; اعتقال «كاراديتش»- أي عزاء للضحايا بعد أن قبض الجناة الثمن؟! | مجلة المجتمع

العنوان اعتقال «كاراديتش»- أي عزاء للضحايا بعد أن قبض الجناة الثمن؟!

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 02-أغسطس-2008

مشاهدات 49

نشر في العدد 1813

نشر في الصفحة 30

السبت 02-أغسطس-2008

  • رئيسة «منظمة أمهات سريبرينتسا»: لا نثق في محكمة «لاهاي» قدر ثقتنا في عدل الله الذي سيمنحنا حقوقنا والتعويضات التي ترضينا
  • مجرمو الحرب أمثال «كاراديتش» و«ميلاديتش» وغيرهما.. ليسوا سوى مخلب قط في يد خفية تمثل «صربيا» أحد أصابعها 

لا شك أن اعتقال مجرم حرب دموي مثل زعيم العصابات الصربية في البوسنة سابقًا «رادوفان كاراديتش» يُعد عملًا إيجابيًا رغم تأخره ۱۳ عامًا، ولاشك أن دوافع الاعتقال ليست كلها جنائية «خالصة»، فهناك دوافع داخلية، وإقليمية ودولية تتعلق بالوضع الداخلي في صربيا، حيث تسعى السلطات الجديدة لتصفية تركة الماضي، وقطع الطريق على القوميين الصرب» الذين يحاولون زيادة شعبيتهم بتغذية حلم صربيا الكبرى.

 فالانتخابات البرلمانية الصربية الأخيرة أثبتت أن القوميين «الصرب» لا يزالون يمثلون خطرًا على «البلقان» ومصالح الغرب الاستراتيجية، وكان بإمكانهم تشكيل الحكومة في «بلجراد» لولا أن حزب الرئيس الصربي الأسبق «الحزب الاشتراكي الديمقراطي» خذلهم وانحاز إلى المؤيدين لأوروبا، ممثلًا طوق النجاة لهم، الأمر الذي رحب به الاتحاد الأوروبي، وأغدق على الحكومة الجديدة الوعود بضم «صربيا» للاتحاد الأوروبي في أقرب وقت ممكن.

وينتظر أن توقع بلجراد، اتفاقية الاستقرار والتقارب مع بروكسل في سبتمبر المقبل، وفق وزير الخارجية الصربي «فوك يريميتشۛ» بينما ستبدأ «صربيا » حسب ما ذكره مفوض شؤون توسيع الاتحاد الأوروبي «أولي ريين». 

مفاوضات الانضمام للاتحاد في العام القادم، وبالتالي؛ فإن إزالة العقبات، ومن بينها اعتقال وتسليم المتهمين بارتكاب جرائم حرب إلى محكمة «لاهاي» يحقق هدفًا مزدوجًا .. فمن جهة، ستسقط من يد القوميين ورقة مهمة في اللعبة السياسية، وهي حماية المجرمين باعتبارهم أبطالًا قوميين لنيل التأييد الشعبي، حيث لا يزال الكثير من الصرب يحلم بالاتحاد مع روسيا، وبإعادة كوسوفا.. وضم جزء كبير من البوسنة يصل إلى نصف المساحة.

ومن جهة أخرى تتخلص «صربيا» من «الفيتو» «حق الاعتراض» الذي تضعه بعض الدول الأوروبية، مثل هولندا على انضمامها للاتحاد الأوروبي، بسبب عدم اعتقالها وتسليمها للمتهمين بارتكاب جرائم حرب إلى محكمة «لاهاي»، والذي تبين -بما لا يدع مجالا للشك- أن أطرافًا نافذة في داخل «صربيا»، وبين القيادات السياسية لـ«صرب البوسنة» توفر لهم الحماية.

واتضح أيضًا أن «كاراديتش» وقائده العسكري الجنرال «راتكو ميلاديتش» استخدما هويتين مزورتين، وتضاربت المصادر حول الجهة التي زودتهما بهما، وتشير أصابع الاتهام إلى الاستخبارات الصربية والقيادات السياسية لـ«صرب البوسنة» بسبب طبيعة العلاقات بين الطرفين.

  • أبعاد سياسية ودولية

ولأن قضية مجرمي الحرب، ومسألة مستقبل صربيا ومنطقة البلقان لها أبعاد «سياسية» تتعلق بالصراعات الداخلية و«دولية» تتمحور حول مصالح الغرب والأمن في أوروبا من منظور «غربي طبعًا» فقد شاركت الاستخبارات الأمريكية والبريطانية في عملية إلقاء القبض على «كاراديتش»، ولا يعرف إن كان ذلك حقيقة أم ادعاء، ولاسيما أن الاستخبارات الصربية ذكرت بأنها التقطت اتصالًا هاتفيًا لـ«كاراديتش» مع ابنه «ساشا»، على أنه «دراغن دابيتش»، وأنها تابعت الخيط حتى أمسكت به يوم ٢١ يوليو الماضي وهو يهم بالصعود لإحدى الحافلات.

  • اعتقال مفاجئ!

وقد فاجأ اعتقال زعيم صرب البوسنة سابقًا الأوساط السياسية والقضائية والإعلامية، وهناك مصادر صربية تحدثت عن اعتقال كاراديتش قبل ثلاثة أيام من إعلان النبأ الذي تم التمهيد له بإجازة البرلمان لمدة أسبوعين حتى لا يثير أعضاء الحزب الراديكالي الصربي وبعض القوميين شعبًا داخل البرلمان.

ولم يكن متوقعًا -كذلك- أن يسقط زعيم «صرب البوسنة» سابقًا في قبضة العدالة فكل الضغوط الدولية كانت تركز على قائد مليشيات صرب البوسنة سابقًا الجنرال «راتكو ميلاديتش» بصيغة «اعتقال الجنرال راتكو ميلاديتش وبقية المتهمين»، وكل الرسائل والتقارير التي كانت ترسلها وتقدمها المدعية العامة السابقة لدى محكمة جرائم الحرب في «لاهاي» «كارلا ديل بونتي» إلى كل من الاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن، كانت تركز على الجنرال «ميلاديتش».

كما أن طلب اعتقال الجنرال «ميلاديتش» وليس «كاراديتش» ما زال يتصدر الشروط التي يضعها الاتحاد الأوروبي لقبول «صربيا » في المنظومة الأوروبية التي يمثلها الاتحاد ... لذلك كان اعتقال «كاراديتش» مفاجأة للأوساط الإقليمية والدولية على المستويين السياسي والإعلامي.

لكن هالة الحدث جعلت الجميع مشدودين لما جرى، ومقدرين للتقدم الحاصل الذي حققته «بلجراد» في مجال التعاون مع محكمة جرائم الحرب في لاهاي. والتي نصت عليها اتفاقية دايتون للسلام في ٢١ نوفمبر ۱۹۹٥م «محاكمة مجرمي الحرب» وصادق عليها مجلس الأمن في وقت لاحق.

وكانت المحكمة الدولية التي أسست عام ۱۹۹۳م قد وجهت اتهامات لـ«١٦١» شخصًا تم إصدار أحكام بحق «٤٤» منهم، والباقون في الانتظار.

  • مكافأة ثلاثية

لم تكن جريمة الإبادة في «البوسنة». مسؤولية زعيم «صرب البوسنة» سابقًا «رادوفان كاراديتش» ولا الجنرال «راتكو ميلاديتش» وحدهما، ولكنها جريمة تشترك فيها «صربيا» والغرب أيضًا .. وإذا كان نظام الرايخ الثالث النازي في ألمانيا، والنظام الفاشي في إيطاليا، قد تم تحميلهما مسؤولية الجرائم التي ارتكبت في الحرب العالمية الثانية، وتم إجبارهما -ولا سيما ألمانيا- على دفع تعويضات باهظة، فإن الغرب كافأ صربيا ثلاث مرات:

الأولى: عندما سكت في تسعينيات القرن الماضي «۱۹۹۲- ۱۹۹٥م» عن جرائمها، وسمح لها بارتكاب جرائم الإبادة على مدى (٤٣) شهرًا.

والثانية: عندما تمت تبرئتها العام الماضي من جرائم الإبادة، لأن الضحايا ليسوا «يهودًا» أو فرنسيين أو بريطانيين لتعقد لصالحهم محكمة على غرار تتنبرج، وتجبر «صربيا» على دفع تعويضات للضحايا المسلمين، كما أجبرت ألمانيا على دفع تعويضات لـ«دول الحلفاء واليهود».

والثالثة: مكافأتها على اعتقالها لبعض المتهمين بارتكاب جرائم حرب بضمها للاتحاد الأوروبي.. والجميع يعلم أن «كاراديتش» و«ميلاديتش» -وغيرهما من مجرمي الحرب- لم يكونا سوى مخلب قط محنط في يد خفية تمثل صربيا أحد أصابعها .

  • أي عزاء للضحايا؟!

المضحك المبكي هو ما أدلى به نائب المبعوث الدولي إلى «البوسنة» «رافي جاريجوريان » «أمريكي» من أن المحاكم الأمريكية قضت بتغريم رادوفان كاراديتش بمبلغ «٤.٥» مليار دولار لصالح الضحايا، الذين لم يكن بإمكانهم تقديم شكوى ضد «صربيا» فاكتفوا بمقاضاة «كاراديتش».

ورغم الجانب المعنوي لمثل هذه الأحكام، إلا أنها تمثل سخرية من الضحايا، فمن أين لـ«كاراديتش» هذا المبلغ الضخم؟ صحيح أنه سارق محترف، وقد حكم عليه بالسجن في بلجراد» عام ١٩٨٤م بتهمة «اختلاس أموال لبناء استراحة له في بالي» «معقل صرب البوسنة سابقًا»، ثم حكم عليه في «سراييفو» عام ١٩٨٥م بالسجن ثلاث سنوات بتهمة النصب والاحتيال، وقالت عنه خليفته «بليانا بلافاشيتش»: «إنه خاض الحرب ليتكسب ويصبح غنيًا» واتهمه رئيس وزراء «صرب البوسنة» الحالي «ميلوراد دوديك» بسرقة ٣٦ مليون مارك بوسني «۱۸مليون يورو» عام ۱۹۹۷م، لكن ممتلكات «كاراديتش» الظاهرة لا تساوي شيئًا من المبلغ المذكور فيما لو صودرت! 

أما محاكمة «كاراديتش» فهي -بالطبع- لن تختلف عن سابقاتها، كمحاكمة تلفزيونية وقد أعد له جناح داخل مبنى السجن، وهو سجن 5 نجوم، حيث سيمرح في غرفة مساحتها ۱٥ مترًا مربعًا، ويمكنه الطبخ بنفسه، وستلبى طلباته كما لو كان نزيلًا في فندق.. فهل هذه هي العدالة؟ وهل يوازي ذلك ما ارتكبه من جرم مهما كان موقعه في خارطة مشروع الإبادة الصربي في البوسنة والذي قال عنه رئيس مجلس الرئاسة البوسني «حارث سيلادجيتش»: «إنه لا يزال حيًا، ويجب إجهاضه»؟!

ولذلك قالت «منيرة سوباتيتش» رئيسة منظمة أمهات سريبرينتسا: «لا نثق في محكمة لاهاي إننا نثق في عدالة الله.. وفي يوم العدل المطلق سنأخذ حقوقنا والتعويضات التي ترضينا»  !

الرابط المختصر :