العنوان المشكل الاقتصادي: الهم الأكبر في الساحة الإسلامية
الكاتب عمار الهاشمى
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-1989
مشاهدات 67
نشر في العدد 939
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 31-أكتوبر-1989
تخلف العالم
الإسلامي يعود إلى الإعراض عن تعاليم الله وسيطرة الحضارة الغربية على شؤون العالم
الإسلامي. المستشرقون يزعمون بأن سبب تخلف المسلمين إنما يعود إلى الإسلام!!
الاقتصاد
الثنائي يتمثل بالشركات التي تعمل في الدول النامية والتي تقوم عليها المصالح
الاستعمارية.
بقلم: عمار
الهاشمي
تُعد مشكلة
التنمية الاقتصادية الهم الأكبر للمفكرين الاقتصاديين، ورجال البحث العلمي، منذ
نهاية الحرب العالمية الثانية (1939). فقد عُدت هذه المشكلة القضية الأساسية
المتداولة في الدول المتخلفة والدول المتقدمة على السواء، على الصعيدين السياسي
والاقتصادي. ويرجع هذا الاهتمام الجديد بمشكلات التنمية لأسباب سياسية متعلقة
بطبيعة التغييرات السياسية التي حدثت بعد الحرب العالمية الثانية. ومن أهم
التغييرات السياسية التي شهدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية: انهيار الهيكل
الاستعماري القديم، وظهور ثلاثة تكتلات دولية كبرى هي:
دول العالم
الغربي والعالم الشرقي، ودول العالم الثالث، حيث حصلت كثير من الدول على
استقلالها، وتهيأت معنويًا للتخلص من مظاهر التخلف وأسبابه.
وقد عايش هذا
ظهور ما يسمى بالحرب الباردة بين دول المعسكر الغربي والشرقي، وتنافسهما على
الاهتمام بمشكلات الدول النامية لأسباب سياسية واقتصادية بهدف الوصول إلى طرق
وعلاقات جديدة، لاستعمار من نوع جديد غير تقليدي. كما انتشر التطور لوسائل البحث
العلمي في مختلف مجالات المعرفة بما فيها الدراسات الاقتصادية، التي بدأت تستخدم
الأساليب الجديدة في دراسة قضايا التخلف والتنمية والتخطيط، وتقدمت الدول الصناعية
تقدمًا ملحوظًا خلال الخمسينيات والستينيات، وأصبح تقدمها الاقتصادي والاجتماعي
والسياسي مثلًا يُحتذى بالنسبة للكثير من الدول الحديثة الاستقلال، وبذلك وُجدت
صورة حيَّة لتجارب التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومن هذه المقدمة سابقة الذكر
كانت النتيجة الحتمية أن أصبحت قضية التنمية الاقتصادية القضية الأساسية الأولى
التي تواجه حكومات وشعوب دول العالم الثالث، والتحدِّي المصيري لها، وأصبحت القدرة
على مواجهة التنمية معيارًا حيويًا للحكم على مدى نجاح أو فشل هذه الحكومات التي
تطمح لأن ترتقي في مدارك التقدم والازدهار. وباستعراض أوضاع الدول المتخلفة
اقتصاديًا - أو كما يطلق عليها الدول النامية، بما فيها دول العالم الإسلامي -
تُلاحظ أن معظمها كان يقع تحت وطأة الاستعمار السياسي والاقتصادي، ذلك الاستعمار
الذي استمر سنين طويلة يستنزف موارد تلك الدول لصالحه، وجعلها سوقًا يصرف فيها
منتجاته الصناعية، بالإضافة إلى مساهمته في تخلف تنظيماتها الاجتماعية والإدارية
والفنية، بحيث أصبحت تلك الدول المتخلفة عاجزة عن إدارة أمورها بنفسها عند رحيل
الاستعمار عنها، مما اضطر معظمها إلى اللجوء إليه للمساعدة في هذا المجال.
الأساليب
البدائية:
ومن ثَمَّ أصبحت
دراسة اقتصاديات التنمية في بلدان العالم النامي لها أهمية كبيرة للتعرف على طبيعة
تلك الدول والمشكلات المختلفة التي تجابهها. فإذا نظرنا إلى اقتصاد الدول النامية
فإننا نجد كثيرًا من مواردها الطبيعية، بما فيها الأراضي الزراعية يقع في المنطقة الاستوائية
أو شبه الاستوائية، أما الأراضي الخصبة المستغلة فيها، فنجد انخفاض إنتاجية الفدان
مع ارتفاع كثافة العاملين فيها، وتكون النتيجة انخفاض العائد من الفدان، وهذا كله
بسبب استخدام الأساليب الإنتاجية البدائية في الزراعة. أما الموارد غير الزراعية،
فنجد أن الموارد المستغلة فعلًا فيها هي تلك التي لم تستلزم استغلالها قدرًا
كبيرًا من العمل والتنظيم كالتي تقع بالقرب من الموانئ والمدن أو أن طرق استغلالها
تتسم بالتخلف، باستثناء الموارد التي تقوم على استغلالها الشركات الكبرى الأجنبية،
بغرض إشباع أسواقها الخارجية، وتكون محكومة للأجانب بنسبة كبيرة هذا بالإضافة إلى
أن معظم البلاد المتخلفة تفتقر إلى التقارير العلمية الكاملة عن ثروتها من هذه
الموارد الطبيعية، هذا فيما يتعلق بعنصر واحد من عناصر الإنتاج، وهو (الأرض).
أما العنصر
الآخر وهو عنصر العمل، فنجد أن البلاد المتخلفة تتميز عمومًا بوفرة نسبية في
الأيدي العاملة بالنسبة لعنصر رأس المال، لكن بالنظر إلى طبيعة الأعمال في البلاد
المتخلفة نجدها أعمالًا ضعيفة الإنتاج، كالخدمات المختلفة، أو إنها ذات طبيعة
موسمية، أو إنها أعمال عرضية في القطاع الأولي، وبالنسبة لدرجة المهارة العمالية،
نجد أن البلاد المتخلفة تتميز بوفرة نسبية في عدد العمال من ذوي المهارة المنخفضة،
وندرة نسبية شديدة في عدد العمال من ذوي المهارة الفنية والخبرة الكافية لأداء
الأعمال الحديثة بقدرة وإتقان.
أما العنصر
الثالث من عناصر الإنتاج وهو عنصر رأس المال - ونقصد به رأس المال العيني فقط -
والذي يتكون من رأس مال إنتاجي، بما يحتويه من: (آلات رأسمالية ومعدات فنية وأدوات
إنتاجية)، ورأس مال اجتماعي الذي يضم: (الطرق والجسور والمدارس والمستشفيات ...
إلخ)، فنجد أن الدول النامية تتميز بانخفاض معدلات تكوين رأس المال فيها، أما الفن
الإنتاجي المستخدَم فالمعدات والآلات المستخدَمة بالإنتاج تُعد بدائية وقديمة
ومحدودة الإنتاج، والنشاط الحديث لا يزال وليدًا صغيرًا في الدول المتخلفة على
حداثة الآلات والمعدات المستعملة فيه، وكذلك خدمات المرافق العامة من طرق وجسور...
إلخ، لا تزال نادرة وغير متوافرة بشكل كبير بتسهيل عملية التنمية والتوسع
الاقتصادي.
فقدان التنظيم:
أما العنصر
الأخير من عناصر الإنتاج وهو عنصر التنظيم، والذي هو عبارة عن عمل المنظم في تجميع
عناصر الإنتاج الأخرى، لاستخدامها في عملية إنتاجية معينة، يتخذ هو قرارها، ويتحمل
مخاطر القيام بتنفيذها، فنجد هناك ندرة في أعداد المنظمين من ذوي الكفاءة العالية
بالدول المتخلفة مقارنة بالدول المتقدمة، إضافة إلى أنهم تنقصهم الخبرة الكافية،
والمخاطرة في العمليات الإنتاجية، أما طبيعة النشاط الاقتصادي في الدول المتخلفة،
فنجدها ممثلة في النشاط الإنتاجي الأولي، من حيث مساهمته في الناتج القومي
والعمالة. مع أن الاعتماد الكبير النسبي على القطاع الإنتاجي الأولي يُعد صفة
للتخلف الاقتصادي، وإذا ما قارنا بين حجم القوة العاملة في القطاع الأولي، وتلك
العاملة بالقطاع الصناعي، ومقدار المساهمة النسبية لكل قطاع على حدة في الناتج
القومي.
ومع هذا كله فقد
تأكد الانخفاض النسبي في إنتاجية العامل بالقطاع الأولي. يُضاف إلى ما تقدم تفشي
ظاهرة التخصص المتطرف داخل النشاط الإنتاجي الأولي، فتصبح النسبة الكبرى من
الإنتاج الأولي في الدولة المتخلفة من محصول واحد أو محصولين من المحاصيل الزراعية
أو من المواد الخام فقط؟!!..، وهذا التخصص المتطرف ليس وليد احتياجات أسواق الدول
المتخلفة بأي حال من الأحوال، وإنما هو مرتبط أساسًا بالأسواق الخارجية
واحتياجاتها، وخاصة الدول المتقدمة اقتصاديًا، وهذا يرجع إلى عصر الاستثمارات
الاستعمارية الضخمة في نشاط الإنتاج الأولي في البلاد المتخلفة، في بداية القرن
العشرين، والتي كان من آثارها التبعية الاقتصادية، التي تمثلت في تنظيم الإنتاج
الأولي في البلاد المتخلفة المستعمَرة، بما يلائم المصالح الاقتصادية الاستعمارية
للدول الأوروبية المتقدمة صناعيًا، ومع أن تلك الدول المتخلفة قد استقلت، فما زالت
مظاهر التبعية الاقتصادية باقية فيها، وتتمثل في التخصص المتطرف في الدول النامية،
والاعتماد على أسواق الدول المتقدمة في تصريف المنتجات الأولية.
الاقتصاد
الثنائي:
ومن مظاهر
التبعية أيضًا ما يُسمى بالاقتصاد الثنائي، أو الثنائية الاقتصادية، ويتمثل ذلك
بالشركات التي تقوم عليها المصالح الاستعمارية والتي تعمل في الدول النامية،
منفصلة تمام الانفصال عن بقية أجزاء الاقتصاد الوطني في الدول النامية، والذي أضفى
صفة الثنائية على هذا النمط من الاقتصاد أن هذه الشركات تمثل نوعًا خاصًا من
الاقتصاد الرأسمالي المتقدم الأجنبي في قلب الاقتصاد المحلي للدول النامية. أما
العوامل غير الاقتصادية للدول النامية، والتي لها الدور الأكبر في عملية التنمية،
فهي العوامل الاجتماعية والسياسية والثقافية، ذلك أن القيام بالتنمية يتطلب تهيئة
البيئة الملائمة اجتماعيًا وسياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا، فمن أجل أن نبدأ
بالتنمية لا بد أن نتحرك أولًا من خلال العوامل الاقتصادية، لأنها هي الأساس لكل
تقدم اقتصادي. فعلى الصعيد الاجتماعي نجد انعدام الحافز على العمل، وإن وجدت رؤوس
أموال وُجهت إلى الإسراف لا إلى الاستثمار، وإذا استُثمرت كان استثمارها في
الخارج.
الجمود
الاجتماعي:
كما نلاحظ
جمودًا اجتماعيًا يتمثل في وجود طبقات اجتماعية عُليا ووسطى ودنيا، لكل طبقة
أعرافها وتقاليدها التي جمدت عليها ورضيت بها، فلا تبغي عنها حولًا، وبخاصة الطبقة
الدنيا الفقيرة الغالبة، ولقد أشار الكاتب الهولندي بويك (Boeke)
إلى أن كثيرًا من الدول النامية تعاني ما أسماه بالثنائية الاجتماعية (Social dualism)
التي تحدث في تلك المجتمعات نتيجة للتضارب بين أنظمة اجتماعية داخلية لها جذورها
العميقة في أفراد المجتمع، وأنظمة اجتماعية مستوردة من المجتمعات الغربية
الرأسمالية، أو مجتمعات الكتلة الشرقية (الشيوعية). ويرى بويك أن هذه الثنائية هي
أحد الأسباب الكبرى لعدم نجاح برنامج للتنمية في المجتمعات المتخلفة والسبب في ذلك
أن أفراد هذه المجتمعات يقاومون تلك العادات والتقاليد المستوردة الغريبة عن
تكوينهم الفكري والاجتماعي، وبالتالي فإن المجهودات الإنمائية في هذه الظروف تفقد
أفراد المجتمع قدرتهم تدريجيًا على التحرك الصحيح نحو تحقيق التنمية، ومن ثَمَّ
فإن التخلف الاقتصادي والاجتماعي يستفحل أمره وتصاب المجتمعات بمزيد من التدهور.
ومع وجود شيء من الصحة في نظرية بويك إلا أن هناك سببًا آخر أساسيًا يؤدي بنفس
المنطق إلى تدهور المجتمعات النامية، وتخلفها، وهو التقليد الأعمى الذي يصيب
أحيانًا أفراد الدول النامية، وبخاصة تقليد قادة ومثقفي هذه الدول، للعادات
والتقاليد الغربية أو الشرقية، نتيجة لوجود فريقين: فريق يعارض ويقاوم تلك الأفكار
المستوردة، وفريق آخر انحرف بتقاليده وعاداته إلى عادات وتقاليد لا تتمشى وقيم
المجتمع الذي يعيش فيه، وبذلك نلاحظ أمثلة عديدة لدول إسلامية استفحل فيها التخلف؛
لأنه قد صدق عليها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لتتبعن سنن
الذين من قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وباعًا بباع، ولو أنهم دخلوا جحر ضب
خرب لدخلتموه» (متفق عليه).
اتهام الدين:
إن المجتمعات
الإسلامية قد دخلت في عداد التخلف بأقصى صورة، ليس كما يدعي بعض الكتاب الغربيين،
أو للأسف بعض أبناء المسلمين، بأن الدين الإسلامي هو سبب هذا التخلف، فالدين
الإسلامي براء من ذلك، لأن الإسلام نهى عن التقليد الأعمى، ونهى عن التكاسل
والخمول، فالتخلف الذي مُنيت به البلدان الإسلامية إنما يرجع أساسًا إلى عدم
اتِّباع هذه البلدان لتعاليم الإسلام وشريعته السمحة، فالحث على العمل والحث على
التغيير نحو الأفضل هو من الأسس التي أتى بها الإسلام، لقد قال الله سبحانه
وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا
بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد:11) أي أن التغيير لا بد أن يأتي من الناس أولًا ولن يأتي
ذلك تلقائيًا، بل عن طريق العمل وبذل الجهد ونبذ العادات والتقاليد المستوردة التي
تقف في سبيل تحقيق الرفاهية والسعادة والتطور لسائر أبناء المجتمع. ومن الناحية
السياسية نجد أن الحرب منتشرة في أرجاء العالم النامي والاعتداءات الخارجية
مستمرة، مما يؤدي إلى استغراق الموارد المادية والبشرية المتاحة. وهناك جمود
اقتصادي، ولكل بيئة طابع معين، فالتاجر لا يغير مهنته، والمزارع كذلك، بالإضافة
إلى تفشي الأمية، فعلى حين نجد الأمية في العالم المتقدم لا تزيد عن 5% نجد أنها
في العالم النامي تحتل 50% من السكان.
النظرة
الإسلامية:
أما النظرة
الإسلامية إلى تخلف العالم الإسلامي فنجدها تنحصر في سببين:
سبب ذاتي يرجع
إلى نشأة التخلف وهو الإعراض عن تعاليم الله في مختلف مظاهره، وسبب خارجي وهو
سيطرة الحضارة الغربية على شؤون العالم الإسلامي، وهذا ناشئ عن استفحال التخلف
وتراكمه في حياة المسلمين يومًا بعد يوم. وفيما يتعلق بالسبب الذاتي فإن معيار
التقدم والتخلف في الإسلام يكون بالنظر إلى ثلاثة عناصر: وجود الموارد الطبيعية،
ووجود الجهد البشري الذي يتعامل مع تلك الموارد ويحيلها إلى منتجات نافعة، ثم وجود
القيم التي تضمن بصفة مستمرة تفاعل الجهد البشري مع الموارد بإخلاص وصدق، وتوافر
تلك القيم في مجتمع ما، دليل على تقدم هذا المجتمع. فإذا نظرنا إلى العالم
الإسلامي اليوم وجدناه يتخبط في متاهات التخلف والفقر، فما السبب وراء تخلفه
وتدهور مستويات معيشته؟؟... أهو ندرة الموارد الطبيعية؟؟... فالموارد موجودة
ومتوافرة!!.. أم قصور جهد الإنسان؟؟.. فالجهد أيضًا متوافر!! لكن الذي حدث هو غياب
العنصر الضروري للتقدم ألا وهو عنصر القيم الصالحة التي يريدها الله أن تسود
المجتمع، وترتقي الحياة بها، والتي تضمن تفاعل الجهد البشري مع الموارد الطبيعية.
والقرآن الكريم يروي لنا كثيرًا من القصص التي تبين أن المجتمع كان في حالة من
التقدم والرخاء، فلما أعرض عن تعاليم الله، حل به الخوف والجوع والتخلف، ومن هذا
قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً
يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ
فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾
(النحل:112) ونجد أن هذا الإعراض عن سبيل الله قد تبدى في حياتنا في عدة مجالات:
في المجال
السياسي:
ففي المجال
السياسي ظهر الإعراض عن تعاليم الله في مفهوم الأمة الواحدة، فكان التفتُّت إلى
دويلات، وحدث التنازع، وظهر في عدم وعي الحاكم لمسؤوليته تجاه رعيته، وفي عدم
المشورة، والانفراد بالرأي، وعدم أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بين الأفراد
بالعدل. وفي المجال الاجتماعي ظهر الإعراض عن تعاليم الله في عدم الالتزام بمبادئ
الأخوة والتناصح والتعاون المتبادل. وفي المجال الثقافي ظهر الإعراض بعدم الالتزام
بنشر المعرفة ودراسة الكون، والتعرف على سنن الله فيه، كما أنه انحرفت العلوم عن
طريقها الرشيد الذي خطه الإسلام لها. وفي المجال الاقتصادي ظهر الإعراض عن تعاليم
الله في عدم بذل الجهد في الكسب والعمل والإنتاج عملًا بقوله تعالى: ﴿فَامْشُوا
فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ (الملك:15) وفي عبادة المال والحرص
عليه، وعدم أداء حقوق الله فيه. أما السبب الخارجي وهو سيطرة الحضارة الغربية على
شؤون العالم الإسلامي في شتَّى المجالات، حيث أقامت الحضارة المادية نظمًا
اجتماعية وثقافية في داخل البلاد النامية تعمل جاهدة على دوام إبعاد المسلمين عن
دينهم، لأنه سِرُّ قوتهم، وانتصارهم على تخلفهم لو تمسكوا به. أما المستشرقون
فيقولون إن سبب تخلف المسلمين هو الإسلام، فإنه إن لم يحض على التخلف، فإنه يتماشى
معه، وإن كثيرًا من آيات التوكل تدل على هذا..!! ولا ريب أنهم يرمون من قولهم هذا
إلى تنفير الناس من الإسلام وهو ناشئ عن جهلهم لحقيقة الدين الإسلامي الحنيف الذي
يحض على العمل والكسب، ويحذر من الكسل والخمول والتقليد الأعمى، ولا شك في خطأ
ادِّعاءاتهم وأغراضهم الخبيثة في القدح بالدين الإسلامي الحنيف. إن التنمية في
الإسلام فرض مقدس افترضه الإسلام على المسلم والجماعة المسلمة وعلى الدولة
المسلمة، وقال الله تعالى: ﴿فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ
اللَّهِ﴾ (الجمعة:10) وتقتضي الآية الكريمة ممارسة مختلف العمليات الإنتاجية.
الإسلام
والتنمية:
والتنمية
الاقتصادية في الإسلام تعمل على تحقيق هدفين: الأول، مرحلي، والثاني نهائي، أما
الهدف المرحلي فهو العمل على تحقيق أكبر قدر ممكن من الرخاء الاقتصادي، وذلك من
خلال عملية تغيير جذري أو هيكلي في المجتمع، أي تغيير للوضع القائم المتخلف، وإن
هذا التغيير لا بد أن يكون جوهريًا في البنيان الاجتماعي، فلا يكتفي بالتغييرات
السطحية، ولا بد أن يكون التغيير شاملًا لجميع المتغيرات في المجتمع، من متغيرات
اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية والهدف من التغيير هو وجود زيادة سريعة وكبيرة
ومستمرة في الدخل الحقيقي لكل فرد في المجتمع. وهذا الهدف المرحلي هو غاية ما تهدف
إليه التنمية في الفكر الغربي الوضعي، وهو توفير السلع والخدمات وليس لها هدف أكثر
من ذلك، فهي تتعامل فقط مع الإشباع الاقتصادي بشكل مادي بحت، وليس لها غاية في
إشباع الحاجات المعنوية والروحية للإنسان، لذلك فإن التنمية في الفكر المادي قد
تحقق التنمية المادية لكنها لا تحقق السعادة المعنوية الشاملة للأفراد التي هي هدف
كل فرد. لذلك نجد أن التنمية الاقتصادية في الإسلام تعمل على تحقيق هذا الهدف
المرحلي، ثم تعمل على الوصول إلى الهدف النهائي وهو استخدام التقدم الاقتصادي كأداة
لنشر الخير والعدل والسلام والحق في مختلف أرجاء العالم. والإسلام لا يعترف
بالمقياس الوضعي للتنمية - وهو متوسط دخل الفرد في المجتمع - ولا يعده كافيًا
للحكم على وجود التنمية الاقتصادية؛ لأن المقياس الإسلامي للتنمية هو مقدار الدخل
الحقيقي لكل فرد في المجتمع، ولذلك لا بد من حصر شامل لجميع أفراد المجتمع، ودخل
كل منهم في صورته الحقيقية، بحيث يتوفر حد الكفاية لكل فرد كحد أدنى تستهدفه
التنمية الاقتصادية، ويشمل بخيراته أفراد المجتمع جميعًا. وخلاصة القول إن التنمية
الاقتصادية ضرورة مُلحة لإنقاذ العالم الإسلامي من براثن التخلف والضياع ولجعله
مجتمعًا قويًا متقدمًا قياديًا، وهو كذلك لأنه المجتمع الذي انطلقت منه العقيدة
الإسلامية، وعم نوره أنحاء العالم بأسره. فهو المجتمع المؤهل بشريعته السمحة
لقيادة البشرية إلى العزة والكرامة والنصر، وتحرير عقول البشر من كل تبعية وعبودية،
وتحريرهم أيضًا من التكالب على المادة، وتبصيرهم بالحضارة الإسلامية الأصيلة. ولا
ريب أن الأخذ بنظام الإسلام الحضاري سينقل العرب والمسلمين من واقعهم المتخلف إلى
مركزهم القيادي الذي أراده الله لهم، ليصبحوا قوة كبرى تفرض على الأعداء احترامهم
وتقديرهم. ولن يتحقق ذلك كله للعالم الإسلامي إلا باتحاد المسلمين وتعاونهم على
تطبيق أحكام الشريعة الغراء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل