العنوان مع الدعَاة الصّابرين
الكاتب د. إسماعيل الشطي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-سبتمبر-1974
مشاهدات 78
نشر في العدد 219
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 24-سبتمبر-1974
حَقيقة الموت.... والتأهب للرّحيل
تجديد الذكرى.. في دَوامة الحيَاة.
مع الدعاة الصابرين.. ومن بين انطلاقاتهم.. ومع فورتهم وثورتهم.. وحماسهم وتدفقهم.. ومن تحت معاول الهدامين.. وجعجعة المخربين.. يرصون الصفوف درعًا واقيًا.. فداء الحق.. وفي سبيل اللـه.. يتلقون الضربات في نحورهم وصدورهم.. كيلا يخدش الحق بشيء..
ومع الدعاة الصامدين.. بين المصابرة والمثـابرة.. والتجلد والثبات.. يثبتون الصفوف كلمـا اختلت.. ويلملمون الجمــوع إذا تلوت.. صارخين في وجه الكفر.. ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: 250).
ومع هؤلاء.. بالتحدي والصمود.. والرفض والإباء.. يقاومــون الحروب النفسية.. ويتعلقــــــون بأهداب الحق.. بلا تنازل.. تطيش عقول الطغاة لصمودهم وتحديهم.
مع هؤلاء.. ومع الـــذين أدوا دورهم ولم يكملوه.. ومع الذين يبدأون الطريق ويتحفزون للانطلاق.. مع جميع الأحبة.. في هـــذا الخضم العارم..
بهدوء وسكينة.. ومن السماء الطيبة.. يحل علينا موسم الحصاد.. وجني الثمرات.. رمضــــان المبارك.. ونتلفت حولنا.. إذ نحن على عتبة الشهـــــر.. ببركته.. وطيبـــاته..
في هذا الموسم.. «إذا دخـــل رمضان.. فتحت أبواب الجنة.. وأغلقت أبواب جهنم..
وشاء الله أن يكون الموت سراً مجهولًا.. لا يعرف الإنسان ما وراءه؟؟ بل لا يعرف متى يحل عليه؟ ولا في أي أرض يحل عليه؟.. كي يبادر الإنسان بالخير منذ الدقيقة الأولى.
* ذكر الموت:-
قال رسول الله «ص»: «أكثروا ذكر هازم اللذات.. فإنه ما ذكره أحد في ضيق إلا وسعه.. ولا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه »۳» فذكر الموت يزهدك الدنيا.. ويعلمـــك القناعة والرضى.. فالأجل قريب.. والموت قادم.. قد يكون الآن اللحظة.. وقد يكون غدًا.. أو بعد سنين.. «عن بريده- رضي الله عنه- قال: قال رسول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم: هل تدرون ما مثل هذه وهذه؟ ورمي بحصاتين.. قالوا: اللـه ورسوله أعلم! قال: هذا الأمل وذاك الأجل» «٤»
ويروي ابن عمر- رضي اللـه عنه- قائلًا: مر بي النبي- صلى اللـه عليه وسلم- وأنا أطين حائطًا لي أنا وأمي.. فقال: ما هذا يا عبد اللـه.. .. فقلت: يا رسول اللـه.. وهـي «أي تساقط» ونحن نصلحـــه.. فقال: الأمر أسرع من ذلك» «٥»
* الكيس من ذكر الموت:
ذلك لأن ذكر أهوال الموت دافع لعمل الخيرات.. والاستعداد لما بعده..
«عن ابن عمر- رضي اللـه عنه- قال: أتيت النبي- صلى اللـه عليه وسلـم- عاشر عشرة.. فقام رجل من الأنصار.. فقال: يا نبي اللـه.. من أکیس الناس وأحرم الناس؟ قال: أكثرهم ذكرًا للموت.. وأكثرهم استعدادًا للموت.. أولئك الأكياس ذهبـــوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة» «٦»
وجاء أبو ذر يومـــًا يسأل النبي- صلى اللـه عليه وسلم- قال: يا رسول اللـه فما كانت صحف موسى عليــــه السلام؟ قال: كانت عبرًا كلها:- عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح.. عجبت لمن أيقن بالنار ثم هـــو يضحك.. عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب.. عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمئن إليها.. وعجبت لمن أيقن بالحساب غدًا ثم لا يعمل» «۷»
الرجل فينا بلغ من العمر سنوات عدة.. وانتهى الأمر به إلى حافة الحياة.. الأجل يدنو.. وهو غافل.. يجمع المال لأهله.. ويصلــــح شأن بنیه.. وغداً هو ذاهب حيـــث لا ينفعه أهله ولا بنوه.. شغله هذا كله عن استعداده للموت.. فلــــم يوازن.. ولم يوزع الجهد بالتساوي.. لقد نسي الموت وأهـــواله.. وهو قريب منه.. والعمر بجملته لا يتجاوز المئة عام.. أما الموت؛ ما بعده فهو الزمان بسرمديته.. فمن يبيع المئة عام بالسرمدية.. ومن يبيع السرمدية بالمئة عام.. بین رابح وخاسر.. «عن عائشـــة قالت: قال رسول اللـه- صلى اللـه عليه وسلم- على المنبر والناس حوله: يا أيها الناس استحيوا من الله حق الحياء.. فقال رجل: يا رســــول اللـه.. إنا لنستحي من الله- تعالى.. فقال: من كان مستحييًا فلا يبيتن ليلة إلا وأجله بين عينيه.. وليحفظ البطن وما وعى.. والرأس وما حوى.. وليذكر الموت والبلى.. وليترك زينة الدنيا» «۸»
والشاب فينا.. اليافع المتطلع للحياة بالأماني.. والأمل ينساب في آفاقه.. يظل يكدح ويعمل لدنياه.. ويرى نفسه في آخر الأمر على حافة الحياة.. تنتهي.. وينتهي معها إلى أجل مجهول غير معلوم.. لقد نسي الموت.. ولم يعمل لــه حساب..
عندما اشترى أسامة بن زيد وليدة بمائة دينار لمدة شهر «قال أبـــو سعيد -رضي اللـه عنه-» سمعــــت رسول اللـه- صلى اللـه عليه وسلـم- يقول: ألا تعجبون من أســــــــامة المشتري إلى شهر.. ان أسامـــة لطويل الأمل.. والذي نفسي بيده.. ما طرفت عيناي إلا ظننت أن شفري لا يلتقيان حتى يقبض الله روحي.. ولا رفعت قدحًا إلى في «أي فمي» فظننت أني واضعه حتى أقبض.. ولا لقمت لقمة إلا ظننت لا أسيغها حتى أغص بها من الموت.
والذي نفسي بيده إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين» «۹»
هكذا.. ترقب في كل لحظة.. وفي كل طرفة عين.. ومع هــذا الترقب.. تنمو التقـــوى وتزداد الخشية من اللـه..
* الموت خير واعظ:
جاء رسول اللـه- صلى اللـه عليه وسلم- إلى ابن عمر.. فأخذ ببعض جسده.. وقال له «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل.. وعد نفسك في أصحاب القبور.. وقال لي: یا ابن عمر.. إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء.. وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح.. وخذ من صحتك قبل سقمك.. ومــن حياتك قبل موتك.. فإنك لا تدري يا عبد اللـه ما اسمك غدًا؟» «۱۰»
وعندما طلب معاذ الوصية مـــن رسول اللـه- صلى اللـه عليه وسلـم- قال له:- «اعبد الله كأنك تراه.. وأعدد نفسك من الموتى.. واذكر الله عند كل حجر.. وعند كـــل شجر.. وإذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة.. السر بالسر.. والعلانية بالعلانية» «۱۱» «وجاء رجل إلى النبي- صلى اللـه عليه وسلم- فقال: يا رسول الله أوصني قال: عليك بالإياس مما في أيدي الناس وإياك والطمع.. فإنه الفقر الحاضر.. وصل صلاتك وأنت مــــودع.. وإياك وما يعتذر منه» «۱۲»
* الاستعداد المتأهب:-
«عن البراء- رضي اللـه عنه- قال: كنا مع رسول اللـه- صلى اللـه عليه وسلم- في جنازة.. فجلس على شفير القبر يبكي حتى بل الثرى.. ثم قال: يا إخواني.. لمثل هذا فأعدوا» «۱۳»
كيف الرحيل بلا زاد إلى وطن
من لم يكن زاده التقوى فليس له
ما ينفع المرء فيه غير تقواه
يوم القيامة عذر عند مولاه
«1» رواه البخاري
«2» رواه السنة
«3» رواه ابن ماجه والترمذي وحسنه والطبراني بإسناد حسن وابن حبان في صحيحه.
«4» رواه الترمذي وقال حسن غريب
«5» رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح وابن حبان في صحيحه.
«6» رواه ابن أبي الدنيا والطبراني بإسناد حسن وابن ماجه مختصرًا بإسناد جيد
«7» رواه ابن حبان في صحيحه وغيره.
«8» رواه الطبراني.
«9» رواه البيهقي والأصبهاني وابن أبي الدنيا.
«10» رواه البخاري والبيهقي والترمذي واللفظ له.
«11» رواه الطبراني بإسناد جيد وفيه انقطاع بين أبي سلمة ومعاذ.
«12» رواه البيهقي والحاكم وقال صحيح الاسناد
«13» رواه ابن ماجه بإسناد حسن؛ هـــذا ما قاله المنذري في الترغيب والترهيب.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل