العنوان توفاه الله عصر الأربعاء ۱۹ رمضان الجاري عن ٨٦ عامًا.. الحاج فرج النجار.. 70 عاما من الجهاد المتواصل
الكاتب عبده مصطفي دسوقي
تاريخ النشر السبت 19-سبتمبر-2009
مشاهدات 140
نشر في العدد 1870
نشر في الصفحة 34
السبت 19-سبتمبر-2009
يقول عن أول لقاء له مع الإمام حسن البنا:
نظر لي نظرة وهو يلقى محاضرته فأحسست بعدها بجسدي يتفكك وتأثرت بها تأثيرًا شديدًا
جاهد ضد الاحتلال الإنجليزي.. وهرب من قبضة
زبانية عبد الناصر لمدة ربع قرن وعاد لحياته الطبيعية بعد حصوله على عفو عام ١٩٧٥م
إن الشجرة الطيبة التي غرسها الإمام الشهيد
حسن البنا منذ عام ١٩٢٨م، ورواها بدمه هو والشهداء من قبله ومن بعده، تعمَّقت جذورها،
وامتدت فروعها، واستعصت على أعداء الله أن يقتلعوها رغم محاولاتهم الشرسة
المتتالية.
يقول الإمام البنا: «أيها الإخوان: أنتم لستم
جمعية خيرية، ولا حزبًا سياسيًّا، ولا هيئة موضعية لأغراض محدودة المقاصد.. ولكنكم
روح جديد يسري في قلب هذه الأمة فيحييه بالقرآن، ونور جديد يشرق فيبدد ظلام المادة
بمعرفة الله».
والحاج فرج النجار - يرحمه الله - نموذج لمن
تربَّى في بيت علمه هذه المعاني، كما ترَّبى على يد رجل وامرأة صبرا على ما تعرضا
له في عهد الملك وعبد الناصر فقد حُرما من ابنهما الذي ظل هارب من الطغيان لمدة ما
يقرب من ربع قرن، وظلا مثالًا لـ«البيت الحديدي» في وجه هذا الطغيان.
نشأته
ولد فرج إبراهيم شحاته النجار في يوم الأحد ٥
رمضان ١٣٤١هـ الموافق 1923/4/22م في قرية «ميت خاقان» مركز شبين الكوم محافظة
المنوفية في بيت عرف بالصمود ومواجهة الطغيان، فقد تزوج والده الحاج إبراهيم، الذي
كان يدير ورشة نجارة خاصة به، وكان رجلًا بسيطًا لم ينل قسطًا من التعليم، تزوج
بالسيدة «شفيقة نوير أحمد الجمل» وأنجبا محمود، محمد، عبد الخالق، فرج، زينب،
عزيزة، دياب، عبد الغني، وكانت الأسرة متوسطة الحال وتسير أحوالها في هدوء واطمئنان.
في دعوة الإخوان
كانت بدايات فرج النجار في معرفة الإسلام عن
طريق الطرق الصوفية غير أنه لم يتحملها لما تحويه من خزعبلات وتركهم.
يقول عن لقائه بالإمام البنا: «ثم أخذني عبد
الرزاق العربي من بلدي إلى الإمام البنا في القاهرة، وكان يوم الأربعاء حيث كان
يلقي الإمام محاضرة، فذهبنا إليه هناك، وعندما دخلنا القاعة التي يلقي فيها المحاضرة
لاحظنا الإمام ونحن نجلس، فنظر لنا، فلا أدري ماذا حدث لي، أحسست أن جسدي يتفكك من
نظرته، وتأثرت بها بشدة، وبعد انتهاء المحاضرة نزل الإمام من على المنصة ووجدناه
قادماً ناحيتنا وقام باحتضاننا حتى تعجَّبنا!!
ذهبت مع الإمام إلى بيته وجلسنا معًا، فبدأ
يناقشني في نشاطي الإسلامي، وبدأ يشرح لي عن الإسلام الذي لم أكن أعرف منه سوى
الطرق الصوفية!! وجلس معي حوالي ثلاث ساعات متواصلة، ثم أخذ مني بيعة عامة دون
تخصيص، وطلب مني حضور الدرس الأسبوعي كل ثلاثاء، وواظبت على هذا الأمر من يومها».
بدأ الحاج فرج ينشر دعوة الإخوان في قريته،
واجتهد في ذلك، وكوّن شعبة للإخوان في «ميت خاقان»، حتى دعا الأستاذ إلى القرية في
عام ١٩٤٠م، وتحولت القرية على يديه وإخوانه من مناصرة الوفد إلى تأييد الإخوان
المسلمين.
ذكرياته مع البنا
وعن ذكرياته مع الشيخ حسن البنا يقول الحاج
فرج النجار: هناك مواقف تربوية كثيرة توضح شخصية الإمام البنا، وأذكر أنه كان في
إحدى البلدات المجاورة لمركز شبين الكوم بمحافظة المنوفية رجل اسمه عبد المنعم
علام دائم السبّ في الإمام البنا والجماعة، فقلت للإخوان في المحافظة: حينما يأتي
الإمام في حفلة بالمحافظة أرسلوا إلى عبد المنعم دعوةً ليحضُر، وبالفعل أتى الإمام
البنا إلى المنوفية في حفلة من الحفلات التي كانت تقام دائمًا، وأرسلنا إلى عبد
المنعم الدعوةَ، ولما حضر أخبرتُ الإمامَ البنا عنه وعن أقواله، فقام إليه الإمام
البنا واحتضنه، ثم أخذ يحاول أن يتجاذب معه أطراف الحديث، فسأله عن اسمه وعبد
المنعم لا يرد!! فسأله الإمام عن عمله وهو لا يردّ!! فمنعًا للحرج بدأتُ أرد عن
عبد المنعم كلما سأله الإمام سؤالًا، وفي اليوم التالي قابلتُه وسألته: ما الذي
جرى لك بالأمس؟! لماذا لم تكن تردُّ على الإمام البنا كلما سألك سؤالًا؟ فقال لي:
اسكت!! لا أدري ماذا جرى لي حينما احتضنني الإمام؟! تهت ولم أعرف بماذا أرد عليه!!
كان رجلًا تقيًا متواضعًا كلما ذكره أحد في
محاضرة أو خطبة وكان يحضرها ترقرقت عيناه بالدموع حتى البكاء!!
صلاة ودعاء
وفي مرة من المرات كان الإمام البنا على موعد
مع إحدى القرى التابعة لمحافظة المنوفية، وذهبنا إلى القرية واقتربنا منها وإذا
بالناس يهللون، ويمسكون بالطبل والمزامير، ويلقون عليه بالورود، ويطلقون الأعيرة
النارية في الهواء فرحين بحضوره إليهم، وكنا قد اقتربنا من مصلى في أول القرية،
فوجدت الإمام يقف ويطلب أن يصلي فيه ركعتين، فدخلت معه إلى هناك، فبدأ بالصلاة
وصليت معه وبعد انتهائه من الصلاة سكت برهة، ثم ناجي ربه وهو يبكي بكاءً شديدًا،
ويقول: «يا رب.. المصلحون والدعاة يقابلهم الناس بالطوب والحجارة وأنا يستقبلني
الناس بالورود والحفاوة، فهل أخطأت يا رب؟! هل أنا منحرف عن الحقيقة؟! يا رب إن لم
يكن بك عليّ غضب فلا أبالي»، فجلست صامتًا بجواره حتى مسح وجهه، وقام فقمت معه،
ودخلنا القرية.
كان يرحمه الله شخصيةً غير عادية.. وقد سافرت
كثيرا وقابلت أناسًا من مختلف القارات، لكني لم أجد في لقائهم تأثيراً كتأثير حسن
البنا، ولذلك حينما تنظر إليه فسوف تقول: إنه أتى برسالة ليتممها ثم يرحل.
انضمامه للنظام الخاص
سافر فرج النجار للعمل في «مدرسة حراء»
بالإسماعيلية، وهناك حدثت حادثة للشهيد يوسف طلعت مع بعض الصعايدة، وتدخل فرج
النجار، فأعجب به يوسف طلعت وضمه للنظام الخاص، وأمر بأن يكون هذا النظام في
الدلتا، وبالفعل قام بما طلب به على خير وجه عام ١٩٤١م، وبالفعل كون فرج النجار
النظام في محافظات القليوبية والمنوفية والغربية وكفر الشيخ، والذي أصبح مسؤولًا
عنه فيما بعد.
قام ببعض العمليات الفدائية في المنوفية ضد
الجيش الإنجليزي في مدرسة الصنايع بشبين الكوم، وبعد انسحاب الجيش الإنجليزي إلى
جبل «باغوث» بقويسنا قام بتفجير مبنى الحراسة مما دفعهم لمغادرة المنوفية.
محن عديدة
كان بيت فرج النجار صورة من صور التعرض
للإيذاء المستمر خلال فترة الاحتلال الإنجليزي، فقد كان يخفي بعض قنابل عند أخته
وعندما جاء البوليس الإنجليزي للقبض عليه وجد القنابل عند أخته فقبض عليها مكانه.
وبعد قيام الثورة اعتقل في يناير ١٩٥٤م
بالسجن الحربي ثم سجن العامرية، وخرج في مارس ١٩٥٤م، وظل يترقب الأحداث محاولًا معاونة
إخوانه، إلا أن المستجدات على الساحة، وشن عبد الناصر حملته الظالمة على الإخوان
مما عجل بدخول الإخوان طور المحنة الشديدة بعد حادثة المنشية في ٢٣/ ١٠/ ١٩٥٤م،
بعدها صدر له قرار بالهروب وعدم تسليم نفسه بسبب كثرة المعلومات التي معه، وكان
هذا الهروب سببًا في إحجام عبد الناصر عن زيارة المنوفية إلا قليلًا وبحذر شديد.
هروب من الطغيان
يقول الحاج فرج: «الهروب كان بأمر من
الإخوان، فقد أمروني بذلك خوفًا من القبض علي، ومن ثُمَّ أقوم بالاعتراف على جميع
إخوان النظام الخاص في المحافظات التي كنت مسؤولًا عنها، فيقبض عليهم جميعًا أو يتعرضوا
للتعذيب والقتل.
وعشت بعدها أتنقل من مكان لمكان، وأذهب عند
أشخاص غير معروفين تمامًا من الإخوان، وأحيانًا أذهب للاستراحة في بيت وزير
الداخلية حيث لا أحد يتوقع ذلك أبدًا، وأحيانا تضطرني الظروف إلى المبيت في
المقابر لعدم وجود أماكن آمنة، الحمد لله مرت الفترة بسلام دون أن أقع في أيديهم،
وكان ذلك من توفيق الله».
ولسنوات طويلة لم أر أحدًا، حتى إن والدي مات
بعد بداية الهروب بـ ١٥ سنة، ولم أستطع حضور جنازته، وكان أمرًا مؤثرًا جدًا عليَّ
لأني كنت أحبه كثيرًا».
ظلَّ فرج النجار مختبئًا لمدة تقرب من الربع
قرن لم يستطع البوليس ولا المخابرات ولا كافة الأجهزة الأمنية أن تقبض عليه، مما
مثل أسطورة أمام عجز الدولة بأنظمتها الأمنية، وظل كذلك حتى عفا عنه السادات في
يوليو ١٩٧٥م ليعود للحياة الطبيعية حيث تزوّج ورزقه الله بخمسة من الأبناء وبنت.
بعد
خروجه عمل على إعادة هيكلة المحافظة، ومعاونة إخوانه في ذلك حتى استقر الوضع
للإخوان في المنوفية، وجاء عام ٢٠٠٠م ليكون عامًا حاسمًا في حياة أهل المنوفية،
حينما بدأت مراسم انتخابات مجلس الشعب عام ٢٠٠٠م، وفوجئ النظام والناس جميعًا بأن
فرج النجار مرشح على قائمة الإخوان رغم هذا العمر الكبير حتى فزعت الأجهزة
الأمنية، وقال أحد اللواءات أما زال هذا الرجل على قيد الحياة؟! لقد ظننا أنه مات
منذ زمن، وجاءت الأوامر العليا بإسقاطه وبالفعل حالت الأجهزة الأمنية دون نجاحه.
وظلَّ يعيش في شبين الكوم يورث تاريخ الإخوان
للأجيال ويعاون إخوانه بالفكرة.
توفاه الله عصر الأربعاء الموافق ۱۹ من رمضان ١٤٣٠هـ الموافق 2009/9/9م، ودفن ظهر الخميس ٢٠ من رمضان؛ حيث شيعه
الآلاف من محبيه وإخوانه.
(*) ينشر بالترتيب مع موقع «إخوان أون لاين»
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل