العنوان سياحة المؤمنين
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 29-ديسمبر-1992
مشاهدات 72
نشر في العدد 1031
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 29-ديسمبر-1992
رسائل
الإخاء
الارتحال:
نافذة على العقول والملكوت
إن عمر الإنسان
قصير، والواقع الذي يحيا الإنسان في نطاقه ضيق، والعقل لا يستمد كيانه وتألقه وراء
الانكماش والقصور، بل لا بد من أن يبرح مكانه وأرضه إلى رحاب الملكوت الواسعة،
وزمانه إلى عصور الحياة المتطاولة ليلتمس كتابًا أو إثارة من علم وليشهد مصارع
المكذبين وإبداع الخالق في صنعه { قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ
ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}
(العنكبوت: 20) أطوارا مختلفة وطبائع متغايرة وأخلاقًا شتى {قل
سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}
(الأنعام: 11) {هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ}
(آل عمران: 138) {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ}
(الفيل: 1). {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ
الْعِمَادِ} (الفجر: 6-7)
ثمار
السفر: خبرات وعلم
ومن الطواف
والارتحال يعود بثروة طائلة من الخبرات والأفكار والآراء والوقائع تزيد خبرته
بالعالم ومعرفته رب العالمين وحكمته في تعامله مع الناس كما قال- صلى الله عليه
وسلم- «لا حليم إلا ذو عثرة ولا حكيم إلا ذو تجربة» رواه البخاري في الأدب المفرد.
والإنسان إما
أن تكون له تجارب خاصة يستغلها في تصحيح أفكاره وتدعيم إيمانه وإما أن يكون لا علم
له فليستمع من غيره وليستفد من معارف الآخرين وتجاربهم، ومن أجل ذلك ندب الإسلام
أبناءه للرحلات الطويلة والسياحات الواسعة وحبب إليهم الضرب في مشارق الأرض
ومغاربها ففي قصة موسى- عليه السلام- {وَإِذْ قَالَ
مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ
أَمْضِيَ حُقُبًا} (الكهف: 60) وقصة ذي القرنين {حَتَّىٰ
إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ} (الكهف: 86). {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ
الشَّمْسِ} (الكهف: 90). {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن
دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} (الكهف: 93) الآيات..
موعظة وذكرى للسائحين. والرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول: «سياحة أمتي الجهاد في
سبيل الله..» لا للهو واللعب ولكن للعلم والإفادة، لا للتسلية وتقضية الفراغ، بل
للبحث والدرس والاستقصاء واستكشاف العبر عن الأحياء والهامدين، وكذلك يدعو القرآن إلى
دراسة الحضارات البائدة وعلل فنائها وقيام الدول واندثارها ووسائل قوة الجماعات
واضمحلالها.
{لَقَدْ
كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ
كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ
غَفُورٌ* فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم
بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن
سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا ۖ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا
الْكَفُورَ} (سبأ: 15-17).
توصية
الإسلام بالسفر والترحال
والرحلة في طلب
العلم تؤدي إلى التمكن في الجوانب العلمية وتنمية الفضائل عن طريق الاحتكاك
والاتصال المباشر والمشافهة، وهذا الإمام الحافظ يحيى بن يحيى التيمي بقي عند مالك
بعد أن أخذ ما عنده من علم فلما سئل عن سبب بقائه أجاب «أقمت لأستفيد من شمائله».
ويستدل من قوله
{وَجَاءَ
بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ} (يوسف: 100) على أن الانتقال منه نعمة، وذلك لما يلحق أهل
البادية من الجفاء والبعد عن موارد العلوم، وعن رفاهة المدينة، ولطف المعاشرة
والكمالات الإنسانية وفي الحديث الذي أخرجه أحمد «من بدا جفا» أي من حل البادية
وفي حديث البخاري ومسلم «إلا أن القسوة وغلظ القلوب» وفي رواية «أن الجفاء والقسوة
في الفدادين» دليل على حسن النقلة من البوادي إلى المدن.
الحكماء
ومزايا السفر
وقد تكلم كثير
من العلماء والحكماء والأدباء على مزايا السفر نظمًا ونثرًا منها قول الشاعر:
تفريج هم
واكتساب معيشة
وعلم وآداب
وصحبة ماجد
ومنها الإحاطة
بآثار الأمم البائدة، ورؤية عمران المسكونة، والصبر على المشاق ولقاء الأفاضل
ورؤية الأماثل، فيستفيد ما ليس عند الآخر، ومشاهدة الأحوال في كل بلد، فتقوى
معرفته وبالجملة فالسياحة لها آثار قوية في الدين.
خلاصة:
ضرورة الحركة والاتصال
والخلاصة أن
النفس الإنسانية مهما أوتيت من قوة الإيمان وفقه الإسلام تحتاج دائمًا إلى مدد من
الواقع يقوي إيمانها ويزيد فهمها، ويجعلها تلمس أثر الإسلام في كل مكان، ومكامن
الضعف والقوة في المسلمين، وثغرات الخلل التي ينفذ منها أعداؤهم، فلابد من التنقل
بين أجزاء العالم الإسلامي ومشافهة أهله، والاتصال المباشر بالعاملين للإسلام في
كل بلد. فإن الآصرة التي يعقدها اللقاء أوثق دائمًا من غيرها، وقد يقطع المتلاقون،
باللقاء مسافة في التجاوب والتفاهم ما لا تقطعه المراسلات في سنين، ثم إن مثل هذه
الرحلات سيكون لها من غير شك أثرها في تقوية الإحساس بحاجات البلاد وآلامها
وآمالها، وبالثروة الكبرى التي تضمها الطاقات الإسلامية المودعة فيها، وقوة هذا
الإحساس كفيلة- بتوفيق الله- أن تبعث الهمة وتزيد الطاقة وتنقل الخبرات وتزيل
الخلافات وتجدد العزائم والله الموفق.
الوصف:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل