العنوان سجناء السلطة
الكاتب عبدالرحمن سعد
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يوليو-1999
مشاهدات 81
نشر في العدد 1357
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 06-يوليو-1999
223 معتقلًا فلسطينيًا في سجون السلطة ولا معتقل إسرائيلي واحد
وفاة ٢٠ معتقلًا بسبب التعذيب الذي يشمل تكسير العظام ونتف الشعر والشبح والضرب!
٢٤ إضرابًا عن الطعام.. وأحكام نهائية بالإفراج لا تستجيب لها السلطة برغم وعودها المتكررة
سنوات عدة مضت منذ تولت السلطة الفلسطينية مقاليد الأمور في بعض أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة واعدة في مستهلها بأن تقيم دولة (السمن والعسل) أو (هونج كونج الشرق) في الأراضي المحتلة، وأن تحفظ الكرامة والحرية للمواطنين، وأن توفر الأمن والاستقرار لهم، ولكن هذه الوعود ذهبت أدراج الرياح لتحل محلها جملة حقائق من ضمنها الحقيقة التالية:
لا معتقل إسرائيلي واحد في سجون السلطة على رغم كثرة العملاء والجواسيس الذين ترسلهم إسرائيل إلى الأراضي الفلسطينية وذلك في الوقت الذي يرزح فيه نحو ٢٢٣ معتقلًا فلسطينيًا سياسيًا تحت نير قضبانها، وهؤلاء المعتقلون من كرام الناس وأعيانهم، وليست هناك تهم محددة موجهة إليهم، وقد مضى على سجن أكثرهم سنوات عدة، بل وصدر بحقهم أحكام بالإفراج الفوري دون جدوي بداية فإن المعتقلين المقصودين في هذا التقرير هم المعتقلون السياسيون الذين زجت بهم السلطة الفلسطينية في السجون لا لشيء سوى إيمانهم الراسخ بحقوق شعبهم وتأييدهم لمقاومة الاحتلال الصهيوني، واختلاف آرائهم وقناعاتهم السياسية عن أداء وقناعات السلطة.
ويبلغ عدد هؤلاء المعتقلين ١٢٥ معتقلًا في قطاع غزة، و۹۸ في الضفة الغربية تم توزيعهم على خمسة سجون هي جنيد، وأريحا، ورام الله، وجنين، والخليل.
ويتوزع هؤلاء المعتقلون في فئات مجتمعية ومهنية واسعة من العلماء، والأساتذة والموظفين والطلبة والعمال والتجار، وأصحاب الأعمال الحرة، وقد فقدوا عملهم، ومصدر رزقهم مما أدى إلى خراب مصالحهم وبالتالي تأثر وضعهم العائلي بشكل سلبي.
ظروف قاسية
ويعيش المعتقلون في سجون السلطة في ظروف قاسية، فمثلًا في سجن الجنيد في نابلس حيث التهوية غير الصحية، أدت الحرارة المرتفعة في الأيام الماضية داخل أقسام السجى إلى التهاب جرح العملية الجراحية التي أجريت للمعتقل الشيخ يوسف السركجي منذ أسبوع كما يعاني الشيخ السركجي - إضافة للعملية الجديدة - من عيشه بكلية واحدة إثر تعرضه للتعذيب في سجون الاحتلال بعد عودته من مرج الزهور.
كما يعاني عدد من المعتقلين من أمراض مزمنة استدعت إجراء الكثير من العمليات الجراحية إذ رفعت بخصوصهم التقارير الطبية والمذكرات، وانهالت عليهم الوعود لكنهم ظلوا معتقلين خلف القضبان يجترون آلامهم ومعاناتهم.
وقد أكدت مصادر مختلفة ومنظمات حقوق الإنسان الفلسطينية والدولية استخدام وسائل تعذيب وحشية بحق المعتقلين، فقد تعرض الدكتور إبراهيم المقادمة - على سبيل المثال - في فترة اعتقاله الأولى عام ١٩٩٦م لعملية تعذيب شديدة أدت إلى تكسير قفصه الصدري وأدخل المستشفى لعلاجه من آثار التعذيب.
ولم تكن حالة المقادمة إلا انعكاسًا بشعًا لوسائل التعذيب المستخدمة ضد المعتقلين، إذ أكد معتقلون أفرج عنهم تعرضهم لوسائل تعذيب مختلفة أثناء التحقيق، مثل وضع المعتقلين في خزانات المياه لمدة أربعة أيام ثم تعريضهم للضرب المبرح مما يسبب لهم آلامًا لا تطاق بالإضافة إلى تكسير العظام، ونتف شعر الرأس واللحية والشبح والتعليق في الهواء من القدمين، والضرب باستخدام الهراوات، والعصي الغليظة، وأسلاك الكهرباء المجدولة.
وفي الوقت الحاضر لا يزال عدد كبير من أبناء حركة حماس، وآخرين من الشرفاء والمخلصين معتقلين في سجون السلطة دون أي ذنب جنوه، ومنهم عدد من رموز الحركة مغيبون ظلمًا وعدوانًا لا لشيء إلا استجابة من السلطة لرغبات الصهاينة وإملاءاتهم الأمنية، ومنهم في غزة الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، والدكتور إبراهيم مقادمة (معتقل للمرة الثانية في سجون السلطة)، وفي الضفة الأستاذ جمال منصور معتقل منذ قرابة سنتين والشيخ محمد جمال النتشة والأستاذ جمال الطويل.
وفيات التعذيب
ومنذ قدوم السلطة عام ١٩٩٤ م، وحتى نوفمبر عام ١٩٩٨ م، توفي عشرون مواطنًا فلسطينيًا من جراء التعذيب داخل سجون أجهزة الشرطة والأمن والمخابرات التابعة لها، وتوزعت الحالات كما يلي في عام ١٩٩٤م وفاة واحدة، عام ١٩٩٥ م ست وفيات عام ١٩٩٦م أربع وفيات عام ۱۹۹۷م سبع وفيات، كما سجلت وفاتان في السجون الفلسطينية عام ١٩٩٨م.
والأمر هكذا خاض المعتقلون منذ شهر يناير ١٩٩٦ م حتى شهر مايو الماضي نحو ٣٤ إضرابًا من الطعام وذلك بمشاركة المعتقلين في سجون أريحا ورام الله وجنين ونابلس (الجديد) طولكرم، وكان آخرها في مطلع هذا العام، وهو الإضراب المفتوح عن الطعام الذي استمر ٣٦ يومًا، وشارك فيه نحو ٨٠ معتقلًا في سجني الجنيد وأريحا، مما دفع كثيرًا من القوى والشخصيات الفلسطينية للتضامن معهم والتدخل من أجل الإفراج عنهم إذ تم التوصل إلى اتفاق - شهد عليه رئيس بلدية نابلس - بوقف الإضراب مقابل تعهد السلطة بالإفراج عن معظمهم على دفعات، وقد أفرجت السلطة عن بعضهم بالفعل لكنها تنكرت لتعهداتها فيما بعد.
وأبقت على غالبيتهم في السجن
واليوم تزداد المعاناة وتستمر المحنة ويستقبل الكثير من المعتقلين شهرهم الثاني والعشرين دون أي ذنب ارتكبوه الأمر الذي اضطر هؤلاء المسجونين خاصة في سجن جنيد إلى تنظيم فاعليات تصعيدية لحل قضيتهم دون أن تحرك السلطة ساكنًا في اتجاه حل القضية.
من جهتها أصدرت محكمة العدل العليا في السلطة الفلسطينية قرارات عدة بالإفراج عن معتقلين لم يقدموا للمحاكمة مثل: غسان عداسي من البيرة، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي من غزة، وبرغم إقرار النائب العام لدى السلطة بعدم امتلاكه لأدلة تدين بقاء المعتقلين في السجن إلا أن رئيس السلطة الفلسطينية لم يستجب حتى الآن لأي من قرارات محكمة العدل العليا الخاصة بهذا الشأن، وحتى حالة محمود مصلح من البيرة فإن المحكمة العليا أمرت بالإفراج عنه، وماطلت السلطة في التنفيذ، ثم أفرجوا عنه عمليًا دون قرار رسمي بالإفراج، ليصبح في حالة أقرب إلى الإقامة الجبرية في منزله.
تشتيت
والغريب أنه بدلًا من أن تسارع السلطة بإنهاء هذا الوضع المخزي وتقوم بالإفراج الفوري عن المعتقلين إذا بها تلجأ مؤخرًا إلى محاولة تشتيتهم بين السجون المختلفة لإسكات صوتهم.
وشل فاعليتهم في البرامج والفاعليات الاحتجاجية التي باشروا تنفيذها احتجاجًا على مواصلة اعتقالهم التعسفي وكذلك في محاولة منها لإضعاف التحركات التضامنية معهم من قبل عائلاتهم، وأبناء الشعب الفلسطيني، لتصبح هذه التحركات محلية ومعزولة في كل قرية ومدينة.
وتشير بعض التقارير إلى أن قوات الأمن الفلسطينية تخطط لتنفيذ هذا التشتيت، وأن مجموعة من القوات الخاصة تستعد حاليًا لاقتحام بعض المعتقلات خاصة معتقل جنيد العسكري الذي يضم 50 معتقلًا سياسيًا نجحوا في إحراج السلطة بإجراءاتهم التي شملت الامتناع عن استقبال الأهالي، والإضراب التحذيري عن الطعام فضلًا عن قيام أهاليهم بالاعتصام أمام مقر المحافظة في نابلس، ورفض هؤلاء المعتقلين قرارات نقلهم إلى سجون أخرى.
ضرورة تبني قضيتهم
في بيان صدر حديثًا لحركة حماس، يقول المتحدث السياسي باسم الحركة خالد مشعل من قدر الله تعالى وسنته في أمتنا، أن تبتلى من أعدائها، وأن يصيبها منها الفرح والأذى، وأن تتعرض أراضيها للاحتلال، وحريات شعوبها للانتهاك والمصادرة، وعلى رغم قسوة ذلك وعظم ما ينطوي عليه من ظلم ومضاضة، إلا أن أمتنا عودتنا دائمًا أن توطن نفسها على الصبر والصمود والجهاد والمقاومة، حتى تنتصر على أعدائها مهما طال الزمن.
لكن أن يضاف إلى أذى الأعداء أذى ذوي القربي وبعض أبناء الأمة الواحدة والوطن الواحد والقضية الواحدة، فذلك هو الألم الذي لا يحتمل، لعمق أثره على النفس ولأثاره المدمرة على الشعب والوطن والقضية.
إن عددًا كبيرًا من المعتقلين السياسيين في سجون السلطة الفلسطينية قد جهروا أكثر من مرة بمعاناتهم. وما يتعرضون له من ظلم وأذى ومصادرة للحرية، تبعدهم عن أهلهم وأولادهم وعائلاتهم، وتعطل دورهم في خدمة شعبهم وقضيتهم، وعلى رغم مضي الشهور الطويلة على هذه الحالة المؤلمة، إلا أن شكواهم لم تلق آذانًا صاغية من السلطة.
والآن فإن أمالهم معلقة على رحمة الله سبحانه وتعالى ثم على جهد جميع القوى والهيئات والمنظمات الأهلية والمدنية والشعبية والرسمية وجميع الأفراد والأشخاص على السواء، من أجل تبني قضيتهم والضغط على السلطة الفلسطينية، لكي تفرج عنهم فورًا- صيانة للحقوق، وضمانًا للحريات، وحفاظًا على الأرواح والدماء.