العنوان الإسلام بين تدبير الخلق ووعد الحق (٤).. التشكيك بصلاحية الإسلام لهذا العصر
الكاتب الدكتور محمد رواس قلعجي
تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1986
مشاهدات 67
نشر في العدد 791
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 11-نوفمبر-1986
لقد قلت في مقالاتي السابقة إن قوى الدول الكبرى قد تكاتفت للقضاء على الإسلام ووضعت لذلك مخططًا يتألف من أربع نقاط هي:
الأولى: التصفية الجسدية لحاملي الفكر الإسلامي.
الثانية: تحطيم معنويات رجال الفكر الإسلامي.
الثالثة: التشكيك بصلاحية الإسلام لهذا العصر.
الرابعة: استبدال المبادئ الإسلامية بمبادئ غيرها.
وقد تمت الاستعانة لتنفيذ هذا المخطط بأناس يحملون أسماء إسلامية، ويدعون الإسلام، وقد شرحت في المقالات السابقة للنقطتين الأولى والثانية، وسأتابع شرحي لبقية نقاط هذا المخطط فيما يلي إن شاء الله آملًا أن يستيقظ النائم، ويشفي السقيم من الضمائر، والله المستعان على ذلك كله.
ثالثًا: التشكيك بصلاحية الإسلام لهذا العصر:
إن مسألة التشكيك بصلاحية الإسلام لهذا العصر كخطوة لا بد منها للقضاء على الإسلام تتطلب الوقوف عندها وقفة متأنية، والتفكير فيها تفكيرًا جادًا طويلًا، ومن استقرائنا لما وضعه واضعو هذا المخطط من الوسائل للوصول إلى التشكيك بصلاحية الإسلام هذا العصر ترى أن هذه الوسائل، وزّعت على عدة ميادين.
الميدان الأول: هو ميدان رجال الفكر الإسلامي: وهؤلاء يجب أن يولوا من العناية الشيء الكثير؛ لأن هؤلاء هم مصدر الفكر، ولذلك يجب أن تتخذ بحقهم الترتيبات التالية:
1- ما ذكره المخطط سابقًا من التصفية الجسدية، وتحطيم معنويات من بقي منهم.
2- ولما كانت التصفية الجسدية لا يمكن أن تستأصل جميع رجال الفكر الإسلامي، وتحطيم المعنويات لا يمكن أن يؤثر في جميع رجال الفكر؛ إذ منهم من يبقى كالجبال الراسيات لا تنال منه الأيام، ولذلك يجب الضغط على الباقي من رجال الفكر، وتُهيأ لهم مع هذا الضغط فرص عمل جيدة في الخارج حتى يتركوا البلاد ويخرجوا منها، وهذا ما نصح به تقرير التهامي في الفقرة 6 من أولًا حيث جاء فيها: «6 - ويُحرم بتاتًا قبول ذوي اللحى وذوي التاريخ الإسلامي سواء في المدارس أو الجامعات أو أقاربهم حتى الدرجة الثانية من الانخراط في السلك العسكري أو البوليس أو المراكز السياسية والإعلامية مع عزل الموجودين من هؤلاء في مثل هذه الوظائف أو نقلهم إلى أماكن أخرى في حالة ثبوت ولائهم».
وهو ما نصح به الدكتور ريتشارد ب ميتشل في الفقرة ج من ثانيًا، في كتابه إلى رئيس هيئة الخدمة السرية بالمخابرات المركزية الإسلامية حيث قال «ج - العمل على إيجاد فُرص عمل وعقود مُجزية في البلاد العربية والبترولية الأمر الذي يؤدي إلى بعدهم عن النشاط الإسلامي» وقد طبقت هذه التوصية بدقة في بعض البلدان الإسلامية حتى خلت البلاد أو كادت تخلو من رجال الفكر لأن الضغط على رجال الفكر فيها وصل إلى حد يصعب احتماله.
3- ومن رفض منهم ترك البلاد فإنه تتخذ في حقه التدابير التالية:
أ- يعمل على إزالة الثقة من رجال الدين عمومًا، فقد جاء في بروتوكولات حكماء صهيون ما يلي «منذ أن أسقطنا عن رجال الدين الهالة القدسية أصبحوا عرضة لاحتقار رجل الشارع الذي نسيطر عليه».
قد اتخذ عدة تدبيرات لإزالة الثقة من رجال الفكر الإسلامي.
الأول: تولية الجهال منابر المساجد وإبعاد العلماء عنها، حتى إذا ما صعد الخطيب الجاهل المنبر أفرغ جهالاته، وعرض أفكاره الضحلة، وزيّن بِدَعهُ للمصلين، وفي المصلين العلماء والأطباء والمحامون والمثقفون ثقافة عالية.. فآذانهم تستمع إليه، وقلوبهم تقول «ما أسخف رجال الدين وما أشد جهالتهم».. حتى لا يبقى لرجال الدين في نفوس الناس أي ثقة أو احترام.
ويمد هذا التدبير ويغذيه جعل المتفوقين من الطلاب -أصحاب المجاميع العالية- يتوجهون إلى الكليات العلمية، وقبول المتخلفين منهم إما لتخلفهم في مستوى الذكاء، أو لعدم جِدهم في الدراسة في الكليات الدينية، ليكون كثير من المتخرجين منها من المتخلفين.
والثاني: استعمال بعض العلماء من المسلمين للتشكيك في علم أو دين جهابذة الفكر الإسلامي وإعلام التوجيه فيه، ونتيجة لذلك إما أن تضعف الثقة برجال الفكر، أو يشتغلوا بالرد على بعضهم بعضًا وتحطيم بعضهم بعضًا.
ب- إبعادهم عن مراكز التوجيه: كالخطابة، والتدريس في المساجد، والتدريس في المدارس أو الجامعات، واشتراط موافقة الأجهزة الأمنية لقبول أي طالب في دور المعلمين، أو في دبلوم التأهيل للتدريس وقد جاء ذلك عملًا بتوصية التهامي رقم 10 من أولًا حيث جاء فيها ما يلي:
«10 - عدم قبول ذوي الميول الحركية الدينية أو ذوي الأفكار الرجعية بوظائف التدريس - الجامعات أو المدارس أو الإعلام».
ج- قصر أبحاثهم على مسائل العقيدة والعبادة: إن قصر أبحاث رجال الدين ودروسهم وخطبهم على مسائل جانبية كالحديث عن العرش والكرسي، وأحاديث الرقاق المزهدة بالدنيا، ونحو وضع اليدين في حالة القيام في الصلاة، يعني: سلخ الحياة من الإسلام، وقلبه إلى طقوس جامدة لا مطمح فيها لطامح، فقد جاء في البروتوكول السابع عشر من بروتوكولات حكماء صهيون «سنقصر رجال الدين وتعاليمهم على جانب صغير جدًّا من الحياة، وبذلك سيكون تأثيرهم وبيلًا سيئًا على الناس، حتى أن تعاليمهم سيكون لها أثر مناقض للأثر الذي جرت العادة بأن يكون لها».
الميدان الثاني: ميدان مراكز الإشعاع لتخريج رجال الفكر البدائل التي تحل محل رجال الفكر الإسلامي، لتطرح الفكر المُراد طرحه للمساعدة على انحسار الإسلام والقضاء عليه، ثم لطرح الفكر الذي سيحل محل الإسلام حين يتم القضاء عليه.
وتتمثل مراكز الإشعاع هذه بالجامعات التبشيرية والمدارس التبشيرية المنتشرة في طول البلاد الإسلامية وعرضها، ونخص منها بالذكر الجامعتين الأمريكية واليسوعية في بيروت والأمريكية في مصر فقد خرّجت هذه الجامعات رجالًا قادوا حملة محاربة الإسلام على أوسع نطاق.
ويضاف إلى المعاهد والمدارس والجامعات التبشيرية المنتشرة في البلاد الإسلامية وما تخرجهم من مفكرين، بعض الطلاب الذين تلقوا تحصيلهم العلمي في الغرب، وعادوا وهم يعتزون بهذا الفكر ويدافعون عنه، ويحاربون الفكر الإسلامي الذي أشربوا في قلوبهم عداوته على أيدي أساتذة ملأ الحقد قلوبهم على الإسلام، أو ملأ الجهل بالإسلام عقولهم، فهم لم يعرفوا عنه إلا ما قرأوه في كُتب الحاقدين من المستشرقين.
ولعل من أهم مراكز تصدير الفكر الهدام للإسلام هي مراكز الاستشراق، التي بدأت عملها في بدايات القرن الحادي عشر الميلادي نتيجة الصراع الحضاري الذي دار بين العالمين الإسلامي والنصراني في الأندلس وصقلية، ولعل ما هو جدير بالذكر هنا أن قرار إنشاء كرسي اللغة العربية في جامعة كمبرج عام 1936 قد نَص صراحة على خدمة هدفين، أحدهما تجاري والآخر تنصيري، فقد جاء في خطاب التأسيس الذي ألقاه أحد المسؤولين في الجامعة يوم 9 مايو 1936 ما يلي:
«ونحن ندرك أننا لا نهدف من هذا العمل إلى الاقتراب من الأدب الجيد، بتعريض جانب كبير من المعرفة للنور بدلًا من احتباسه في نطاق هذه اللغة العربية التي نسعى لتعلمها، ولكنننا نهدف أيضًا إلى تقديم خدمة نافعة إلى الملك والدولة،.. وإلى تمجيد الله بتوسيع حدود الكنيسة والدعوة إلى الديانة النصرانية بين هؤلاء الذين يعيشون الآن في الظلمات» -يريد المسلمين- ولو ذهبنا نحصي الشكوك التي ألقاها المستشرقون في الساحة الفكرية ويريدون بها اقتناص المسلمين وتوهين إيمانهم بإسلامهم مما كتبه جب، وبروكلمان، ومارجليوت وغيرهم لوجدناها أكثر من أن تُحصى،.. بل لقد تكونت عندهم قناعة كاملة أن ما ألقوه من شكوك في الإسلام وما أثاروه من جدل حوله هو قاض عليه لا محاله، وهو ما عبر عنه أحدهم بقوله «إن على الإسلام إما أن يعتمد تغييرًا جذريًّا فيه، أو أن يتخلى عن مسايرة الحياة».
● أهم مراكز تصدير الفكر الهدام للإسلام هي مراكز الاستشراق
الميدان الثالث: ميدان الأفكار المشككة المطروحة: إن هذه الأفكار الهدامة المشككة بالإسلام لم ينج منها باب من أبواب الإسلام، فهي قد شملت العقيدة، والعبادة ونظم التعامل.
- فقالوا في الإيمان بالقضاء والقدر: إنه يدعو إلى الخمول والتراخي والكسل، ويوقف حركة التطور نحو الأفضل.
- وقالوا في الصلاة: خسارة اقتصادية فادحة، أن يتوقف الإنتاج في اليوم عدة مرات من أجل الصلاة.
- وقالوا في الصيام خسارة اقتصادية فادحة، فهو يقصر بالعامل عن عمله.
- وقالوا في الزكاة: هدر للكرامة، وإعانة على تسلط الغني على الفقير.
- وقالوا في الحج: وثنية كوثنية الجاهلية.
- وقالوا في تعدد الزوجات: إثارة للضغائن، وتفريق بين الأخوة.
- وقالوا في الطلاق: هدم للأسرة، وتشريد للأطفال.
- وقالوا.. وقالوا.. وقالوا..
ولقد كان أكبر هجوم قد شُن، ذلك الهجوم الذي تكاتفت عليه جميع القوى إنه الهجوم على السُنة النبوية، المصدر الثاني للتشريع، وهذا ما أوصى به الدكتور ريتشارد ب. متشيل حيث قال في الفقرة ج من ثالثًا «ج - تشجيع الهجوم على السُنة المحمدية والتتشكيك فيها وفي المصادر الإسلامية الأخرى»
ولعله تنفيذًا لهذا المخطط أخذت تتعالى صيحات في جوانب الوطن الإسلامي، فصيحة تطالب بترك العمل بالسُنة والاكتفاء بالقرآن الكريم، وأخرى تطالب بإعادة النظر في السُنة، ونحن نرى في هذا المطلب الأخير: فتح الباب ليقول من شاء ما شاء باسم العِلم والاجتهاد، وفي هذا من الفساد ما فيه.
إن هذه الأفكار الهدامة للإسلام تلقى على ألسنة المستشرقين أو على ألسنة كُتاب يحملون أسماء إسلامية بل وأحيانًا تعقد لها المؤتمرات الدولية لتكون أشد وقعًا على المسلمين، وأكثر استحواذًا على نفوسهم، ونكتفي هنا في هذه العُجالة بذِكر مؤتمرين ناقشا فكرتين.
أما المؤتمر الأول فهو مؤثر الثقافة الإسلامية الذي عُقد في باريس، ومولته الولايات المتحدة الأمريكية، لقد قال رئيس المؤتمر في افتتاحيته:
«إننا نقر بأن الفقه الإسلامي هو أرقى ما وصل إليه الفكر الإنساني في التشريع، وأن فيه من مقومات الخلود والبقاء والصلاحية لمسايرة تقدم الحضارة ما فيه، ولكننا نواجه اليوم مشكلة من أعوص المشاكل هي: أن هذا الفقه العظيم يُحرم الربا، والربا نظام ثبتت صلاحيته للقيام بحاجيات الاقتصاد المعاصر فهل يعطينا السادة الفقهاء حلًا سليمًا لهذه المشكلة».
كانت هذه هي الشبكة التي ألقاها ليصطاد بها بعض رجال الفقه الذين تم اختيارهم بكل دقة لهذا المؤتمر، والذين عُرف عنهم التساهل وتمييع القضايا.
- لقد أجاب البعض أن الإسلام حرم ربا الاستهلاك ولم يحرم ربا الاستثمار.
- وقال آخر: لا ربا بين الدولة والشعب، وطالما أن البنوك تابعة للدولة فلا حُرمة في تقاضيها الربا.
- وقال آخر: إن الذي حرمه الإسلام هو الربا الفاحش -أضعافا مضاعفة- أما إذا كان الربا بنِسب معقولة فلا شيء فيه، لأنه في مقابلة المصروفات.
- وقال آخر.. وقال آخر..
وهكذا وقعوا في الشبكة التي ألقيت لهم، وساروا إلى حتوفهم بأقدامهم، مما جعل بعض الحاضرين من أتقياء العلماء -وهو الشيخ محمد عبدالله دراز -رحمه الله تعالى- ينبري من بين الجميع ليقول: «أيها الناس نحن لسنا بحاجة إلى علماء، ولكنا بحاجة إلى أتقياء، إن مشكلة الربا ما هي إلا زوبعة صُنعت في فنجان..»
المهم: تفرق المجتمعون ومن ورائهم جماهير من المسلمين وهم يجزون شكوكهم.
والمؤتمر الثاني هو المُلتقى الإسلامي المسيحي الأول الذي عُقد في جنيف سنة 1969 والذي مولته أمريكا بالتعاون مع الفاتيكان، والذي نوقشت فيه مسألة الرِدة، وكان المؤتمر يريد أن يخرج بقرار إباحة الرِدة، وأن يختار الإنسان مع الأديان ما يشاء ومتى يشاء، ليسهل على المسلمين ترك دينهم إلى النصرانية، ثم افترق المؤتمرون على أن مسألة الرِدة شائكة وكريهة.
مما تقدم تبيّن لنا أن تشكيك المسلمين في دينهم قد جُندت له كل القوى توطئة لنقل المسلم من الإسلام إلى النصرانية، وهو ما سنتحدث عنه في المقال القادم إن شاء الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل