العنوان نقوش على جدار الدعوة.. بين الفردية والمؤسسية (1 من 2)
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 12-نوفمبر-1996
مشاهدات 64
نشر في العدد 1225
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 12-نوفمبر-1996
النزعة الفردية شيء أصيل في الإنسان، حيث إن للنفس ميولًا وحاجات تسعى إلى تلبيتها وإشباعها، والفردية - حسب علماء اللغة - «نزوع الفرد إلى التحرر من سلطان الجماعة، ويقال استفرد بالأمر أي استبد ولم يشرك معه أحد» (1)، والفرد في علم الاجتماع: «وحدة من الوحدات التي يتألف منها المجتمع كالمواطن في الدولة، أو النحلة في الخلية، أو النملة في القرية، فهي أحاد حقيقية يتألف منها الجسم الاجتماعي»(2)، إذن فالفرد هو العنصر المكون للجماعات، وقد نشأ في الفكر السياسي نقاش حول من هو الغاية: الفرد أم المجتمع؟ وتوزعت الآراء من النقيض إلى النقيض مع وقفات معتدلة نوعًا ما فيما بينهما، وعلى الرغم من القيمة المعطاة للفرد والتكريم له من قبل رب العالمين: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (سورة الإسراء: 70)، إلا أننا في موضوعنا هذا لا نوازن بين أهمية الفرد والمجتمع وأيهما في الدرجة الأولى، بل نتحدث عن ضرورة التمييز والمفاضلة بين عمل فردي وعمل مؤسسي، من خلال حركة أو تنظيم ارتضاه جميع الأفراد، وهذا يعني أن المعالجة ستدور حول استبدادية الفرد في اتخاذ القرار وإدارة الحركة والتنظيم «التفرد» وحول العمل والقرار المشترك «المؤسسة» وما يعوقها ويحد منها.
لم تقم قائمة الإسلام إلا بجهود المسلمين الأوائل الذين انتظموا تحت لواء رسول ﷺ في عمل منظم، كل فرد منهم يخوض فيه بطاقاته وضمن اختصاصه، وعلى هذا الأساس كان يتبوأ الفرد موقعه، فـ «خالد بن الوليد» الذي دخل الإسلام تسلم زمام جيوشه نظرًا لقدراته واختصاصه، و«أبو ذر الغفاري» الصحابي الجليل عندما رغب أن يولى على إمارة منطقة لم يوافقه رسول ﷺ لا لعيب فيه أو في إسلامه وإنما لعدم ملاءمة الشخص مع المهمة التي يرغب في التزامها، إذن فالمؤسسة قبل أن تكون عمل أجهزة هي طريقة تفكير، استطاع رسول ﷺ أن يمارسها لتكون لنا نبراسًا نهتدي بهداه، ونسير على دربه، إلا أن تقبل الفرد للعمل المؤسسي والعقلية المؤسساتية أمر يستوجب التنازل عن الكثير من الأنانيات لصالح الأهداف المشتركة التي يجد الفرد في النهاية نفسه فيها، ورغم الجو المؤسسي الذي سيطر على حقبة صدر الإسلام، إلا أن النزعة الفردية عادت للظهور وبقوة ومن يومها ولا تزال عقلية حكم الفرد والنزعة الفردية هي المسيطرة، ونحن لا نتنكر لأهمية ودور الفرد في المؤسسة وإبداعاته، إلا أن العصر الذي نعيشه وطبيعة المرحلة التي تمر بها الأمة الإسلامية والحركة الإسلامية يستوجبان الإسراع في تحقيق العمل الجماعي المؤسسي بأبهى صوره، فالأفراد قد ينحرفون وطاقاتهم قد تخور وهي محدودة مهما بلغت في هذا المجتمع الرحب، إلا أن المؤسسة بتنظيمها ودقتها ومتابعتها تستطيع أن تستوعب جميع الطاقات وتنسق بينها للوصول إلى الغاية المرجوة، وهنا أود أن أنبه إلى أن المؤسسة لا تلغي الفردية، بل هي التي تقدر الفرد وتسعى لتنظيم عمله ونشاطه ومطابقته وتكملته لنشاط الآخرين في بوتقة متحدة متفقة يحكمها التخصص والإدارة الناجحة، والفرد الذي ارتضى الإسلام دينًا ووصل إلى درجة التضحية والعمل في سبيل الإسلام لا مناص من أن يعمل في مؤسسته وفق منهج مؤسساتي لكي ينتج أكبر قدر من الطاقة والقوة، من هنا فإن قوة أي مؤسسة أو تنظيم: «إنما تظهر من خلال القدرة على استيعاب كل الناس، وكل المستويات وكل الأحجام، ومن خلال توظيف هؤلاء جميعًا في مشروع واحد ضمن خطة واحدة مع حفظ مكانتهم وإنزالهم ما يستحقون من منازل»(3)، وصدق رسول ﷺ حيث قال: «انزلوا الناس منازلهم»، (رواه مسلم).
الهوامش:
1.مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، دار عمران، القاهرة، ج2ص5.7
2.جميل صلبيا، المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1982م، ص139
3.فتحي يكن، المتغيرات الدولية والدور الإسلامي المطلوب، مؤسسة الرسالة، بيروت ط2، 1416ه-1995م، ص84