; من التاريخ الإسلامي: لك الله ... يا ثعلبة! «الصحابي الذي اتهم بالنفاق، ولم يجد من يدافع عنه» | مجلة المجتمع

العنوان من التاريخ الإسلامي: لك الله ... يا ثعلبة! «الصحابي الذي اتهم بالنفاق، ولم يجد من يدافع عنه»

الكاتب مسلم الزامل

تاريخ النشر الثلاثاء 23-أغسطس-1983

مشاهدات 425

نشر في العدد 634

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 23-أغسطس-1983

يستشهد كثير من الخطباء والوعاظ في معرض حديثهم عن الزكاة وعن فتنة المال بقصة «ثعلبة بن حاطب الأنصاري» ويجعلون منه مثالًا للعظة والعبرة، فيسردون الحادثة المشهورة التي تناقلها بعض المفسرين تعليقًا على قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (التوبة: 75-77)، من أن ثعلبة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: ادع الله أن يرزقني مالًا! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه! ثم قال: أما ترضى أن تكون مثل نبي الله، فوالذي نفسي بيده، لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبًا وفضة لسارت! قال «أي ثعلبة»: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالًا، لأعطين كل ذي حق حقه! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم ارزق ثعلبة مالًا! فاتخذ غنمًا فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، فنزل واديًا من أوديتها، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة، ويترك ما سواهما، ثم نمت وكثرت، فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدود، حتى ترك الجمعة ... فطفق يتلقى الركبان يوم الجمعة، يسألهم عن الأخبار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل ثعلبة؟ فقالوا: يا رسول الله، اتخذ غنمًا فضاقت عليه المدينة! فأخبروه بأمره، فقال: يا ويح ثعلبة! يا ويح ثعلبة! يا ويح ثعلبة! وأنزل الله ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (التوبة: 103)، ونزلت عليه فرائص الصدقة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين على الصدقة، وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة من المسلمين، وقال لهما: مرا بثعلبة، وبفلان، رجل من بني سليم، فخذا صدقاتهما! فخرجا حتى أتيا ثعلبة، فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: ما هذه إلا جزية! ما هذه إلا أخت الجزية! ما أدري ما هذا؟! انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إلي، فانطلقا، وسمع بهما السلمي، فنظر إلى خيار أسنان إبله، فعزلها للصدقة، ثم استقبلهم بها، فلما رأوها قالوا: ما يجب عليك هذا، وما نريد أن نأخذ هذا منك. قال: بلى، فخذوه، فإن نفسي بذلك طيبة، وإنما هي لي! فأخذوها منه، فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى مرا بثعلبة، فقال: أروني كتابكما! فنظر فيه، فقال: ما هذه إلا أخت الجزية! انطلقا حتى أرى رأيي، فانطلقا حتى أتيا النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآهما قال: يا ويح ثعلبة! قبل أن يكلمهما، ودعا للسلمي بالبركة، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة، والذي صنع السلمي فأنزل الله تبارك وتعالى فيه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (التوبة: 75) إلى قوله: ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (التوبة: 77)، وعند رسول الله رجل من أقارب ثعلبة، فسمع ذلك، فخرج حتى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة! قد أنزل الله فيك كذا وكذا! فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يقبل منه صدقته، فقال: إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك، فجعل يحثي على رأسه التراب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا عملك، قد أمرتك فلم تطعني! فلما أبى أن يقبض رضي الله عنه، رجع إلى منزله، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقبل منه شيئًا، ثم أتى أبو بكر حين استخلف، فقال «أي ثعلبة»: قد علمت منزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وموضعي من الأنصار، فاقبل صدقتي! فقال أبو بكر: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أقبلها؟! فقبض أبو بكر، ولم يقبضها، فلما ولي عمر، أتاه فقال: يا أمير المؤمنين، اقبل صدقتي! فقال: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر، وأنا أقبلها منك؟! فقبض ولم يقبلها، ثم ولي عثمان رحمه الله فأتاه فسأله أن يقبل صدقته فقال: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا أبو بكر ولا عمر رضوان الله عليهما وأنا أقبلها منك؟! فلم يقبلها منه، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان رحمه الله.

والرواية بهذا النص نسبت إلى الصحابي الجليل «أبو أمامة الباهلي».

وعن مراجعة سند الرواية، وأقوال المفسرين فيها تبين لنا اختلاف الآراء وتعدد الأقوال في نسبة هذه القصة لشخص ثعلبة رضى الله عنه.

فشيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري يقول:

«... وأما ثعلبة بن حاطب الأنصاري، ففي ترجمته خلط كثير!! أهو رجل واحد، أم رجلان؟ أولهما هو الذي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين «معتب بن حمراء» والذي شهد بدرًا وأحدًا، والآخر هو صاحب هذه القصة، يقال: إن الأول قتل يوم أحد، وجعلها بعضهم رجلًا واحدًا ونفوا أن يكون قتل يوم أحد.

يقول ابن الأثير في «أسد الغابة» -الجزء الأول-: «... وقال الكلبي: ثعلبة بن حاطب بن عمرو بن عبيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف الأنصاري، من الأوس، شهد بدرًا وقتل يوم أحد -فلو كان هذا الذي في هذه الترجمة، فإما أن يكون ابن الكلبي قد وهم في قتله، أو تكون القصة غير صحيحة أو يكون غيره، وهو هو لا شك فيه ...».

وقد رجح «ابن سعد» في «الطبقات» أن يكون ثعلبة بن حاطب هو الذي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين «معتب بن الحمراء».

وقال: «هو من قبيلة خزاعة، حليف بني مخزوم، وشهد ثعلبة بن حاطب بدرًا وأُحدًا»- الطبقات الكبرى لابن سعد/ الجزء الثالث.

إذًا فاحتمال الخلط في ترجمته، وأن يكون ثعلبة -كما قال الطبري- رجلًا آخر غير صاحب هذه القصة احتمال وارد وصحيح. وهو ما ذهب إليه ابن الأثير كما رأينا في أسد الغابة.

ثم يمضي الإمام الطبري في الحديث عن المعني بهذه الآية فيقول: «واختلف أهل التأويل في المعني بهذه الآية، فقال بعضهم: عني بها رجل يقال له «ثعلبة بن حاطب» من الأنصار، وذكر من قال ذلك، وجاء بسند الرواية الأولى فقال:

1- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال عمي قال حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ …﴾.

2- أما الرواية الثانية، فسندها كالآتي: 

«حدثني المثنى قال: حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا محمد بن شعيب، قال: حدثنا معان بن رفاعة السلمي، عن أبي عبد الملك علي بن يزيد الألهاني أنه أخبره عن أبي «أمامة الباهلي» عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري «ثم روى القصة»، وقال -أي الطبري-:

«هشام بن عمار السلمي» ثقة، روى له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وتكلموا فيه قالوا: «لما كبر تغير»!

و«محمد بن شعيب بن شابور الأموري» ثقة.

و«معان بن رفاعة السلمي» أو «السلامي» وهو المشهور لين الحديث! يكتب حديثه ولا يحتج به!!

و«علي بن يزيد الألهاني»، «أبو عبد الملك» ضعيف بمرة!! روى من القاسم بن عبد الرحمن صاحب أبي أمامة نسخة كبيرة، وأحاديثه هذه ضعاف كلها!

«والقاسم بن عبد الرحمن الشامي» تقدم بيان توثيقه، وأن ما أنكر عليه إنما جاء من قبل الرواة عنه الضعفاء.

ثم قال الطبري: وهذا الخبر رواه بهذا الإسناد ابن الأثير في أسد الغابة 1: 237، 238، وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7: 21، 32، وقال: «رواه الطبراني، وفيه علي بن يزيد الألهاني وهو متروك».

وهو ضعيف كل الضعف، ليس له شاهد من غيره، وفي بعض رواته ضعف شديد.

وهذا الخبر، خرجه السيوطي في الدر المنثور، ونسبه إلى الحسن بن سفيان وغيره.

• أما الإمام القرطبي فقد ذكر في هذه الآية ثماني مسائل، وقال: «وثعلبة بدري أنصاري، وممن شهد الله له ورسوله بالإيمان، فما روي عنه غير صحيح!!».

قال أبو عمر: ولعل قول من قال في ثعلبة أنه مانع الزكاة الذي نزلت فيه الآية غير صحيح! والله أعلم.

وفي المسألة السابقة، علق القرطبي على قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ (التوبة: 77) فقال: وفي هذا دليل على أنه مات «منافقًا»، وهو يبعد أن يكون المنزل فيه ثعلبة أو حاطب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر: «وما يدريك، لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وثعلبة وحاطب ممن حضرا «بدرًا» وشهداها.

وبعد، فهذه أقوال أئمة التفسير في سند الروايات التي ذكرت أن المقصود بهذه الآية هو ثعلبة بن حاطب.

ثم إن المتأمل لنهاية القصة يجد أنها -إن صحت- تخالف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الترمذي: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» أي: ما لم تحضره الوفاة، أو ينزل عليه البلاء -كما حدث لفرعون- وهنا نجد أن ثعلبة -كما ورد في القصة- حاول أن يتوب فلم تقبل توبته! رغم إلحاحه على التوبة، واعترافه بخطئه ومعصيته!

كيف يستقيم هذا، وقول الحق جل وعلا في سورة الزمر: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (الزمر: 53) يقول سيد تعليقًا على هذه الآية:

«... إنها الرحمة الواسعة التي تسع كل معصية، كائنة ما كانت، وإنها الدعوة للأوبة، دعوة العصاة المسرفين الشاردين المبعدين في تيه الضلال، دعوتهم إلى الأمل والرجاء والثقة بعفو الله إن الله رحيم بعباده، وهو يعلم ضعفهم وعجزهم، ويعلم العوامل المسلطة عليهم من داخل كيانهم ومن خارجه، ويعلم أن الشيطان يقعد لهم كل مرصد ...».

 وقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من سب أصحابه: 

«لا تسبوا أحدًا من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» (رواه مسلم من حديث أبي هريرة)، وأي سب أعظم من اتهام «ثعلبة» بالنفاق!!!! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وتحذير العامة من السير في خطاه، أي فرية أعظم وأي إفك أكبر من تكفير هذا الصحابي، وإخراجه من الملة، بعد وصمه بالنفاق إلى يوم القيامة، وهو الذي شهد بدرًا وأحدًا.

يقول الإمام «الطحاوي» في كتابه:

«ونحن نحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان».

الرابط المختصر :