; متى ندعو الناس؟ | مجلة المجتمع

العنوان متى ندعو الناس؟

الكاتب علي بن عمر بادحدح

تاريخ النشر الثلاثاء 17-ديسمبر-1996

مشاهدات 75

نشر في العدد 1230

نشر في الصفحة 61

الثلاثاء 17-ديسمبر-1996

مراعاة الأوقات: والمقصود بمراعاة الوقت تخير الوقت الملائم للدعوة من حيث فراغ المدعوين واستعدادهم للتلقي، وكذا المراعاة لأوقات المواعظ والدروس ومناسبة طول وقتها لأحوال الناس، ويندرج تحت ذلك مراعاة استعداد المدعو وبلوغه المرحلة التي يكون فيها الوقت مناسبًا لتفاعله واستجابته.

وشاهد ذلك ما روي عن ابن مسعود: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا». قال ابن حجر معلقًا: ويستفاد من الحديث استحباب ترك المداومة في الجد والعمل الصالح خشية الإملال، وإن كانت المواظبة مطلوبة ولكنها على قسمين: إما كل يوم مع عدم التكلف، وإما يومًا بعد يوم، فيكون يوم الترك لأجل الراحة؛ ليقبل على الثاني بنشاط، وإما يومًا في الجمعة، ويختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والضابط الحاجة مع مراعاة وجود النشاط، وعن ابن عباس مثال آخر أشمل وأظهر؛ إذ عنه أنه روي قال: حدث الناس كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرات ولا تمل الناس هذا القرآن، ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم، فتقطع عليه حديثهم فتملهم، ولكن أنصت فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه.

مراعاة الأوقات ومناسبتها الأحوال الناس

وهذا الضرب يشهد له قول ابن مسعود: حدث القوم ما حدجوك بأبصارهم، وأقبلت عليك قلوبهم، فإذا انصرفت عنك قلوبهم فلا تحدثهم»، فسئل عن علامة انصراف القلوب، فقال: إذا التفت بعضهم إلى بعض، ورأيتهم يتناسبون فلا تحدثهم، ويضاف إليه ما روي عن عائشة أنها قالت لقاص أهل مكة عبيد بن عمير: ألم أحدث أنك تجلس ويجلس إليك؟ قال: بلى يا أم المؤمنين قالت: فإياك و إملال الناس وتقنيطهم، وإملال الناس يكون بإطالة الحديث في كثير من الأحوال.

وأما الضرب الثالث فمثاله ما روى البخاري عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني ثم قال: يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى»، قال ابن حجر: وفيه أنه ينبغي للإمام أن لا يبين للطالب ما في مسألته من المفسدة إلا بعد قضاء حاجته لتقع موعظته له الموقع.

وهكذا نرى أمر المراعاة متشعبًا ومهمًّا،  والحقيقة أن المراعاة ضرب من التدرج؛ لأن المراعاة كثيرًا ما تقتضي ترك أمر لعدم ملاسته، إما للطبع أو الفهم أو الحال أو غير ذلك، والاستعاضة عنه بغيره حتى يكون ممهدًا لعرض الأمر المتروك، فيأتي في وقته المناسب، فمثلًا إذا كان الحكم مستغربًا جدًّا مما لم تألفه النفوس، وإنما ألفت خلافه، فينبغي للمفتي أن يوطئ قبله ما يكون مؤذنَا به كالدليل عليه والمقدمة بين يديه، فتأمل ذكره سبحانه قصة زكريا وإخراج الولد منه بعد انصرام عصر الشبيبة وبلوغه السن الذي لا يولد فيه لمثله في العادة، فذكر قصته مقدمة بين يدي قصة عيسى عليه السلام وولادته من غير آب، فإن النفوس لما أنست لولد من بين شيخين كبيرين لا يولد لهما عادة، سهل عليها التصديق بولادة ولد من غير أب.

أمثلة عملية للتدرج

وهذه أمثلة رويت عن عمر بن عبد العزيز في مراعاته لأحوال الأمة فيما سبقه من الزمن، وحرصه على التدرج في الإصلاح:

١- حكي أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز – رحمه الله – قال يومًا لأبيه عمر: ما لك لا تنفذ الأمور؟ فو الله لا أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق!!

قال عمر: لا تعجل يا بني، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدفعوه جملة، ويكون من ذا فتنة.

 2 -قال له ابنه ذات يوم: «يا أبت ما يمنعك أن تمضي لما تريده من العدل؟ فوالله ما كنت أبالي لو غلت بي وبك القدور في ذلك.

قال: يا بني، إني إنما أروض الناس رياضة الصعب، إني أريد أن أحيي الأمر من العدل، فأؤخر ذلك حتى أخرج معه طمعًا من طمع الدنيا، فينفروا من هذا، ويسكنوا لهذا

. 3- روي أن ابنه دخل عليه، فقال يا أمير المؤمنين: ما أنت قائل لربك غدا إذا سألك فقال: رأيت بدعة فلم تمتها، أو سنة فلم تحيها؟

فقال أبوه: رحمك الله، وجزاك من ولد خيرًا يا بني، إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتى أردت مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم أمن أن يفتقوا عليَّ فتًقا يكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا أهون علي من أن يراق في سببي محجمة من دم، أو ما ترضى أن لا يتأتى على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ويحيي فيه سنة؟

وغني عن التنبيه أن التدرج يمكن أن يكون تهاونًا وتفريطًا، وأن المراعاة لا يصح أن تكون مداهنةً ونفاقًا.

الرابط المختصر :