; لبنان... حرب الدمار والتقسيم | مجلة المجتمع

العنوان لبنان... حرب الدمار والتقسيم

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 14-فبراير-1984

مشاهدات 70

نشر في العدد 658

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 14-فبراير-1984

لعل دولة العدو الإسرائيلي هي الطرف المستفيد من الحرب الضروس التي لم تنته حتى الآن بين الطوائف والأحزاب اللبنانية... ولعل المراقب الذي يبحث في طبيعة هذه الحرب لن يفهم شيئًا من أسرارها إذا غفل عن البعد الإسرائيلي فيها، أما هؤلاء الذين يدرسون ظاهرة الصراع اللبنانية على أنها تعبير عن تنابذ طائفي وتنافر حزبي محض؛ فإنهم مخطئون... ولو كان الأمر كذلك لحسم منذ زمن بعيد..

حرب من أجل التقسيم:

خلال سنوات الحرب اللبنانية كانت الطوائف العميلة تمارس القتل على الهوية، وتفتعل الحوادث المدمرة افتعالًا بحسب الانتماء الطائفي... وكان المارون من ميليشيات حزبي الكتائب والأحرار هم أصحاب هذه السياسة التي كانت قائمة على أساسين هما:

۱- ترسيم خطوط جغرافية داخل أنحاء لبنان بحسب التواجد الطائفي.

۲- تهجير أهالي القرى المسلمة الموجودة بين قرى النصارى في مختلف أنحاء لبنان.

وانطلاقًا من هذين الأساسين كان لا بد للمارون من ممارسة أشكال الإرهاب والتدمير في المناطق الإسلامية الداخلة بحسب خرائط النصارى الطائفية- في المناطق المسيحية- وقد مورست هذه السياسة في التدمير والتهجير طبقًا لما فعله اليهود أثناء تهجير المسلمين الفلسطينيين من قراهم... ولما كان التقسيم هو الهدف المرحلي القائم في لبنان؛ فإن التكتيك الذي تمارسه حكومة العدو اليهودي يسير في هذا الاتجاه.. 

• فغزو الجنوب اللبناني من قبل الإسرائيليين كان يستهدف أولًا تطويع تلك المنطقة التي كانت تحتضن عشرات الآلاف من الفلسطينيين... وقد تم لإسرائيل ما أرادت على الجانب الفلسطيني... وبقي جنودها يسيطرون على كافة شؤون الجنوب وأهله.

• وإقامة إسرائيل لدولة لبنان الحر النصرانية بزعامة سعد حداد.... كانت عملية أولى في مراحل التقسيم الطائفي للبنان... ومحاولة مبكرة لترسيم حدود إسرائيل المستقبل داخل العمق اللبناني.

•والتنسيق العسكري والسياسي الذي مارسته حكومة العدو مع قادة الميليشيات النصرانية «الكتائب- والأحرار».. توج في (١٧) مايو من العام الماضي بتوقيع حكومة أمين الجميل- نجل مؤسس حزب الكتائب- معاهدة الاتفاق اللبناني الإسرائيلي... وقد نفذ الحكم اللبناني ما أرادته إسرائيل من هذه الاتفاقية... ولا يدري المواطن العربي إن كانت إسرائيل عازمة على تنفيذ شيء مما يريده الشعب اللبناني!!

•أما الحرب الإعلامية التي تمارسها بعض الأطراف العربية «الثورية!!» ضد هذه المعاهدة فلن يخفى أمرها على الشعب العربي المسلم على الرغم من أن أصحاب تلك الحرب الكلامية يحركون بعض الطوائف داخل لبنان للضغط من أجل إدخال الاتحاد السوفييتي في أية مفاوضات مقبلة للعرب مع حكومة العدو الإسرائيلي.. وإلا فهم بالتالي مع التقسيم الذي لا يصب في المحصلة إلا في السلة الإسرائيلية.

ومن جملة العوامل العسكرية والطائفية والحزبية التي يئن الجسم اللبناني منها، تلعب إسرائيل لعبتها مهددة في كل لحظة بالتقسيم الذي صار واقعًا لا يحتاج إلا للإعلان عنه... ولعل تهديد إسحق شامير رئيس الوزارة الإسرائيلية يوم السبت الماضي ليس تهديدًا استهلاكيًا كما ينسج بعض العرب تهديداتهم.. لقد هدد شامير بتقسيم لبنان إذا أصيب الاتفاق «اللبناني- الإسرائيلي» بأي مساس.... ويجيء هذا التصريح في الوقت الذي تشتد مطالبات المعارضة باستقالة أمين الجميل، وعلى الرغم من أن إسرائيل تملك حلولًا عديدة لمواجهة مطالب المعارضة كالتفاهم الباطني مع بعض الأطراف الرئيسيين في التدخل العسكري في لبنان، فإنها ستجد مسألة التقسيم أصبحت جاهزة في الواقع الذي أوجدته حرب الترسيم خلال الشهور الأخيرة بين الطوائف والأحزاب المختلفة... إضافة إلى أن الإسرائيليين- على ما يبدو- تفاهموا مع بعض الأطراف الداخلية في لبنان- وهذا ما ألمح إليه شامير في تهديده الأخير...

والعملاء الثوريون أيضًا:

في خبر نقلته بعض وكالات الأنباء مساء 8/2/1984م ورد أن وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون طالب حكومة إسحق شامير بقطع أتصالها مع زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني وليد جنبلاط.... 

إن الذين يجردون الأزمة اللبنانية عن بعدها الإسرائيلي- كما أشرنا- لن يفهموا في يوم ما أن عملاء إسرائيل في لبنان يرتدون أكثر من زي ويلبسون أكثر من لبوس، فهم تارة ثوريون.... وأخرى يمينيون... ومرة أشتراكيون، أو حلفاء للثوريين... لكنهم بالتالي يحركهم توجه إسرائيلي لا يخدم إلا مصلحة اليهود في هذه البقعة الطاهرة من الأرض الإسلامية.

إن اللعبة التي تمارسها إسرائيل من خلال حرب الطوائف والأحزاب في لبنان يساهم فيها أطراف كثر معروفون... الولايات المتحدة... الاتحاد السوفييتي وحلفاؤه في المنطقة.. عواصم الاستعمار التقليدي في أوروبا... والمحاور الحزبية والطائفية في لبنان هي الأداة المسخرة في حرب التقسيم، بينما ينتظر بعض العرب أن يكون التقسيم حظًا من حظوظهم يمنحهم حق الإشراف أو السيطرة على جزء ما من أشلاء لبنان الممزق.

وأزمة الشرق الأوسط:

على أن كثيرًا من المراقبين يعتقدون أن تأزيم معارك ترسيم الحدود في لبنان هي إحدى التصفيات في الحساب بين بعض الأنظمة العربية وحكومة العدو الإسرائيلي... لينتقل هؤلاء عبر حل الأزمة اللبنانية باتجاه المفاوضة الدولية بشأن ما يسمى بأزمة الشرق الأوسط.

ويعتقد هؤلاء المراقبون أن أحد الأطراف العربية يسعى إلى أمرين اثنين ممهدين للمفاوضات مع إسرائيل هما «الاستيلاء على شمال لبنان، وفرض الاتحاد السوفييتي على مفاوضات السلام»، وبينما معركة الترسيم تأخذ مداها الواسع في لبنان.. مات أندروبوف الذي كان ينتظر شهرًا للعسل في الشرق الأوسط... فهل تغير هذه المفاجأة من طبائع الأشياء!؟

الرابط المختصر :