العنوان هل تقرع «إسرائيل» أبواب الحرب على الجبهة الشمالية؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-ديسمبر-1982
مشاهدات 60
نشر في العدد 599
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 14-ديسمبر-1982
«إسرائيل» ستعبر في حالة الحرب من بوابة الجنوب اللبناني وحدود الجولان.
· استكمال ضم بقية الجولان هو في الحسابات الإسرائيلية
· «إسرائيل» تعتقد أن المناخ السياسي العربي والدولي هو أنسب ما تتوقع لشن حرب جديدة
· الهدف السياسي هو إيصال الأنظمة العربية الى صيغة موحدة للسلام تقبل بها «إسرائيل»
· الروس يزودون الوحدات الخاصة السورية وسرايا الدفاع بالأسلحة، بينما لا يرى المراقبون أي تطوير في تسليح الجبهة السورية
استعدادات عسكرية:
كثير من المراقبين لسير الأحداث السياسية والأمنية في منطقة الشرق الأوسط يتحسبون اليوم من مغبة قيام حرب خامسة تشنها «إسرائيل» على الجبهة الشمالية منفردة بها هذه المرة.
ويحدد المراقبون بوابتين أساسيتين تنطلق منهما المدافع الإسرائيلية.
الأولى:
بوابة الجنوب اللبناني، حيث يخيم على الجنوب اليوم مناخ شبيه بالمناخ الذي خيم على المنطقة قبل انطلاق «إسرائيل» في حرب يوليو الماضية ضد المخيمات الفلسطينية التي استمرت آنذاك أكثر من أسبوعين. لكن استراتيجية الحرب من هذه البوابة تختلف عن الحرب الماضية في الجنوب لأسباب:
1- تغير الهدف: فقد كان الهدف سابقًا هو تحجيم القوات المسلحة الفلسطينية في الجنوب. وقد تم للعدو اليهودي ذلك.
2- الصعود داخل الأرض اللبنانية بما يوازي من الناحية الجغرافية مرتفعات الجولان. بحيث يكون هناك ممر بين الجنوب اللبناني والهضبة المحتلة تسهل على الجيش الإسرائيلي مهام كثيرة لدى التوجه نحو الشمال.
3- النزعة التوسعية وتمديد الأرض الإسرائيلية بما يتناسب مع الزيادة البشرية الطفيفة.
ويعتقد كثير من المحللين العسكريين في الغرب أنه ليس هناك من حائل يحول دون خطوة يهودية جديدة في الجنوب بعد أن تحجم الوجود الفدائي فيه.
الثانية:
بوابة الجولان. حيث لوحظ على الإدارة العسكرية في الجولان ملاحظات عدة تشير إلى أن اليهود لا يستبعدون استخدام الهضبة في وقت قريب للانقضاض على جزء من سورية ومن هذه الملاحظات:
1- تكثيف المستوطنات على الشريط الحدودي بين الجولان والجبهة السورية.
2- إنشاء الحفريات وإقامة بعض المنشآت العمرانية السريعة التي تساعد الآليات على العبور بين ثنايا الهضبة الوعرة.
3- حشد قوات إضافية على الهضبة ولا سيما عند النواحي المطلة على السهول في جنوب دمشق وشرقها الجنوبي.
إذا فالجيش الإسرائيلي يتخذ إجراءات عسكرية محددة على كل من الهضبة السورية والجنوب اللبناني.
المناخ السياسي:
أعربت مصادر دبلوماسية عربية أنه من المحتمل في القريب العاجل أن تبتلع «إسرائيل» قسمًا من الجنوب اللبناني لتدخل منه إلى نزاع شامل على الجبهة الشمالية وذلك بحسب تصور عرضه التلفزيون الإسرائيلي مؤخرًا. وهو تصور منسوب للسفير الأمريكي في فلسطين المحتلة (صموئيل لو يس) وعلى أساس هذا التصور نقل المراقبون العرب أن الجيش الإسرائيلي لا بد وأن يستغل مناخًا سياسيًا مواتيًا لشن حربه الجديدة، خاصة وأن الموقف العربي المتأزم بين بعض العواصم العربية يهيئ الفرصة للتحرك وقد أشار دبلوماسيون غربيون في بيروت إلى نشوز العاصمة السورية عن العواصم العربية المجاورة سيعطي حكومة بيغن فرصة ذهبية لإشباع نزعته التوسعية في المنطقة. بل إن بعض هؤلاء أشار إلى أن الظروف تبدو وكأنها تحتم على «إسرائيل» أن تكسب فرصتها هذه فتشن حربًا «قد يحسبها البعض صورية» لكن «إسرائيل» لا بد وأن تبتلع جزءًا من الأرض العربية على الجبهة الشمالية في النتيجة.
· فالمناخ السياسي أثبت بعد امتحان الجولان الأخير أن القدرة الدبلوماسية العربية ما زالت قدرة محدودة في حمل أمريكا للوقوف أمام الشطط الإسرائيلي.
· والدعم الأمريكي الكامل للدولة اليهودية لا يلقى أي استنكار في العواصم الغربية- الأوروبية ذات المصالح المعروفة في المنطقة.
· أما الاتحاد السوفياتي الذي ظهر بمظهر الصديق المراوغ للمشكلة العربية ما زال يقوم بتزويد السوريين بأسلحة خاصة بالقوات الأمنية في الداخل. وهذه الأسلحة -كما صرح بذلك بعض العساكر في جيش السوري- تخزن في مجمعات السلاح التابعة لسرايا الدفاع وسرايا الصراع وقوات الوحدات الخاصة، ويبدو أن الروس لا يريدون وضع هذه الأسلحة على الجبهة المواجهة للعدو اليهودي لسبب قد يعرفه الكثيرون. فضلًا عن أنه يكتفي بترديده المنبري المعروف في مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة.
إذا فالمناخ السياسي العربي والدولي موات لشن حرب يهودية جديدة على الجبهة السورية حيث إن مسؤولًا فلسطينيًا أشار يوم 22/1/1981 إلى أن تصورات جيش الدفاع الإسرائيلي التي عرضها التلفزيون في القدس المحتلة يوم 15/1/1981 يستبعد إمكانية امتداد الاشتباكات إلى الأردن التي حصلت بحسب قول المسؤول الفلسطيني على ضمانات لكفالة أمنها.
الهدف العسكري الإسرائيلي:
إن للعسكرتاريا اليهودية أهدافًا محدودة في احتمال حربها التي يمكن أن تشنها قبل شهر إبريل القادم وهو الموعد الذي ستتراجع فيه قوات العدو عن القسم الأكبر من سيناء المصرية. ويعتبر مراقبون إسلاميون في منطقة الشرق الأوسط أن العدو اليهودي يريد أن يحقق هدفين أساسيين من حرب الشمال المحتملة هما:
1- في لبنان: إخلاء قطاع جنوب لبنان والبقاع من الوجود الفلسطيني نهائيًا وضم جزء من الجنوب إلى دولة «إسرائيل».
ويعتقد بعض العسكريين العرب أن التفكير اليهودي سيدفع بالجيش المعادي على شكل كماشة ليلتف حول قوات الطوارئ الدولية عن طريق البحر بالقيام بعملية إنزال على الساحل في جنوب مصب نهر الزهراني وعن طريق البر حيث مرجعيون حيث ينزل حممه بالفلسطينيين مباشرة دون أن يحميهم أحد. وتقدر القوات اليهودية التي يحتمل أن تشترك على هذا الجانب بـ 30 ألف جندي تحت دعم من القوات الجوية والبحرية التي ستقوم بدور أساسي في قطع الطرق مثلما فعلت تمامً في حرب الجنوب الأخيرة.
2- في سوريا:
وهنا نذهب الى أن الجيش الإسرائيلي في حال الهجوم على الجبهة الشمالية لن يستهدف دمشق بذاتها وان كانت اليوم لا تبعد عن مدافعة سوى 60 كيلو مترًا، وإنما -وبحسب ما تريده الخطط اليهودية- يتطلع الجيش الإسرائيلي إلى تسوية حدود الجولان نهائيًا مع الجبهة السورية بحيث يستعيد القطعة المتبقية مع الجيش السوري من الجولان ليبقى بالتالي الفاصل بينه وبين دمشق من الخاصرة اللبنانية.. وزاوية الجولان بعد اكتمال ضمها إلى الأرض المحتلة «45» كيلو مترًا فقط.
الهدف السياسي:
لا شك أن الهدف السياسي من هجوم عسكري إسرائيلي على الجبهة الشمالية يحمل أهدافًا سياسية تبدو في النقاط التالية:
1- لفت النظر وتركيز السياسة العربية نحو دمشق التي تبدو اليوم بأمس الحاجة هي ونظامها إلى استدرار العطف من العواصم العربية المجاورة والعواصم الخليجية. ولفت النظر إلى دمشق يعني إعطاء نظام دمشق دفعات جديدة من الانفتاح العربي وما يلحق بذلك من دعم سياسي ومالي.
2- إن الهجوم اليهودي يهيئ المجال لخطة أمريكية اتفقت عليها أطراف معروفة. ومن شأن هذه الخطة توسيع نطاق التحرك السياسي السلمي والتلويح للشعب السوري والفلسطيني الناقم على السياسة الحالية بالعصا الإسرائيلية التي سيظهر الحاكم بمظهر المتصدي لها.
3- الوصول بالعواصم العربية إلى صيغة متفق عليها لحل مؤقت للقضية الشرق أوسطية مع «إسرائيل» وذلك كمدخل لتجميد الصراع العربي الإسرائيلي في فترة سلمية قد لا تزيد على عشر سنوات. هي مرحلة يهودية للانطلاق فيما بعد إلى مرحلة توسعية أخرى.
نتيجة:
مما مر يستطيع المرء الاعتقاد بأن هناك أمرا يدبر في المنطقة. وقد يكون المدبر عبارة عن أطراف عديدة اتفقت على صيغة معينة لا تنجزها إلا مثل هذه الحرب، بحيث يعيد كل طرف من الأطراف المتظاهرة بالصراع أوراقه الداخلية. فيكسب مناحيم بيغن الجولة على منافسيه داخل فلسطين المحتلة. ويكسب السوريون أموال النفط التي ستتدفق في حال اشتعال حرب ما فضلًا عن تعديل الموقف السياسي العربي الصالح البقاء المنشود في العاصمة دمشق. أما حاصل الحرب المتصورة فسوف يكون:
1- القضاء على العنصر الفلسطيني المسلح قضاء نهائيا في الجنوب اللبناني والبقاع.
2- تحجيم الدور الوطني الفلسطيني على الساحة العربية. وإظهار الدور الفلسطيني الداعي للصلح والسلام مع العدو الصهيوني. ولعل المراقب لما تنقله وكالات الأنباء اليوم لن تفوته تصريحات بعض رؤساء البلديات الفلسطينية داخل الأرض المحتلة.
3- تسوية قضية الجولان بشكل نهائي وضم الأجزاء المتبقية تحت سيطرة السوريين إلى «إسرائيل».
4- فرز الموقف المختلط في لبنان والتمهيد لإعادة الدور الأقوى إلى النصارى المارونيين.
5- إشغال الأمة العربية (شعوبًا وحكومات) بمحنة جديدة تزيد الى بؤس المنطقة بؤسًا جديدًا.
6- وضع المنطقة كلها في إطار الرغبة اليهودية في موضوعي السلام وإنهاء فكرة المقاومة عند الشعوب ثم موضوع توحيد الأنظمة المعنية حول مطالب للسلام تقبل بها دولة العدو اللدود.
إن هذا وغيره كثير مما هو ضمن السياسة اليهودية الداخلة في لعبة الحرب والسلام، ومن المؤسف والمحزن أن الأنظمة المعنية بالحرب مع العدو اليهودي ما زالت مشغولة بذاتها.. لاهية بتوجيه مدافعها إلى صدور الشعب والبقاء لـ«إسرائيل» وحدها، فهي -كما علق أحدهم- القادرة وحدها على أن تقرع أجراس الحرب متى شاءت ولا حول ولا قوة إلا بالله.