; الحكومة والمعارضة تزايدان على الانفصال!.. جارانج يطرح خيارين.. كلاهما يؤدي إلى الانفصال.. ويضع المعارضة الشمالية في موقف حرج | مجلة المجتمع

العنوان الحكومة والمعارضة تزايدان على الانفصال!.. جارانج يطرح خيارين.. كلاهما يؤدي إلى الانفصال.. ويضع المعارضة الشمالية في موقف حرج

الكاتب خالد التيجاني النور

تاريخ النشر الثلاثاء 09-ديسمبر-1997

مشاهدات 73

نشر في العدد 1279

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 09-ديسمبر-1997

لم يكن أكثر المراقبين تفاؤلًا ينتظر أن تخرج الجولة الخامسة من المفاوضات بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان بوساطة الهيئة الحكومية للتنمية «إيقاد» بأكثر مما خرجت به من نتائج سمتها الأساسية أنها مازالت بعيدة عن حسم أي من الأسئلة الصعبة في أجندة مبادرات البحث عن حل حاسم لقضية الجنوب السوداني.

ولعل النتيجة التي انتهت إليها جولة نيروبي التفاوضية هذه المرة أنها لم تحمل بوادر اتفاق أو تقارب على أي من البنود الرئيسية التي شكلت عصب العملية التفاوضية، رغم محاولات استباق الجولة بجهود تؤمن خروجها بنتيجة أفضل وبالتالي فإن هذه النتيجة تعزز من الشكوك حول حقيقة وجدية الفرص المتاحة للتوصل إلى حل شامل وشيك للمعضلة السودانية.

ولئن تمكن الوسطاء وطرفا التفاوض من الاتفاق على سيناريو جيد الإخراج اختتم جولة التفاوض هذه بما ينعش الآمال في حدوث تقدم ما في جولة أخرى بعد نحو ستة أشهر، فإن الواقع يقول إن الحرب في الجنوب السوداني لن تضع أوزارها، على الأقل في المستقبل المنظور، وأن خيار التصعيد العسكري سيشكل حضورًا فاعلًا في الشهور القليلة المقبلة، خاصة أنه عرف عنها أنها فترة نشاط للعمليات العسكرية بسبب من عوامل طبيعية.

غير أنه من المهم كذلك، دون القفز إلى هذه النتيجة جملة، أنه يتضح من مجريات هذه الجولة التفاوضية وما رافقها من مواقف سياسية طرحها طرفا التفاوض مدخلًا لرؤية كل منهما لحل النزاع، أن ثمة معادلات سياسية جديدة حاسمة باتت الأجواء مهيئة لبروزها على خلفية ما أفرزته أطروحات حركة جارانج في ورقتها التفاوضية وبوجه خاص إصرارها على تبني الكونفدرالية بين دولتين مستقلتين في شمال وجنوب السودان بعد تقسيمه، وتعتبر الحركة هذا الطرح «خيار حد تفاوضي أدنى، لكنه يعد دون تهويل أو تهوين، انقلابًا سياسيًّا فاجأ أكثر من طرف في الساحة السودانية، وأربك حساباتهم وبصفة خاصة حليفًا جارانج في التجمع الوطني الديمقراطي المعارض السيدان الصادق المهدي زعيم حزب الأمة، ومحمد عثمان الميرغني زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي.

خيار الكونفدرالية

ورغم أنها ليست المرة الأولى التي تطرح فيها الحركة الشعبية لتحرير السودان خيار الكونفدرالية إذ سبق لها أن فعلت ذلك في مفاوضات أبوجا الثانية مع الحكومة السودانية منتصف عام ۱۹۹۳، إلا أن الجديد هذه المرة هو أن طرح الكونفدرالية خيارًا أساسيًّا لحركة جارانج يأتي متناقضًا مع مقررات مؤتمر أسمرا والتي اتفق فيها في عام ۱۹۹٥ مع حلفائه الشماليين على حل يقر بإعطاء حق تقرير المصير للجنوب مع إعطاء أولوية للحفاظ على السودان بلدًا موحدًا في إطار ترتيبات سياسية تقوم على علمانية الدولة، ولعله ينبغي أن نستدعي إلى الذاكرة الاحتفاء الذي لقيته هذه المقررات من قبل رموز التجمع المعارض، باعتبارها جماع اتفاق قدم حلولًا حاسمة لقضايا مصيرية.

ومصدر الحرج البالغ في طرح جارانج لحلفائه الشماليين هو أنه تجاوز فعلي لأطروحة تقرير المصير التي يستفتي أهل الجنوب بموجبها بين خيارين أحدهما استمرار وحدة السودان، والثاني هو الانفصال في دولة مستقلة، فهو يستبعد خيار استمرار وحدة السودان عبر تبرع الحركة الشعبية بممارسة حق تقرير المصير نيابة عن مواطني الجنوب والوصول إلى نتيجة نهائية حاسمة هي أنهم يريدون الانفصال، إذ إن الكونفدرالية في الواقع ترتيب اختياري لاحق لما بعد تحقيق استقلال الجنوب ومعلوم سياسيًّا وقانونيًّا أن الكونفدرالية لاتتم إلا بين دولتين مستقلتين، وهو ما يعني أن الخطوة الأولى العملية لحل القضية وفق تصور الحركة الشعبية الحصول على دولة مستقلة لجنوب السودان ذات سيادة وسلطات كاملة على حدود معروفة حددتها في خريطة أرفقتها مع ورقتها التفاوضية جعلت من خط عرض ۱۳ درجة حدودًا بين الدولتين المقترحتين، ويبدو أن الحركة الشعبية أرادت، من باب تخفيف الصدمة على حلفائها ومواراة هدفها الحقيقي، أن يأتي طرحها الانفصالي، في محصلته الأخيرة، مغلفًا بمفهوم الكونفدرالية بما يوحي بإخلاصها لوحدة السودان ولكن وفق ترتيب سياسي جديد، غير أن وجه المفارقة البين في طرح الحركة الشعبية والذي يؤكد أن انفصال جنوب السودان في دولة مستقلة بات هو خيارها النهائي، بغض النظر عن ترتيبات العلاقة اللاحقة بالدولة الشمالية، هو أنه مع تمسكها بخيار الكونفدرالية في الفترة الانتقالية التي اقترحت لها عامين فقط، جعلت استفتاء مواطني الدولة الجنوبية الجديدة بعدها بين خيارين ليس بينهما احتفاظ السودان بوحدة أراضيه وسيادته الحالية، فخيار الحركة الشعبية المحسوم هو انفصال الجنوب على كل حال، والخيار المقترح في الاستفتاء هو المفاضلة بين الانفصال الكامل في دولة مستقلة، والانفصال الكامل مع الإبقاء على روابط كونفدرالية تنسيقية بين دولتين كاملتي السيادة.

ومما يزيد من الحرج الذي وقعت فيه المعارضة السودانية الشمالية وأربك حساباتها نتيجة لطروحات حلفائها انه قد سبق لها أن شنت هجومًا عنيفًا على الحكومة السودانية غداة توقيعها لاتفاق سلام في إبريل الماضي مع ثلة من الفصائل الجنوبية المتمردة على زعامة جارانج، واتهمت حكم الإنقاذ بالتفريط في وحدة البلاد لتوقيعه اتفاقًا مع فصائل انفصالية عرف عنها دعوتها لاستقلال جنوب السودان، ولم تنس حينذاك تقريظ حليفها جارانج ووصفه بالوحدوي الساعي لحل شامل لأزمة الحكم في طول البلاد وعرضها، وليس مجرد باحث عن حل مقصور على مشكلة الجنوب، ولكن يتضح الآن، بعد جولة نيروبي الخامسة أن اتفاقية الخرطوم لحل قضية الجنوب أقل ضررًا فيما يخص وحدة السودان مقارنة بطرح الحركة الشعبية، ذلك أن ممارسة حق تقرير المصير الوارد في اتفاقية الخرطوم كفل عند استفتاء مواطني الجنوب بعد فترة انتقالية مدتها أربع سنوات الخيار بين الحفاظ على وحدة السودان بوضعه الحالي بترتيبات فدرالية واسعة لكل ولايات البلاد، أو انفصال الجنوب في دولة مستقلة، في حين يغيب تمامًا أي خيار محتمل للاحتفاظ بوحدة البلاد في طرح الحركة الشعبية.

ومن المؤكد أن موقف الحركة الشعبية لتحرير السودان في نيروبي أصاب شركاءها في التجمع الوطني المعارض في مقتل، وبدد جهودًا حثيثة بذلها زعماء الأحزاب الشمالية لتوحيد قوى المعارضة في مواجهة حكم الإنقاذ، وقدموا في سبيل ذلك تنازلات مهمة لحركة جارانج، ليس أقلها الإقرار بالعلمانية منهجًا لنظام الحكم في البلاد على حساب أي توجه إسلامي، وهو تنازل يؤثر سلبًا على مشروعية زعامة السيدين المهدي والميرغني القائمة على أبعاد دينية موروثة.

ويبدو أن السيد الصادق المهدي أكثر إحساسًا بالمرارة تجاه طرح جارانج لخيار الكونفدرالية، لذلك لم يخف انزعاجه من ذلك، رغم محاولته التخفيف من جدية وخطورة هذا الطرح على مصداقية المعارضة الشمالية، ووصفه بأنه طرح من باب المزايدة على الحكومة السودانية التي زايدت هي الأخرى بقبولها إعلان المبادئ.

انزعاج المهدي أظهرته تصريحات صحافية له اعتبر فيها أن فكرة الكونفدرالية ليست جديدة إذ سبق للحركة الشعبية أن طرحتها ولكن «مؤتمر أسمرا تجاوزها ونسخها» وذهب إلى حد تسفيه ما طرح في مفاوضات نيروبي ووصفه بأنه «مجرد مراشقات»

وثائق مفصلة

ولعل تبرع المهدي بالتهوين من شأن ما طرحته الحركة الشعبية، رغم أنها قدمته في منبر إقليمي جاد بوثائق مفصلة، ينبئ عن مدى شعوره بالخيبة من مجمل مردود مفاوضات نيروبي بوساطة «إيقاد» التي سبق للمعارضة الشمالية أن علقت عليها آمالًا عريضة في تسوية نزاعها مع الحكم في الخرطوم، وبدا أن المعارضة الشمالية لم تعد ترى في مبادرة «إيقاد» حصان طروادة الذي يساعدها في العودة إلى الخرطوم حاكمة، لذلك دعا السيد الصادق المهدي إلى إعادة هيكلتها بضم أعضاء جدد إليها، وبتوسيع مظلة وساطتها لتشمل عملية البحث عن حل سياسي للأزمات السودانية في مجملها وليس الاقتصار على مشكلة الجنوب.

وعودة إلى علاقة شركاء التجمع الوطني الديمقراطي بعد هذه التطورات فإنه من المؤكد أن حسابات المعارضة السودانية باتت تواجه بشكل جدي إفرازات استحقاقات التحالف بين شركاء يجمعهم الهدف وتفرق بينهم الأجندة الخاصة لكل طرف.

الرابط المختصر :