; الوحوش الغربية.. والخيانة الأممية.. والشياه العربية | مجلة المجتمع

العنوان الوحوش الغربية.. والخيانة الأممية.. والشياه العربية

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 20-ديسمبر-1994

مشاهدات 61

نشر في العدد 1130

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 20-ديسمبر-1994

في مُكنتك أن ترى الوحوش التي تلعق الجراح، وتمص الدماء، وتفترس الأعراض.

في مُكنتك أن ترى الشعوب وهي تُباع، وتستباح، وتقهر وتصفى، ولا مغيث من أخ كليل خائر القوى، واهن العزيمة ميت الهمة، أو مجير من صديق نفعي جبان متبلد.

في مُكنتك أن ترى الثكالى يجُبنَ الطرقات وهن هائمات، والأشلاء تطوف الشوارع وهي محمولة، والأطفال تحفر القاذورات للطعام وهي ضالة، والعيون تنظر إليك متحجرة وهي شاردة، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن الكرب شدید.

في مُكنتك أن ترى الأوغاد الذين يصفقون للقتلة، ويهتفون للظلمة.

في مُكنتك أن ترى الأمين الذئب والحامي الخائن، والمؤتمن اللص.

في مُكنتك أن ترى سرك الحضارة الغاربة، وخنازير المدنية المنهارة، وكلاب العنصريات الضالة في الغرب، وحمير الشعوب المسخرة، وأغنام الأمم المهزومة، واستنواق السلطات المركوبة في الشرق وأنت تتأمل مأساة البوسنة والهرسك.

هذه الصورة الملوثة، وهذه المشاهد المفجعة تشاهدها على ساحة الواقع المؤلم في البوسنة، فكشفت بذلك الأقنعة، وأظهرت الحقائق جلية لا لبس فيها ولا غموض، وأوضحت أنه لا شرف لمنظمة دولية، ولا أمانة عندها، ولا ضمير يحكمها، وإنما تحكمها عصابات مسلحة بكل خداع ومكر، ودهاء وخسة، ويسيرها ضمير ميت وشرف مهين، وسلطة متآمرة وانتهازيات ومصالح وأحقاد قذرة ومفضوحة، إذا استعان بها مظلوم أجهزت عليه وتآمرت ضده وخذلته، وخصوصًا إذا كان مسلمًا، فكانت كما يقول القائل:

والمستجير بعمرو عند كربته                      كالمستجير من الرمضاء بالنار

ومن عجيب أن السلطات الإسلامية ترى وتسمع وتعيش المأساة، ولا حراك، ولا إحساس، فأين دور السلطات الإسلامية لتتحمل هذه القوى مجتمعة عار التخاذل، والتقاعس الفاضح الذي يجلب الخزي والمهانة للأمة، ويطمع فيها كلاب الأرض اللاهثين وراءها، والحاقدين والمتربصين بها؟ ولتعلم تلك السلطات أنه سيأتي اليوم الذي تؤكل فيه دولها دولة دولة فتصرخ ولا معين، وتُجار ولا مغيث، وتنادي ولا مجيب، لأنها تسببت في موت الأمة ومحو الشعور، وإجهاض الأخوة والإحساس بالانتماء.

إن الشعوب الإسلامية تغلي من مشرقها إلى شرقها، ولكن لا يسمح لها حتى بالتحرك أو الإضراب، أو حتى بالاحتجاج، وهذه سوابق خطيرة ما كانت لتكون حتى ولا في عصور الظلام أو الاستعمار، ولكن يظهر أن الاستعمار العربي أشر أنواع الاستعمار وأثقله وأخزاه، وللحقيقة ما قابلت رجلًا من الشعوب العربية أو الإسلامية إلا وجدت له قلبًا يتفطر، وكبدًا يتمزق، ونفسًا تتقطع، ولكن ماذا يفعل ولا يسمح له بشيء ولا حتى بالتطوع، أو حتى بجمع السلاح وإرساله إلى المظلومين الذين يقاتلون بصدورهم وسواعدهم المكشوفة وبنادقهم المتهالكة التي لا يجدون منها إلا أقل القليل؟! ولكن ورغم ذلك نجد أنه ما أن يتاح لأي فرد مسلم فرصة أو موقف يقف فيه موقف مناصرة إلا ونجده يقف فيه موقف رجولة وإيمان وشعور بالمسئولية، فنجد مثلًا أن الوحدة «البنجلاديشية» المرابطة أمام بيهاتش وقفت للصرب دفاعًا عن بيهاتش المسلمة رغم دعوة الأمم المتحدة لها بالانسحاب، ورغم تهديد الصرب لها، ورغم أسلحة الوحدة البنغالية القليلة، وقالت كل الوحدة بصوت واحد: لن يمر الصرب إلا على جثثنا، فقلت ويل أمهم لو كان معهم حكومات. وقد رأينا بعض القوى الشعبية في مصر رغم ظروف الضغط فيها، ورغم أن العمل الإسلامي محظور فيها، ورغم ... ورغم، قد اجتمعت القوى الإسلامية فيها وبعض العلماء الغيورين منها، ونادت في الشعب فاستجاب، ودعت الأمة فلبت واستعدت، ولكن وألف لكن... لم يُسمح لها إلا بقرارات وصرخات، كان منها دعوة المجتمعين إلى ما يلي:

1- العمل على تشكيل حشود شعبية أمام السفارات الغربية لإعلان الدعم لقضية البوسنة.

2- الضغط على الحكومات العربية والإسلامية لاتخاذ مواقف أكثر إيجابية تجاه القضية.

3- رفع مذكرة من رؤساء الأحزاب والقوى السياسية لرئيس الجمهورية يطالبونه بالتدخل الحاسم لصالح شعب البوسنة.

4- جمع التبرعات واستمرار الدعم الاجتماعي والمعنوي لشعب البوسنة.

5- إرسال برقيات استنكار إلى الأمم المتحدة وحلف الناتو على تواطئهم الفاضح مع الصرب.

6- إرسال برقية للمؤتمر الإسلامي الموقر و«النائم» ليصحو من النوم، فهل يا ترى سيفعل هذا شيئًا ذا بال؟ ولكنه أضعف الإيمان وحيلة المشلول!

ولكن نحن نعلم أن هذا التخاذل الفاضح الذي لا تعذر فيه حتى الشعوب فضلًا عن الحكومات والمؤسسات الإسلامية والعربية، سيكون له آثاره المدمرة على الأمة، وعلى الذين يلعبون بالنار في مصائرها، وأهل البوسنة لهم الله، وهم باسم الله يصولون ويجولون وبإذن الله سينتصرون، وسيعلم الذين ظلموا من الشرق والغرب أي منقلب ينقلبون!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل