; الحس الإسلامي المفقود.. هل يعود؟ | مجلة المجتمع

العنوان الحس الإسلامي المفقود.. هل يعود؟

الكاتب عبدالوارث سعيد

تاريخ النشر الثلاثاء 03-مارس-1981

مشاهدات 59

نشر في العدد 518

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 03-مارس-1981

  • المطلوب أن يظهر أثر الإسلام على المسلمين في شتى مجالات الحياة الخاصة والعامة.. لنطمئن إلى عودة الحس الإسلامي المفقود.

يمتاز «الدين» عن كافة القوانين والفلسفات الوضعية بميزة فريدة.. تلك هي تغلغله في النفس واختلاطه بالحس الداخلي والمشاعر الإنسانية،بحيث يصبح جزءًا حيًّا من كيان الإنسان لا يفارقه في أي موقف، فتجد كل تصرفاته وأفكاره مصبوغة بصبغة «دينه» ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ(البقرة: ١٣٨).

و«الإسلام» هو «الدين الحق» والخلاصة الأمينة الوافية لكل الرسالات السماوية السابقة.. جمع كل خير وبر، وجاء في أسسه وتفاصيله وعباراته ومعاملاته ملائمًا كل الملاءمة للنفس البشرية، بكل خصائصها ودقائقها.. متضمنًا كل ما يصلحها ويوجهها إلى الخير ويحميها من الانحراف والضياع.. ولا بد- والحال هذه- أن يكون تغلغل الإسلام بنفس «المسلم» وامتزاجه بمشاعره وأحاسيسه أشمل وأعمق وأقوى من أي دين آخر.. ولم يكن غريبًا- من ثم- أن يتوقع الإسلام منك أيها «المسلم» أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، أن تكون كل لحظة وكل خطوة.. وكل حركة وكل سكنة مربوطة بربك.. موزونة بميزانه.. ممحضة له سبحانه.. تبتغي بها وجهه ورضوانه، وقد وضع لك ربك- رحمة منه وفضلًا- برامج ودورات تربوية عالية تملأ عليك حياتك وتتناول كل طاقاتك وكفاءاتك.. حتى تظل على «الطريق».. وتندرج في سلم النمو والسمو! ذلك المنهج العجيب- على بساطته وقلة كلفته- خرّج أجيالًا من البشر أشبه بالملائكة يمشون على الأرض، فصلحت بهم الدنيا واستنارت.

وإن المتوقع من كل «مسلم» اليوم- لا أعني «المتمسلمين» ممن مردوا على النفاق- أن يكون لديه شيء من هذا الإحساس الإسلامي الأصيل، يظهر له أثر هنا وهناك.. في حياته الخاصة والعامة.. في ملبسه ومطعمه.. في بيعه وشرائه.. في موقفه من الأحداث والأشخاص والمواقف والمشاكل.

وإذا كان ذلك مرجوًّا ومأمولًا من المسلم الفرد؛ لأنه- وإن كان فردًاواحدًا- ممثل للإسلام كله، فمن المتوقع من الهيئات والمؤسسات القائمة في بلاد المسلمين- والتي يحتل موقع التوجيه فيها مسلمون- أن تكون أكثر حرصًا على هذه الأمور وأوفر نصيبًا من الصبغة الإسلامية في كل شئونها. إنها ليست فردًا محدود التأثير في صلاحه أو فساده، وإنما هي «كيان جماعي» أثقل وزنًا وأبعد مدى في التأثير.. يهتدي به كثيرون إن صلح ويضل به كثيرون إن ضل وفسد.

وعلى قدر مجال النفوذ والتأثير لكل هيئة ومؤسسة تكون دائرة المسئولية الملقاة على عاتقها نحو رعاية دور الإسلام وهديه في كل تصرفاتها وأنشطتها.. وإبراز ذلك بوضوح وجدية يتناسبان مع خطورة الأمر وعظمته.

فهل نحن كذلك أفرادًا ومؤسسات؟!

إن الواقع الذي نعيش فيه يبدو في مجمله محرومًا من ذلك «الإحساس».. يبدو متبلدًا صدئًا يعايش- غير عابئ- أوضاعًا شديدة التصادم مع «الصبغة» الإسلامية و«الحس» الإسلامي.. بل يعرف أفراده ومؤسساته ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيْلٌ مَّا هُمْ (ص: 24) من التصرفات والمواقف ما يعتبر تعديًا على حدود الله، وتحديًا لأوامره حتى دون ضرورة ملجئة أو مبرر مستساغ!! ولنتناول في هذه الكلمة ما يخص الأفراد المسلمين مرجئين الهيئات والمؤسسات إلى كلمة أخرى.

إن كثيرين يخططون لحياتهم وحياة ذريتهم غير واضعين في الحسبان حدود الله وتوجيهاته، معتمدين في تخطيطهم على قيم ومعايير وأهداف يرفضها الإسلام: كم من الشباب من يخطط للزواج فيلتزم بتوجيه الإسلام وهديه في اختيار الزوجة وتأثيث البيت؟! وكم من الآباء من يقبل أو يرفض خاطب ابنته أو أخته طبقًا لمقاييس الإسلام في هذا المجال؟!

كم من أرباب الأسر من ينتهج في التعامل مع زوجه وولده وذوي رحمه منهج الإسلام؟! كم من أصحاب الأعمال من يختار مجال نشاطاته ويلتزم في ممارستها انطلاقًا من شرع الله؟!

كم من أب يخطط لابنه أو ابنته المستقبل التعليمي على أساس هدي الإسلام في العلم وفي وظيفة الرجل والمرأة في الحياة؟!

كم من فرد أو أسرة من المسلمين تكون معايير الإسلام هي الدستورلديهم في اختيار الأصدقاء وإقامة- أو قطع- العلاقات مع الآخرين؟!

كم من المسلمين يستشعر روح الإسلام وهديه السامي في أمور المأكل والملبس والمسكن، فيلتزم حد الاعتدال و يراعي الأولويات نائيًا عن الإسراف والترف بل السفه والعته؟!

كم من المسلمين يهتم بصحة عقله وروحه وتقويتهما ونمائهما قدر ما يهتم بصحة جسمه وقوته ونمائه؟!

كم من المسلمين يراجع مع نفسه وربه حركة رصيده وإنفاقه من مقومات الحياة الأساسية: الوقت والصحة والمال والعلم كما يراجع- وبحرص- حركة رصيده المادي في البنك؟! وكم منهم من يفزع لاحتمال إفلاسه عند مراجعة حسابه يوم القيامة حين يجد رصيده هناك صفرًا أو مثقلًا بالديون كما يفزع حين يكتشف أن رصيده في البنك هنا يكاد أن ينفد وكان يظنه عامرًا؟!

إن الإنسان ليستطيع أن يسود مئات الصفحات على هذا النحو يراجع فيها مع نفسه ومع كل مسلم آلاف الجزئيات والمواقف الحياتية، ليتبين سلوكه إزاءهًا ونصيبه من «الحس» الإسلامي الصحيح في التعامل معها.. لقد ضعف «الحس» الإسلامي في النفوس، وتبلد الشعور بمعايير الإسلام وقيمه، وامتد ذلك إلى كل جوانب النفس والحياة، حتى غدا أمرًا طبيعيًّا عند الكثيرين أن ينشطوا لما يجب أن يتثاقلوا عنه أو يجتنبوه، وأن يثَّاقلوا أو يعرضوا عما كان يجب عليهم أن ينهضوا له ويشمروا.. ويكفي أن نشير- في هذا المقام- إلى «الجهاد» في سبيل الله بالنفس والمال والوقت في مقابل «إتلاف» و«إهدار» النفس والمال والوقت في سبيل عرض زائل أو متعة موهومة.

أليست القاعدة الآن أن نتثاقل- ولو بدرجات- عن الأول وننشط إلى الثاني؟!

وكم منا من ينشطون إلى مواجهة الظلم والظالمين ويسعدون بما يصيبهم في جنب الله كما ينشطون في مواقف الملق و«الجهاد البارد» ويسعدون بما ينالهم من ذلك من غنائم و«خلع» و«أعطیات»؟

لقد حرص القرآن- مصدر التربية الأول للمسلمين- على تربية هذا الشعور الإسلامي فينا، فلم يترك فرصة ولا موقفًا إلا واتخذ منه درسًا وعبرة تفيد في غرس هذا «الحس» وفي تنميته:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (آل عمران: ١٦٩، ١٧٠).

﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (آل عمران: ١٨٠).

﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(آل عمران: ١٨٨).

وفي استخدام الفعل «يحسب» في مثلهذه المواقف إشارة واضحة إلى فساد «الحس» وانقلاب الموازين عند الناس، وتحذير للمؤمنين من أن يكون منهجهم في «الحساب» و«الحسبان» منهج أولئك المنحرفين.

كذلك كان المُربي الأول لهذه الأمة- محمد صلى الله عليه وسلم- حريصًا على بث هذا الشعور و«الحس» الأصيل والتأكيد على «الموازين» الصحيحة، وكان ينتهز كل موقف ليقود أصحابه منه- وكل مسلم بعدهم- نحو هذه الغاية.

- «ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت».[1] 

«ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس».[2]

- «تقول عائشة- رضى الله عنها- عن شاة كانت مذبوحة ليأكلوا منها: «ذهبت كلها إلا ذراع» فيصحح لها المصطفى ميزان التقدير فيقول: «بقيتكلها إلا ذراع».

بل إنه صلى الله عليه وسلم كان في بعض الأحيان يبادر بخلق المواقف التي يوصل من خلالها توجيهاته في هذا المجال:

- يسأل أصحابه يومًا: «أتدرون من المفلس؟» فيقولون: المفلس من لا درهم له ولا متاع» فيقول مصححًا وموجهًا: «المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار».[3]

- ويسأل أصحابه يومًا: «أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟» قالوا: ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، فقال مصححًا وموجهًا: «فإن ماله ما قدمومال وارثه ما أخر».[4] 

- ويسألهم يومًا: «ما تعدون الرقوب فيكم؟ قالوا: الذي لا يولد له،فقال: «ليس ذاك بالرقوب، ولكنه الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئًا»، «قال: فما تعدون الصرعة فيكم؟ قالوا: الذي لا يصرعه الرجال، قال: «ليس بذلك، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب».[5] 

على هذا النهج الطيب من تربية الحس الإسلامي السليم ربى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أصحابه، وكان المثل الأعلى والقدوة الطيبة للمسلمين، بل إنه المثل الإنساني الكامل قولًا وعملًا للإنسانية كلها.. وما أجلّ قول الحق تبارك وتعالى في تقرير ذلك: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: ٢١). وما أروع ما وُصف به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ (القلم: ٤). 

وبعد.. فهل يعود للمسلم «حسه» الإسلامي الصادق «وميزانه» الروحي الدقيق ليسير بنور حسه في طريق الهدي والرشاد لخيره وخير الإنسانية في الدنيا والآخرة؟ نرجو ذلك.

الهوامش

[1]  رواه مسلم.

[2]  رواه مسلم.

[3]  مختصر صحيح مسلم/ ١٨٣٦.

[4]   رواه البخاري.

[5]   رواه مسلم.

الرابط المختصر :