; الاقتصاد الإسلامي هو المستهدف | مجلة المجتمع

العنوان الاقتصاد الإسلامي هو المستهدف

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 10-يناير-1989

مشاهدات 62

نشر في العدد 899

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 10-يناير-1989

•الإسلام مستهدف في الحملة الظالمة على شركات توظيف الأموال.

•المغرضون يحاولون أن يستغلوا قضية شركات توظيف الأموال ليجهضوا نبتة الاقتصاد الإسلامي.

•حوار في قضية شركات توظيف الأموال في مصر

•الأستاذ يوسف كمال محمد أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة أم القرى سابقًا.

•أصحاب شركات التوظيف على ثغرة من ثغور الإسلام يجب أن يحموها.

•قانون توظيف الأموال في مصر، حمل بين طياته مكسبًا إسلاميًا هائلًا ينبغي استثماره.

ما زال الحديث حول شركات توظيف الأموال، هو الحدث الساخن في مصر إعلاميًا واجتماعيًا، وما زالت الآراء تتصارع حول الصواب والخطأ والحق والباطل، وما يجوز وما لا يجوز في هذه الشركات.. والذين يتحدثون من الكتاب والصحفيين حول هذه الشركات، فريق منهم لا يرى إلا الجانب السلبي ويسعى لتضخيمه، بل يحاول عن طريق ذلك، أن ينال من العاملين في الحقل الإسلامي كله.. وفريق آخر، وهم قليل، يحاول أن يحضر السبب في القوى الخارجية، من الأمريكان وغيرهم، التي سعت لضرب هذه الشركات.. وكلا الفريقين يضر بمستقبل الاقتصاد الإسلامي، إما بالاتهام الظالم، وإما بتحميل الإسلام، ما هو منه بريء.

وفي هذا المناخ المضطرب التقيت بواحد من خبراء الاقتصاد الإسلامي، لإلقاء الضوء حول هذا الموضوع، هو الأستاذ يوسف كمال محمد -٥٦ عامًا- أستاذ الاقتصاد والإسلامي بجامعة أم القرى سابقًا، والذي يعكف حاليًا على تأليف موسوعة اقتصاديات الزكاة، وله من المؤلفات: فقه الاقتصاد الإسلامي- الزكاة وترشيد التأمين المعاصر- الإسلام والمذاهب الاقتصادية المعاصرة- أصول الاقتصاد الإسلامي.. وغيرها... والأستاذ يوسف كمال لم يعمل مع أي من شركات التوظيف، ولذلك فالحوار معه لا تنقصه الصراحة... وبدأ الحوار:

قلت له: قضية شركات توظيف الأموال، أصبحت الآن حديث الجميع، والمغرضون يحاولون أن يحملوها للإسلام، بهدف إجهاض نبتة الاقتصاد الإسلامي التي أخذت تنمو، سواء في المؤسسات الاقتصادية أو مراكز الأبحاث العلمية.. أرجو من سيادتكم ابتداء أن تحدثنا عن أهمية البعد الإسلامي في استثمار الأموال على مستوى المجتمع، وأثر ذلك على ظهور شركات توظيف الأموال؟

فقال: الحقيقة أن جذور الإسلام تضرب بعمق في عواطف الجماهير المسلمة، وهي تتحرق بشوق إلى الخروج من الحرام، لتنعم الحلال الوارفة.. فالمسلمون يسمعون القرآن ينذر من يأكل الربا.. ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (البقرة: 279) ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ (البقرة: 276) فتقشعر جلودهم من هول النتيجة، حين ترفع البركة، ويحل العذاب بألوانه في الدنيا ثم في الآخرة.

لقد فشلت كل محاولات تضليل المسلمين، سواء من أعدائهم حين أقبلوا بالبنوك الربوية زاعمين أن التقدم لا يتم إلا عن طريقها، أو من غيرهم.. وصحيح أن الفن المصرفي تقدم في ميدان النقود والتبادل، ولكن ما صلة ذلك بالربا؟! كما فشلت محاولات تضليل المسلمين التي بثها عملاء لا يخافون الله، حينها حاولوا بكل وسيلة أن يزيفوا الواقع ليصوروا الفائدة على أنها ليست ربا.

وهنا حاول البعض مخلصًا أن يخرج المسلمين من معاناتهم... فسهر الليالي يبحث ويبذل الجهد في دأب، ليقيم مؤسسات تقوم على المشاركة بديلًا عن الربا... وركب آخرون الموجة، فاستخدموا الإسلام لحسابهم، فالإسلام عندهم بخير ما استطاعوا أن يربحوا من ورائه، لا يرعون للناس إلًّا ولا ذمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

السعي من أجل الحلال:

ولكننا نحب أن نسجل هنا ظاهرة مهمة، وهي أن الإقبال على الاستثمار بالأسلوب الإسلامي الصحيح، ليس كما يدعي البعض جريًا وراء الربح الكبير، لأن بعض هذه المؤسسات تحقق خسائر، وبعضها لا يكاد يغطي ربحه فريضة الزكاة.. ورغم ذلك أودع فيها مئات الألوف من المسلمين أموالهم... فما الحكم على الناس مع هذه العاطفة المشوبة نحو الإسلام؟ ... وما هو موقف العاملين في هذه الثغرة لخدمة الدعوة؟ ... إني أعرف أحد الأصدقاء العاملين في حفل الاقتصاد الإسلامي، كان يتهجر الليل الطويل، يتململ تململ السليم، داعيًا الله في سجوده ألا يؤتى الإسلام من قبله.. نعم... فهي أمانة، ﴿فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ (الأحزاب: 72).

إن هذا الموقف ليس مجرد كسب مال أو تقوية حزب.. وإنما شهادة حق لهذا الدين، مثلها كمثل ذلك التاجر المسلم، الذي فتح بلادًا، بسلوكه وقيمه وأخلاقه.. هذا الموقف لا يصلح فيه إلا من بذل ماله نفسه.. لأن الدين لا ينطق إلا على لسان من يعانيه.. وكان أولى بالقوم الذين لا يريدون ذلك أن يقيموا عملًا تجاريًا لا يرفعون شعار الإسلام إن كان في قلبهم مثقال ذرة من خوف من الله، ولقد زين لهم الشيطان هذا العبث، حين تصوروا أن الإسلام سيتحقق إذا اغتنوا وسيطروا اقتصاديًا، ولو كان ثمن ذلك اغتيال أموال الناس واتهام الإسلام!!

قلت له: نحن متفقون على أن الإسلام مستهدف في الحملة الظالمة على شركات توظيف الأموال، ما تقييمكم لشركات توظيف الأموال؟

فقال: أحب أن أسجل هنا موقفًا اسأل عنه أمام الله، فلقد أثير هذا الموضوع أمام الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله، من عقلاء القوم ذوي الخبرة، وكانت المحاذير هي فقدان بعض هذه المؤسسات الضبط الحسابي والإداري والرقابي.. فلا ميزانية، ولا جمعية عمومية، ولا وسائل إدارية تتناسب مع هذا التوسع السريع... كل ذلك في ظل مخالفة صريحة لقانون يقصر هذا العمل على البنوك وشركات التأمين، وكان الخوف من أن إيصال الإيداع لا يمنع ضريبة التركات التي تصل في القانون المصري إلى٦٠% من حجم الإيداعات..

أي أن المخاطر شديدة.. وتم طرح البديل، وهو تكوين شركات مساهمة من المودعين، يستطيعون أن يجدوا فيها فرصة عمل لهم ولأولادهم، بدلًا من وديعة لا ضمان لها ولا رقابة عليها.. وأشهد أن الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله حاول جاهدًا أن يحقق ذلك، ولكنه لم يستطع أن يحول الإدارة العائلية إلى استثمار جماعي.

رياح الانفتاح والأسلوب الخبيث:

وقد حملت السبعينيات رياح الانفتاح السامة، التي هوت بأقوام من القمة وارتفعت بآخرين من الحضيض، وأصبح المناخ الاقتصادي كالتالي: طفرة في الدخول النفطية عمت أهلها وجيرانها وجرى الدولار كالطوفان في أيدي الحكومات والشعوب العربية.. وكان الاستعمار يرقب ذلك، مخططًا لإجهاض أي تنمية يحققها هذا المد باستخدام أسلوب خبيث لاستقطابه...

فبدأت فروع البنوك الأجنبية تنتشر وتلوح للناس بأسعار الفائدة العالية، حتى استطاعت أن تجذب هذا المال إليها، ثم أخذت تمتص بدهاء عن طريق التخفيض المتعمد لسعر الدولار وعن طريق التورط في المضاربات القاتلة في البورصات، على الذهب والسلع والعملة..

بقيت أموال في أيدي المسلمين الورعين، لا يريدون تلويثها، بالربا، فأخذت طريقها لتدعم شركات توظيف الأموال وتتنفس من خلالها، ولم تكن بعض هذه الشركات على مستوى المسؤولية، فأصبحت أحد أذرع البنوك الربوية العالمية، حيث أخرجت هذه الأموال إلى الغرب ليغتالها، تحت دعاوى زائفة، منها اضطراب مناخ الاستثمار في بلادنا.. وعلم الله أن هذه الأموال يمكن أن تضيع في بلاد الغرب، ولا يمكن أن تضيع في بلادنا لو استثمرت.. وكانت هناك ألف وسيلة ووسيلة لحمايتها كالتأمين التعاوني أو الاستثمار التكاملي في عديد من البلدان، الذي لا يستفيد أي بلد بتأميمه.

سألته: يشكك البعض في العائد الذي كان يوزع من قبل شركات توظيف الأموال، ويعتبرون ذلك نوعًا من النصب وأنه كان يدفع من الودائع الجديدة، ما رأيك في ذلك كمتخصص؟

فأجاب قائلًا: الحقيقة أن الذي يقول ذلك لا يعرف اقتصادًا.. ببساطة.. معامل التضخم سنويًا في مصر ٢٥% كما أعلن البنك المركزي، فإذا تحولت الوديعة إلى سلعة تخزن لمدة سنة زاد ثمنها على الأقل 25% وخسر صاحب الوديعة النسبة نفسها.. ومن المؤسف أن الانفتاح قد فتح باب الثراء السريع عن طريق التجارة الخارجية لاستيراد الكماليات التي تمثل نزيفًا في الاقتصاد الوطني، ثم إن ارتفاع معامل التضخم جعل التجارة في العقارات مصدر ربح كبير، وإن كان ذلك يوقف دورة المال في شرايين النمو داخل الاقتصاد الوطني.. وقد انجذب البعض إلى هذه الأنشطة دون إحساس بمسؤوليتهم عن التنمية التي تعود على أهلهم وجيرانهم.. وهكذا نرى ارتفاع معدل الربحية في هذه الأنشطة التي أباحها الانفتاح، وهي في رأيي غير مشروعة، فضلًا عن معامل التضخم، الذي تستفيد منه شركات التوظيف ويضار به صاحب المال...

وإذا كان صاحب المال يأخذ ٢٤%، والتضخم نسبته ٢٥%، فإن الوديعة، مضافًا إليها هذه الأرباح التي يظن الناس أنها عالية، تمثل محصلتها خسارة نهائية لصاحبها.... لهذا أعتقد أن أي شركة توظيف قد حصلت أرباحًا تستطيع ببساطة أن ترد الودائع لأصحابها وأكثر، ولا أعتقد أن هناك من يخسر منها إلا من دخل في مخلب يهود البورصات العالمية.

مكسب هائل للإسلام:

قلت له: ما رأيك في قانون توظيف الأموال في مصر؟

فأجاب قائلًا: مشكلة الاقتصاد الإسلامي، من عقباتها الربا، وليس الربا في القروض طويلة الأجل مشكلة، لأن نظام الأسهم معترف به، والشركات العصرية محاذير الفقه عليها قليلة، ولكن البلوى اليوم هي في توفير السيولة قصيرة الأجل، التي لا يستغني عنها تاجر أو صانع أو زارع، فيقترض ليشتري ثم يرد بعد أن يبيع دافعًا الربا، وذلك ما يسمى بالائتمان أو السحب المكشوف، والربا دخل كل بيت اليوم من هذا الباب وهي العقبة التي تقف أمام التحول.. ولا يمكن للشعار وحده أن يكفي للتطبيق، والواقع الآن أن الاقتصاد ككل يقوم على هذا النشاط الربوي.

وحين يعترف القانون المصري لأول مرة في تاريخه بصكوك المشاركة، بل ويصرح بها لكل الشركات، يدخل البديل من الباب الواسع ليحدد واقعًا، ويقيم عرفًا يتفق مع الإسلام.. إنه مكسب هائل وبداية لا بد أن ينتبه لها المهتمون بالإسلام تمامًا... وعلينا أن نمد الجسور لتنجح التجربة، ويكسب الإسلام أرضًا، ويزيح عقبات ويحرث الأرض لتضرب جذور الإسلام، حتى وإن لزم لذلك التضحية بالمال وإنكار الذات...

أرباح تصل إلى ٥٠٪:

وأخيرًا سألته: ما نصيحتك للعاملين في هذا المجال مستقبلًا؟

فقال: لقد تربيت في مدرسة حسن البنا.. وكانت نظرة الرجل إلى المجتمع بمعنى الأفراد، نظرة الأب إلى ابنه المريض وهو يرعاه.. ونظرته إلى الوطن نظرة صاحب الحق الذي لا يسمح لأحد أن يناله.. لهذا التحم مع قواعد المسلمين وهو يوقظهم، والتفت حوله القلوب بالثقة التي هو أهلها، هذا هو مفتاح الحل.

والنصيحة لا يمكن أن تؤتي أكلها إلا إذا أحس من يقف على هذه الثغرة بعظم مسؤوليته أمام الله عن هذا الانتهاء، وأنه يقف ابتداء موقف الداعية، وتذكره أن الناس هربت من الربا إلى الحلال، وألقت إليه ثروتها تأتمنه عليها، فلا بد أن يكون أهلًا لهذا التكليف.

إن حق الناس عليه أن يتجه بهذه الأحوال إلى الاستثمار النافع الذي ينمي المال للأمة، ويفتح أبواب التشغيل لرجالها.. وعندنا مصادر مأمونة لهذا الاستثمار فتنمية الحرفيين الذين يعتبرون الآن من فئات المجتمع، بالمشاركة أو بالتأجير أو بالبيع بالتقسيط، وعندنا المصانع الصغيرة ذات التكنولوجيا العالمية، التي تأتي بالخير لصاحبها وأهله.. وعندنا الإصلاح الزراعي وعائده مجزٍ.

وما أنصح به:

•توسيع قاعدة المشاركة الفعلية بتحويل الودائع إلى شركات مساهمة لمن يريد، تفتح أبواب العمل لهم ولذويهم، ونهيئ المناخ الإسلامي التربوي لأصحابه...

•أما بالنسبة لأصحاب الودائع الاستثمارية، فلا بد من إضافة فرق معامل التضخم، المتمثل في ارتفاع أسعار الأصول المتداولة لشركات التوظيف، وهو حقهم فقهًا بالإضافة إلى حقهم في الأرباح حتى لا تتآكل ودائعهم، وقد ناديت بذلك كثيرًا ولا مجيب، وفي هذه الحالة قد يحصل صاحب المال على أرباح إجمالية تصل إلى 40% أو 50%.

•توسيع قواعد الاستثمار لتنمية الاقتصاد الوطني بالاتجاه إلى الصناعات الصغيرة والحرفيين والبعد عن المضاربات في الخارج والداخل... وبالله التوفيق.

وانتهى الحوار مع خبير الاقتصاد الإسلامي الأستاذ يوسف كمال، وما أحسبه إلا كلمة حق ينبغي أن تقال، حتى نتعلم من أخطائنا... وهذه صفات العقلاء...

الرابط المختصر :