العنوان باكستان هل تخلت عن المجاهدين الأفغان؟
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الأحد 02-فبراير-1992
مشاهدات 73
نشر في العدد 987
نشر في الصفحة 18
الأحد 02-فبراير-1992
جاء إعلان الحكومة الباكستانية في السابع
والعشرين من يناير الماضي عن موافقتها الرسمية لخطة الأمم المتحدة الخاصة بتسوية
القضية الأفغانية والتي طرحها السكرتير العام السابق للأمم المتحدة خافير بيريز
ديكولار في مايو الماضي 1990 لتؤكد كثيرًا من المخاوف والشكوك تجاه الموقف
الباكستاني من المجاهدين الأفغان الذي اتسم بالضغوط والمساومات طوال الشهور
القليلة الماضية.
والجدير بالذكر أن المجاهدين كانوا قد
أعلنوا رفضهم لهذه الخطة في حينها وقالوا إنها ليست سوى اعتراف واضح بالنظام
العميل الحاكم في كابل وإقرار بمشاركته في الحكم خلال الفترة القادمة وقد علق
البروفيسور عبد رب الرسول سياف على هذه الخطة قائلًا: «إنها لا تعني سوى مزيد من
سفك الدماء في أفغانستان». كما رفضها كل من رباني وحكمتيار وخالص وأعلن مجددي
وجيلاني ومحمد نبي عن قبول مبدئي بها إلا أنهم انسحبوا بعد الضغوط التي مورست
عليهم من باقي المجاهدين.
وتنص هذه المبادرة التي تتكون من خمس نقاط
على ما يلي:
1- الحفاظ
على سيادة أفغانستان ووحدة أراضيها والطابع الإسلامي وغير المنحاز لها.
2- الاعتراف
بحق الشعب الأفغاني في تقرير شكل حكومته واختيار نظامه الاقتصادي والسياسي
والاجتماعي بعيدًا عن أي تدخل خارجي أو أي ضغط من أي نوع.
3- تحديد
فترة انتقالية تتيح إجراء حوار بين أطراف النزاع لتشكيل حكومة ذات قاعدة واسعة.
4- وقف
إمدادات الأسلحة لأطراف الصراع.
5- مساعدة
المجتمع الدولي في تخفيف المعاناة عن خمسة ملايين لاجئ أفغاني موجودين في باكستان
وإيران.
وقد تضمنت هذه النقاط الخمسة مقترحات ضمنية
أخرى بينها تشكيل لجنة من قادة نظام كابل والمجاهدين تتولى مسؤولية الأمن والجيش
خلال الفترة الانتقالية مع ضرورة وقف إطلاق النار خلال هذه الفترة بين المجاهدين
ونظام كابل، مع إجراء انتخابات تشرف عليها الأمم المتحدة.
بين المبادرة وقبولها رسميًا
وفور إعلان الأمم المتحدة عن هذه المبادرة
رحبت أوساط كثيرة بها وكانت باكستان كذلك من بين المرحبين إلا أنها لم تعلن قبولها
رسميًا لها إلا في السابع والعشرين من يناير الماضي وقد شهدت الفترة من مايو 1991
وحتى 27 يناير 1992 تحركات كثيرة على المستوى الدولي كانت تهدف إلى فرض حل عاجل
ومباشر على المجاهدين الأفغان بحيث يتم وضع نهاية للقضية الأفغانية تتفق ومخططات
النظام الدولي الجديد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وزواله وتكفل الولايات المتحدة
بإتمام عملية التوازن في المنطقة فكانت التحركات التي قام بها الروس من أجل التفاوض
مع المجاهدين وقام وزير الخارجية في حكومة المجاهدين برهان الدين رباني بزيارة
لموسكو في منتصف نوفمبر الماضي أظهرت مدى التفكك بين الموقف الروسي والسوفيتي في
ذلك الوقت، ولم يكتب لهذه المفاوضات النجاح بعدما اتضح من زيارة نائب الرئيس
الروسي ألكسندر روتسكوى والوفد المرافق له إلى إسلام آباد في الحادي والعشرين من
ديسمبر الماضي أن كل هم الروس هو الإفراج عن الجنود السوفييت الذين مازالوا في
الأسر لدى المجاهدين أما البنود الأخرى المتعلقة بالضغط على نظام كابل أو قطع
المساعدات عنه فلم تكن هناك إجابات حاضرة لدى رئيس الوفد الروسي عنها.
وقد سبق هذه الخطوة إعلان كل من وزير
الخارجية الأميركي جيمس بيكر ووزير الخارجية السوفياتي السابق بانكين عن قطع
متزامن للمساعدات عن المجاهدين ونظام كابل يطبق منذ بداية يناير 1991 وسعت أطراف
دولية متعددة خلال هذه الفترة للضغط على المجاهدين من أجل القبول بما يطرح على
الساحة الدولية من حلول لا يقبل أدناها بإقامة حكومة إسلامية في أفغانستان.
ظاهر شاه
رغم أن طرح ملك أفغانستان السابق ظاهر شاه
الذي حكم أفغانستان في الفترة من 1933 وحتى 1973 حيث انقلب عليه صهره محمد داود
خان في أول انقلاب عسكري شهدته البلاد مهد لوصول الشيوعيين إلى السلطة في انقلاب
دموي آخر عام 1978 رغم أن طرح ظاهر شاه ظل يتردد طوال السنوات القليلة الماضية
كبديل للمجاهدين ونظام الحكم في كابل إلا أن هذه الورقة ظلت تظهر وتختفي من آن
لآخر حسب مقتضيات اللعبة الدولية حتى أصبح ظاهر شاه يطرح الآن بقوة كبديل أو كحل
للأزمة الأفغانية، وكان د. نجيب رئيس نظام كابل قد أعلن قبل ذلك مرارًا استعداده
لقبول ظاهر شاه كرئيس للبلاد للخروج بها من أزمتها إلا أن المجاهدين أعلنوا رفضهم
القاطع لعودة ظاهر شاه على اعتبار أنه هو الذي أتاح الفرصة للشيوعيين حتى وصلوا
إلى الحكم وأدوا إلى تدمير البلاد غير أن المحاولات والضغوط الدولية يبدو أنها لم
توفق في أطروحاتها أو محاولاتها الأخرى مع استعجالها لتسوية القضية الأفغانية
بعدما تمكنت من تسوية ظاهرية لقضايا دولية أخرى، فعادت تطرح موضوع ظاهر شاه بقوة
مرة أخرى، ودخلت باكستان بصورة مباشرة في هذا الطرح فبدأت بالتضييق على المجاهدين
بمنع وصول إمدادات السلاح والذخيرة إليهم لاسيما الذين يرفضون عودة ظاهر شاه أو
الدخول في أي إطار دولي للتسوية لا يضمن للمجاهدين حقوقهم، وكان اجتماع الجنرال آصف
نواز رئيس أركان الجيش الباكستاني مع ملك أفغانستان السابق ظاهر شاه سرًا في روما
مؤخرًا حيث يقيم الأخير ضربة قاصمة للعلاقات بين قادة المجاهدين والحكومة
الباكستانية بعدما أعلنت باكستان رسميًا عن صحة هذه الأنباء مما جعل قادة بعض
التنظيمات الجهادية مثل سياف وخالص وحكمتيار يقومون بنقل مكاتبهم وما تبقى من
أسلحة لهم إلى أفغانستان للخروج من دائرة التأثير الباكستاني، وقد أشارت مصادر
مختلفة إلى أن السلطات الباكستانية قد قامت في الأسبوع الماضي باعتراض مائة وخمسين
شاحنة محملة بالأسلحة والذخائر تابعة للبروفيسور سياف كانت متوجهة من باكستان إلى
ننجرهار.
لماذا تغير الموقف الباكستاني؟
كان مقتل الجنرال ضياء الحق في أغسطس 1988
بداية لمرحلة من موقف الحكومة الباكستانية المستقبلي من القضية الأفغانية
وكانت الضغوط الدولية على بلد تواجه تهديدًا مستمرًا على حدودها الشرقية تحتم
عليها أن تلعب لعبة للحفاظ على أوضاعها ومستقبلها حتى لا تجد نفسها فجأة متورطة في
حرب خامسة مع الهند عدوها التقليدي، ولا يشك أحد في مدى استفادة باكستان سياسيًا
واقتصاديًا وعسكريًا واجتماعيًا ودوليًا من موقفها مع المجاهدين الأفغان طوال
سنوات جهادهم كذلك لا يشك أحد في موقفها الإسلامي والإنساني الذي بدأ مع وصول أول
مهاجر أفغاني إلى باكستان في أكتوبر عام 1973 إلا أن الأعمال دائمًا بخواتيمها
والمواقف النهائية والأخيرة يكون لها معيار أقوى من كل ما سبق وإن هذا التغير في
الموقف الباكستاني هو لا شك نتيجة لضغوط دولية وعالمية على باكستان يقدرها من
يراقب الأمور لكن الرسالة التي حملتها باكستان مع المجاهدين منذ البداية تقتضي
منها أن تكمل الطريق ولا تتخلى عن شعب لن يتخلى عن الجهاد إلا أن يحقق أهدافه.
لكن بقيت هناك نقطة أهم من إعادة
الباكستانيين النظر في موقفهم إعادة المجاهدين النظر أيضًا في موقفهم مع بعضهم
بعضًا فالوحدة بين صفوف المجاهدين ونبذ الخلافات أصبحتا هي العامل الوحيد لمواجهة
الضغوط الدولية عليهم.. فهل ستراجع الحكومة الباكستانية موقفها؟ وهل سيراجع
المجاهدون الأفغان موقفهم أيضًا؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل