; كيف يخططون لاحتواء الشباب المسلم؟ | مجلة المجتمع

العنوان كيف يخططون لاحتواء الشباب المسلم؟

الكاتب الأستاذ أنور الجندي

تاريخ النشر السبت 18-فبراير-1989

مشاهدات 74

نشر في العدد 905

نشر في الصفحة 66

السبت 18-فبراير-1989

إن محاولة احتواء أبناء الأمة الإسلامية وإخراجهم من أصول عقيدتهم ومفاهيم فكرهم هي مؤامرة مستمرة، لا أعتقد أنها توقفت أو تتوقف يومًا؛ ذلك لأن هناك خطة مرسومة ترقى إلى تغيير بنية الإسلام الحقيقية، وذلك بتفريغها من مفهومها الصحيح والجامع، الذي يقوم على أساس أن الإسلام يجمع بين العقيدة ومنهج الحياة (المعاملات والأخلاق) بينما تتمثل كلمة (دين) في كثير من الثقافات والعقائد على أنها العلاقة بين الله -تبارك وتعالى- وبين الإنسان، وهو ما يسمى في الغرب (اللاهوت).

  وهذه النقطة هي مصدر الخلاف الواسع في الفهم وفي التعامل مع الفكر الغربي، وهي منطلق الدعوة المثارة عن العلمانية، أو الفصل بين الدين والمجتمع، أو بين الدين والدولة.

  ومنظمة التبشير مؤسسة ذات هدف واضح وخطة عمل تستطيع القوى الأجنبية إنفاذها في بلاد المسلمين عن ثلاث طرق: الأولى: المدرسة، الثانية: المستشفى، الثالثة: الأسر الفقيرة المحتاجة إلى الطعام.

  وتختلف طبيعة العمل التبشيري في البلاد العربية والإسلامية من بلد إلى بلد، ولم يعد التبشير يعمل في مجال دعوة الناس إلى الدخول في المسيحية، ولكنه يكتفي اليوم بالعمل على إخراج المسلمين من الإسلام.

  وذلك باعتقاد أن المسلم إذا زاغت عقيدته بالشكوك والشبهات لم يعد مسلمًا، وإنما أصبح حربًا على الإسلام.

  ومحاولة إثارة الشكوك والشبهات في صدور الشباب المسلم وعقولهم تأتي عن طريق التعليم والثقافة، وفي البلاد التي لا تجري فيها عملية التبشير ظاهرة فإنها تختفي وراء التعليم في الاغلب، من ناحيتين:

  من ناحية المناهج المقررة والتي تخالف عقيدة الإسلام أساسًا (كنظرية دارون، والعلوم الاجتماعية، ومفاهيم فرويد وسارتر وغيرها التي تقدم للشباب على أنها علوم أو حقائق علمية، بينما هي في الحقيقة لا تزيد عن أن تكون فروضًا قابلة للنقض، وقد تصيب وقد تخطئ؛ لأنها من عقل بشر، في مواجهة ظرف ما، في عصر ما.

  فليست لها في الحقيقة صفة المفاهيم الثابتة والقيم الأصيلة القادرة على البقاء على مدى العصور، ولا الصالحة للتطبيق في كل البيئات.

  ولكل أمة ثقافتها وعقيدتها وأسلوب عيشها، ومن ثم فإن العلوم الإنسانية ترتبط بهذه الثقافة وتلك العقيدة، ولما كانت العقيدة الإسلامية تختلف في جوهرها عن العقائد الأخرى من حيث ارتكازها على التوحيد الخالص، ومفاهيم العدل والشورى والرحمة والإخاء الإنساني (على نحو تختلف اختلافًا واضحًا وعميقًا عن الاشتراكية والديمقراطية الغربيتين) فإن العلوم الإنسانية كالأخلاق والنفس والاجتماع تختلف اختلافًا عميقًا.

  هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن التبشير يأتي عن طريق المعاهد الأجنبية أو الأهلية وفي مقدمتها في بلادنا اليوم مدارس اللغات التي تستوعب قدرًا ضخمًا من أبنائنا الذين يدرسون في إطار مدارس ليست عربية أو إسلامية أصلًا، ولأنها تعتمد اللغة الأجنبية أساسًا لجميع العلوم وقضية اللغة الأجنبية قضية خطيرة لها علاقة كبرى مع الفكر الذي تحمله والبطولات التي تقدمها والتاريخ الذي تطرحه، كل هذا من شأنه أن ينشئ أجيالًا مغربة ومفرغة تمامًا من المفهوم الإسلامي، ومن الولاء الإسلامي، ومن الانتماء للوطن والعقيدة.

  هذا ولا بد من توعية الشباب المسلم بالأخطار التي تحيط به كعنصر أساسي في بناء مجتمع الفكر في ظروف جعلت من الشباب أكثر من نصف سكان البلاد الإسلامية اليوم، ولا بد من توعيته له بالأخطار التي تحيط بوطنه والمؤامرة القائمة ضد الإسلام نفسه كعقيدة من شأنها أن تنشئ أجيالًا من القادرين على حماية أوطانهم وعقيدتهم، والفاهمين لدينهم فهمًا صحيحًا يجعلهم في رباط إلى يوم القيامة، ومن الضروري أن يكشف لشبابنا اتجاهات الريح، فلا يكون غافلًا عما يديره المتآمرون على هذه الأمة، الراغبون في احتوائها، والسيطرة عليها والحيلولة دون امتلاك إرادتها، وإقامة مجتمعها الرباني الصحيح.

  وفي ضوء هذه الإخطار والتحديات نحن نطالب الشباب المسلم بالحذر واليقظة والتعمق في فهم الاسلام وما يدير من الكيد له وأن تكون هناك حصانة نفسية قوية من الإيمان تحول دون الاستسلام للبريق الخاطف، وقيام الثقة الكاملة في النفوس بأن هذا زيف خادع مهما بدا لامعًا، ومهما تجمع حوله الناس.

  إن أعداء الإسلام والراغبين في احتواء هذه الأمة والسيطرة عليها يعلمون مدى خطر الفهم الصحيح للإسلام (بوصفه منهج حياة ونظام مجتمع)، ولذلك فهم حريصون كل الحرص على الترويج لمفاهيم الباطنية والمادية والعلمانية، وإحياء مفاهيم الفرق القديمة، وإعادة كتابة تاريخ الدعوات الهدامة، بأسلوب شائق يخدع الشباب المسلم قليل الخبرة، الذي ليست له خلفية واسعة في فهم المؤامرة التي بدأها عبد الله بن سبأ اليهودي، وكيف اتسع نطاقها من بعد بمفاهيم وحركات القرامطة، والزنج، والباطنية، وإخوان الصفاء فهم يحددون الحديث عن هذه الحركات والدعوات، ويوسعون آفاق الحديث عنها، ويغرون الشباب بما تفتحه أمامهم من إباحيات تتعلق بإسقاط التكليف، والاندفاع وراء الشهوات التي تحرص عليها هذه الدعوات لاستقطاب الشباب، وصرفه عن دينه، ويكون المنطلق دائمًا من باب الحرية، وتكون المرأة وكلمات الحب والهوى والعشق هي الأدوات، وقد تجددت هذه الدعوات في صيغة جديدة في مخطط الماسونية، ودعوات فرويد، وسارتر، ودوركايم، وماركس فلما تكشفت أهواؤها انصهرت من جديد في دعوات أخرى كالقاديانية والبهائية، وجاءت بعدها دعوات وحدة الأديار وادعاء النبوة.

  إن المنطلق الوحيد الذي يدخلون منه هو سذاجة الشباب وبساطته، وسرعة تصديقه لكل ما يلقى إليه بأبواب براقة من الشهوات، وذلك كله نتيجة عدم وجود القدوة والتوجيه في الأسرة والمدرسة، وعجز عن في الإسلام نفسه، وفي الجهل بالمخاطر والمحاذير والمؤامرات التي تدبر للكيد بالإسلام في عشرات من الصور والدعوات، ولا ريب أن بناء الشخصية الإسلامية هو المنطلق الحقيق لاقتحام هذه العقبات، وهو مصدر الاستعلاء على فالمسلم الصحيح الإيمان يكون قادرًا على أن لا يحتويه في واحد، ولا يستسلم أمام مظاهر تختلف عن مفهوم الإسلامي الصحيح مهما كان لها من قوة البريق، واتساع الساحة، وكثرة الأبصار، وأن يكون متمثلًا دائمًا يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (سورة الأنعام 116)، ومهما اتسعت دائرة البريق فإنها لن تخدع المؤمن ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ (سورة النساء: 27-28).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1183

126

الثلاثاء 09-يناير-1996

المجتمع المحلي (العدد 1183)

نشر في العدد 1914

88

السبت 07-أغسطس-2010

قضية اللغة