال المسلمين من بعدهم مجرد رد فعل نابع من الكبرياء القومي.. وأين ذلك من حقيقة الاحتفاء بذكر مفتاح الفتوح حطين؟
تساؤلات:
أليس عجيبًا أن تقيم الدوائر الرسمية والأكاديمية الصهيونية مهرجانها العلمي بهذه المناسبة لدراسة الحملات الصليبية وأحداثها ونتائجها، والبحث في القوى الفاعلة التي تصدَّت لها، وتَوَّجت كل تضحيتها بانتصار حطين في الرابع من يوليو لعام ١١٨٧ميلادية؟
أو ليس غريبًا أن يسبقنا عدونا حتى في أخص خصوصياتنا؛ فيدرس ويحلل واحدةً من أهم معاركنا في التاريخ؛ ليستكشف منها ما يريد، ويغطي على ما لا يريد، لئلا يشيع ويذيع؛ فيعرف الناس سر الفتح، فيمسكوا بمفتاحه باحثين عن صلاحهم المعاصر؛ ليكون لهم من خلاله حطينهم الثانية، ولكن مع اليهود هذه المرة.. وما السر في حطين؟ أليست مثل غيرها، معركة بين فريقين وصراعًا بين جهتين، فلماذا كل ما قيل ويقال حولها؟ ولماذا كل هذا الذي يقام احتفاءً لأجلها؟
الملحمة تاريخيًا:
ليست حطين في المنظور العسكري سوى معركةٍ ناجحةٍ، أحسن اختيار الزمان والمكان والظروف الموضوعية والنفسية لها؛ فكان من وراء ذلك كله الانتصار الحاسم لمن أحسن الإعداد والتنفيذ، فلم يكن أمام صاحبها صلاح الدين الأيوبيالسلطان العادل- رحمه الله- إلا أن يستجيب لدواعي الثأر من القائد الصليبي «أرناط» صاحب حصن الكرك في فلسطين، الذي خان العهود، ونقض الميثاق، ونشر الفساد، وقطع الطريق على القوافل والحجيج، وقتل الناس وسلبهم، وما كان لصلاح الدين إلا أن يركب المركب الصعب في بلوغ أمانيه التي كانت تؤرقه، ولا تدعه يبتسم كما نقل المؤرخون، وخاصةً أمنيته الكبرى في فتح بيت المقدس وتطهيره تمامًا.
فكانت حطين هذه مفتاح الفتوح التي تيسر بها فتح بيت المقدس، إذ استطاع- بحنكة عالية، وتدبير محكم- أن يجذب إلى هضبة حطين زهرة فرسان الصليبية، وغالبية جيش مملكة بيت المقدس ومن لحقهم، وأن يحصرهم ويحيط بهم إحاطة الدائرة بقطرها، ويحرق حولهم الأعشاب والأشواك، «وكانت الريح على الفرنج؛ فحملت حر النار والدخان إليهم، فاجتمع عليهم العطش وحر الزمان، وحر النار والدخان، وحر القتال» كما قال إبن الأثير في الكامل «فبلوا- وهم أهل التسليف- من نار الدنيا بثلاثة أقسام في الاصطلاء والاصطيلام: نار الضرام «الحريق»، ونار الأوام «العطش»، ونار «السهام»، كما قال أبو شامة في الروضتين؛ فكثر فيهم القتل حتى قيل ما هناك أسير، ووقع عليهم الأسر حتى قيل ما هناك قتيل، وفوق حطين حط قدرهم، وهم يحسبون الجبل يعصمهم، ومن أین وقد راحت عليهم رحى المنون!.
حطين حضاريًّا:
فمن هنا كان لحطين قدرها في التاريخ، وقيمتها في الحضارة، فضلًا عن أنها فتحت الطريق إلى بيت المقدس حسب رأي ابن واصل الحموي في «مفرج الكروب»، فإنها كانت تتويجًا لجهود الجهاد والإعداد التي بدأها السلطان العادل قبل سنوات في توحيد الشام ومصر، وتطهيرهما من مكائد الفرقة، وحبائل الخصام، وضعف الانقسام، فلم يكن ليتم له هذا النصر لولا أنه وحد الصفوف، وطهر النفوس، وأقام الميزان بالقسط، فحق له النصر والتأييد.
والعبرة
وأخيرًا لحطين عبرة ٌستظل تلح على الضمير الإسلامي المعاصر حتى تجعله يتحرك ليجدد من أمره ما رثَّ، ويصل ما انقطع؛ فيتحرك في إطاره الذي رسمه الخالق الحكيم، فلا يخرج عن سننه في الوجود، فيأخذ بالأسباب ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم﴾ (الأنفال: 60)، ليصل إلى النتائج ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ (الصف: 13)، ويومها يفرح المؤمنون بنصر الله، ولا سبيل إلى ذلك إلا بذاك.. ولله في خلقه شؤون.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.