; خواطر الدعاة في الفكر والحركة | مجلة المجتمع

العنوان خواطر الدعاة في الفكر والحركة

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 14-ديسمبر-1982

مشاهدات 70

نشر في العدد 599

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 14-ديسمبر-1982

همك على قدر ما أهمك خواطرك من جنس همك، قاعدة مستمرة في حياة البشر لها واقعها الملحوظ على كل صنف واتجاه، وليس ذلك من أصل الموضوع، وان كان بيان ذلك مهم للدخول في أصل الحديث فاهتمامات الإنسان تأتي من تفكيره ومحبوبه، وما من شيء أكثر تعكيرًا وحبًا لدى المسلم العبد الله تعالى من الإسلام، وقضايا الإسلام، والإناء الذي يحمل هذا الإسلام، واقصد بذلك الحركات الإسلامية التي أخذت على عاتقها العمل لا يجاد هذا الدين في واقع الحياة، وهذا الإناء هو الذي يجب أن يأخذ الحظ الوافر في تفكير أهل الدعوة، فالإسلام كمبادئ ونظم موجودة في الكتاب والسنة وشروحهما قد تكفل الله يحفظهما من التحريف، فظل المنهج الإسلامي نقيًا صافيا ينتظر من يحمله، وفق حكمة الله التي اقتضت أن لا يتحقق الإسلام بمعجزة خارقة للعادة، بل يتحقق وفق الجهد البشري الذي خلق الله البشر عليه، وعلى ذلك فحديثنا سيكون عن الدعوة إلى  الله تبارك وتعالى التي قد تشابكت قضاياها وتداخلت، بحيث أن أصحاب الجماعة الواحدة أصبح أحدهم يشعر في بعض الأحيان أنه غريب في فهمه حتى بين إخوانه، فيضيق لذلك صدره، وتحبس أنفاسه الطيبة المباركة في صدره، فتفقد الحركة نسمة طيبة مباركة كانت تدر الخير والبركة على الناس، لهذا الأمر ولغيره من القضايا التي تشابكت على أصحاب الدعوة كان التفكير المستمر، وكانت هذه الكلمات التي هي لا تعدو أن تكون نظرات قابلة للخطأ والصواب فيما يتعلق بأسباب تأخر النصر عن الحركة الإسلامية،

السبب الأول: عدم وجود النضج القيادي في الحركة الإسلامية: إن وجود الراحلة التي تقود أي قطاع من القطاعات هو مثال ومطلب الناس على مر العصور. لذلك كان البيان النبوي الكريم «الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة وهذه القاعدة مطردة في جميع التجمعات والدول والحركات والهيئات، ولهذا السبب كان العنصر القيادي عملة نادرة في شتى الميادين، وتأتي أهمية القيادة في الحركة الإسلامية من وجود عنصر القدوة في البناء التربوي الإيماني، ومن أن التعامل يكون مع الله -سبحانه- الذي لا تخفى عليه خافية، والناظر في تاريخ الدعوة الإسلامية في العهد النبوي يجد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عمد في سنواته التي عاشها في مكة والمدينة على تكوين القيادات التي تستلم العمل من بعده، فكان التركيز النظري في دار الأرقم بن أبي الأرقم، كما في الاحتكاك مع المجتمع الوثني وتحمل تبعات هذا الاحتكاك اليومي، ثم متابعة المبادئ والقيم والموازين خلال الحياة اليومية التي يعيشها الجيل القيادي في مكة والمدينة، لذلك رأينا النبي -صلى الله عليه وسلم- مستمرًا مع نفس العناصر التي رباها في شعاب مكة وصقلها في المدينة، فكانت الروايات بعد ذلك: ذهب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع أبي بكر وعمر أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع أبي بكر وعمر، ونتاج هذه التربية القيادية رأينا أن الخلفاء الأربعة -رضي الله عنهم- من الجيل القيادي الأول والقادة في الفتوحات الإسلامية هم من هذا الجيل الأول كذلك. 

وعلى ذلك فمنهج الدعوة في عهد النبوة يوجهنا إلى  تكوين هذه القيادة التي ترفع راية التوحيد راية الدعوة إلى  «لا إله إلا الله»، كما أن الحركة الإسلامية يقاس نجاحها لا بكثرة أتباعها أو مؤلفاتها، أو مؤسساتها التجارية والمالية -وإن كانت هذه مهمة- ولكن بكثرة العنصر القيادي، الذي معدنه يتناسب مع الرسالة التي يحملها، فالملكات القيادية التي تلزم كل قائد تكثر أو تقل حسب المكان الذي يشغله هذا القائد، فالقائد الذي يحل مكان الأنبياء في تحمل الدعوة وتبليغها لا بد أن يكون على مستوى من الإيمان ولنضج، والعمق التربوي والسياسي، وحدة الذكاء، وقوة التحمل إلى  غير ذلك من الصفات القيادية، وهذا النوع من القيادة لا يترك للصدف والتكوينات الفردية الشخصية، بل لا بد أن تكون هناك مؤسسة في الحركة الإسلامية تتبنى هذا الأمر. فكما تخصص الحركة الإسلامية مؤسسات اقتصادية واجتماعية، وثقافية، لا بد أن توجد مؤسسة للصياغة القيادية تتبنى من يتلمس أصحاب الحركة فيهم التكوينة القيادية، ثم يعتنى بهم منذ نعومة أظافرهم. بتفريغ أناس لهم من جميع الاختصاصات، وترصد لهم ميزانية لا تقل عن باقي المؤسسات إن لم تكن أكثر لأهمية العنصر القيادي، على أنه يوضع في الاعتبار أن العناصر القيادية إذا تم نضجها لا توزع وتترك حتى تنتهي، بل أن يستلموا مكان القيادة التي تطلق عليها -إن صح التعبير- «القيادة المعدة» بضم الميم وكسر العين -للقيادة-، وذلك لا يعني أنه ينتهي دورها بتسليمها مكانها للعناصر الجديدة بل تبقى في الأماكن الاستشارية، أو في المكان الذي تستفيد منه الحركة من تجاربهم وقدمهم، وهذا لا ينقص من حقهم شيئًا بل يبقى الخير لهم بعمل هذا الجيل الذي كونوه «من سن سنة حسنة فله أجرها واجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا» ثم أن «الدال على الخير كفاعله». 

السبب الثاني: 

في زخم العمل والاحتكاكات اليومية، والفتن التي تنهال على الحركة الإسلامية نرى غياب الأصل في التفكير الإسلامي من أنه يجب إن يكون تفكيرهم شرعيًا و يضبط من أهل الذكر... والذي يجعلنا نذكر هذا الأمر الذي يعد من بديهيات العمل الإسلامي... أننا نسمع ممن نحبهم من أصحاب الحركة الإسلامية أن من مصلحة الحركة الإسلامية أن لا تقضي على جميع أوكار الأحزاب الكافرة التي يعشعشون ويفقس بيضهم فيها، وذلك بتعليل أن طاقة الحركة الإسلامية الإنتاجية الإدارية لا تعينها على احتواء المعاقل الكافرة وتحويلها إلى معاقل لبث الخير والدين، أو أن القضاء عليهم سيجعل السلطات تنفرد بهم في الساحة إلى غير ذلك من أنماط التفكير الذي غاب عنه الأصل في التعامل مع هؤلاء ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (الأنفال: ۳۹)، «من رأى منكم منكرا فليغيره ... »، ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ البقرة: ١٢٠). 

السبب الثالث: عدم متابعة العمل عند التكليف به... مع زيادة متطلبات العمل من قيادي الحركة الإسلامية، ومع القراءة لفن الإدارة في كتب الغرب، التي تبين أن من أسس الإدارة الناجحة عدم تمركز العمل في مكان واحد بل توزيع الصلاحيات على القطاعات المختلفة، والى هنا جيد، ولكن أن يقف الأمر بعد توزيع الصلاحيات بدون متابعة فهذا مخالف لمنهجية السلف رضوان الله عليهم في أن توزيع الصلاحيات لا يعفي القيادة من مسئولياتها، لذلك قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: «أرأيتم اذا استعملت عليكم خير من أعلم، ثم أمرته بالعدل اكنت قضيت ما علي؟ قالوا: نعم، قال لا، حتى أنظر في عمله أعمل بما أمرته، أما لا؟». وهذه القاعدة لو أنها اتبعت بالجدية الإسلامية لما رأيت كثيرًا من اللجان تولد. وتموت في المخاض!!

 السبب الرابع: عدم وضوح الأهداف وتحديدها، الوضوح والتحديد الذي يساعد على تحقيقها وعدم إهدار الجهد والوقت، فالمشاهد لحقيقة الحركة اليوم لا يعرف - أهي حركة تغييرية أم حركة إصلاحية، أم هي وزارة من وزارات الدولة فكل رأي وسياسة تنتهجها الحركة الإسلامية أو مقابلة تجريها تمثل خطا من الذي ذكرناه... وما من شك أن مثل ذلك يعيق كثيرًا في السير، وان كان يظن البعض أن في ذلك مرونة تساعد الحركة على السير والحياة. 

السبب الخامس: عدم معرفة حقيقة العهد المكي الذي تقول الحركات الإسلامية بأنها تعيشه في مسيرتها وخطواتها... فتارة تسمع بأن مرحلة الصبر والسكوت على إيذاء المجرمين تمشيًا مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم «كن عبد الله المقتول ولا تكن القاتل» «كن كابن آدم الثاني» بل قد تسمع أن من سمات هذه المرحلة أن تنبري للدفاع عن هذه الأنظمة القائمة، وتنافح عنها أكثر من منافحتها عن نفسها بعلة أنها أحسن الوجود، وتارة تسمع بأن الحركة الإسلامية قد تخطت العهد المكي بمجرد ما ظهرت أقلامها وكلماتها عبر المنبر والصحافة والكتاب.. إلى غير ذلك من الإفهام حول العهد المكي... وأنني لأقول إن مرحلة العهد المكي تمثل في حقيقتها مرحلتين، مرحلة في دار الأرقم بن أبي الأرقم وغار حراء وشعاب مكة المظلمة، ومرحلة مسيرة القافلة المؤمنة في الصدع بالحق وتميزها عن الباطل، ووضوح الرايتين راية التوحيد وراية الشرك والوثنية، وهذه المرحلة تستلزم الصبر والتربية الإيمانية العميقة، فتتطلب من أصحابها الإعداد الكامل في جميع الميادين ثم يبدؤون فيقولون كلمة الحق، ويصبرون عليها كما أراد الله سبحانه «وقل الحق من ربكم» الحق بوضوحه، ولو كان هذا سيقلل أو يحرمهم من الراتب أو الأسهم التأسيسية كما هو اليوم في السوق، أو كان سيسلب منهم الوجاهة التي قد تحصل لهم بأخلاقياتهم وسكوتهم عن بعض الحق، إنها كلمة الحق والصدع بها التي حولت النظر إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- من الصادق الأمين إلى الكذاب الأشر إلى الساحر المجنون، إنه العهد الذي نقل العبارة من «رضينا به حكمًا » في وضع الحجر الأسود إلى العبارة الساخرة «تبا لك ألهذا جمعتنا» وفي هذا الفهم هناك حقيقة يجب أن لا تخفى على أصحاب الحركة الإسلامية إن كانوا صادقين في تقييمهم وهي أن جموع الشباب ورجالات الدعوة-على الأقل في دائرة الدول الخليجية-ليسوا مهيئين في تربيتهم الحالية على العيش وفق مقتضيات العهد المكي الذي يمثل في حقيقته المفاصلة ومستلزماتها من الصبر والثبات والله المستعان. 

السبب السادس:

 يشتم من عبارات بعض الدعاة اعتمادهم على جهدهم البشري، وهذا الخدش في حس الدعاة الإيماني يأتي بعد كثرة الأنصار وتقدم الدعوة في مسيرتها، فالمراحل الأولى تمثل الضعف البشري الذي بطبيعته الالتجاء بالقوة التي يعبدها فعلى ذلك فهو أمر مشترك لدى الجميع، ولكن الأمر الذي يتميز به أهل الإيمان أنهم على صلة بالله تعالى في جميع حالاتهم وقوتهم وكثرة عددهم لانهم يعلمون أنهم ضعاف أذلاء بالنسبة الله تعالى وهذا لأن العبودية لله تعالى في حقيقتها الحب والذل الله تعالى وهذا الضعف البشري نرى القرآن قد عالج هذه القضية في البيان النظري ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ (الأنفال: 26) وبينها في المجال العملي الجهادي في غزوة حنين التي يصفها القرآن الكريم. 

﴿وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ﴾ (التوبة: ٢٥)، فالمنهج الصحيح أن يبقى الدعاة على صلة دائمة بالله تبارك وتعالى، فلا يركنون إلى تخطيطاتهم، وأعدادهم، وأرقامهم وإحصائياتهم ولا يظهرون ذلك في لحن القول والله يهدي إلى الصواب. هذه بعض الأسباب التي دارت في تفكيري خلال ساعات كتابة هذه العبارات أختمها ببعض التوصيات التي أرجو أن أكون فيها مخلصا الله تعالى وهي:

النصيحة الأولى: وهي من مجال توحيد الحركة الإسلامية ومن منهج تفكيرها واستنباطها، والنصيحة هي أن تتخذ الحركة لنفسها منهج السلف الصالح من الصحابة رضوان الله عليهم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، في منهجية الاستنباط الفقهي، وفهم آيات الصفات والأسماء، والأمور المتعلقة في توحيد الله، ولا أعني بذلك أن تكون الحركة داخلة في جماعة أنصار السنة، أو الجماعة السلفية أو جماعة أهل الحديث، فهناك فرق بين منهج أي جماعة في الحركة والعمل وفي مجال الدعوة، وبين منهجية استنباط وفهم النصوص، وهذا الأمر أنه لم تستطع كثير من الجماعات في الحركة الإسلامية أن تعيشه فنرى جماعة ممن يعملون في الحركة الإسلامية تختلف مع جماعة أهل الحديث فتبدأ الخوف من التعامل مع النصوص كما يتعامل معها أهل الحديث ناسية أن هذا المنهج ليس حكرًا على أحد بل هو دين الله كما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم، لذلك نرى الشيخ المربي حسن البنا رحمه الله يقول في ركائز دعوته-هي جماعة سلفية، وطريقة سنية-وقد كان في ذلك الوقت جماعة أنصار السنة المحمدية قائمة، فلم يفهم من كلامه أنه يريد أن يدخل جماعة الإخوان في جماعة أنصار السنة المحمدية بل كان يرمي رحمه الله إلى أشياء كثيرة منها أن يوحد المنهج في التلقي فينقطع بذلك سبيل بروز المدارس الفقهية والعقائدية في الحركة الإسلامية، ثم أن على الحركة الإسلامية أن لا تجعل العلماء في الجماعات المختلفة حكرًا على الجماعة التي يتواجدون فيها فالعلماء كالمطر يستفاد منهم في كل أرض تصلح للإنبات. 

النصيحة الثانية: -أن لا يتعجلوا النصر فالله سبحانه وتعالى قد طلب منهم الإسلام له والاستقامة على أمره وتبليغ دعوته، ولم يطلب منهم أن يتحقق النصر على أيديهم لذلك قال لنبيه -صلى الله عليه وسلم- ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ (يونس: ٤٦)، فلم يربط الله -سبحانه تعالى- تمكين الدعوة حتى بشخص الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وهذا المنهج خطه النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما أتاه الصحابة -رضوان الله عليهم- وهو متوسد تحت استار الكعبة، وطلبوا منه أن يدعو الله لهم بالنصر قال -صلى الله عليه وسلم- فيما قال: «والله ليتمن الله هذا الأمر حتى ليسير الرجل من صنعاء إلى اليمن لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه» فهو -صلى الله عليه وسلم- بشرهم بالنصر كحقيقة واقعة بحكم الله -سبحانه- ولكنه لم يربط أشخاصهم بها فالمطلوب من المسلم الاستقامة فلا يشغل نفسه بالكرامة، وفي هذا السياق لا بد أن نذكر بأن على المسلم أن لا يرهب كثرة الأعداء من الكفار فعندما قال أحد الجنود في وقت لقاء الأعداء: «ما أكثر الكفار وأقل المسلمين» قال القائد مركزًا قاعدة مهمة تلزم المتحرك في سبيل الله «بل ما أكثر المسلمين وأقل الأعداء» نعم ما أكثر المسلمين عندما يعتصمون بحبل الله جميعًا، عندما يركنون إلى الركن القوي عندما يستعينون بالله تبارك وتعالى، لذلك قال الإمام ابن القيم: «عليك بطريق الحق ولا تستوحش قلة السالكين وإياك وطريق الباطل ولا تغتر بكثرة الهالكين». 

هذا ما دار في خاطري فان كان صوابًا فمن الله وان كان خطا فمن نفسي واستغفر الله. 

الرابط المختصر :