العنوان تحديد الأسعار من اختصاص الدولة الإسلامية (الحلقة التاسعة)
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1981
مشاهدات 61
نشر في العدد 546
نشر في الصفحة 13
الثلاثاء 06-أكتوبر-1981
التسعير هو أن تتدخل الدولة في فرض الأسعار، وفي تحديد مقدار الربح ونحن في الكويت، بأمس الحاجة لهذا التحديد، نظرا للاستغلال الذي يمارسه بعض التجار، والأصل في المعاملات في التشريع الإسلامي أن تكون حرة، أي لا يجوز للدولة أن تتدخل في إرادة المتعاقدين، وهذا هو رأي الجمهور، إلا أننا نلاحظ أن المصلحة العامة للمسلمين أحيانا تقتضي التسعير، لأن التجار كثيرًا ما يتلاعبون بالأسعار، فيحتكرون السلع الموجودة في الأسواق، ثم يفرضون سعرًا لا يبيعون بأقل منه، وعندئذ يضطر الناس إلى الشراء٠
وهذا لا شك احتكار واستغلال، وأن قواعد الشريعة وأحكامها العامة وروحها تبيح للدولة في مثل هذه الحالة أن تتدخل لتمنع هذا الاستغلال، ولتحمي مصالح الجماعة الإسلامية أمام استغلال تلك الطبقة من التجار، من أجل هذا ذهب مالك- رحمه الله- إلى جواز التسعير لدفع الضرر عن الناس. يقول ابن القيم في كتابه الطرق الحكمية: «وعلى صاحب السوق الموكل بمصلحته أن يعرف ما يشترون به، فيجعل لهم من الربح ما يشبه وينهاهم أن يزيدوا على ذلك، ويتفقد السوق أبدا، فيمنعهم من الزيادة على الربح الذي جعل لهم. فمن خالف أمره عاقبه، وأخرجه من السوق، بهذا قول مالك في رواية أشهب وإليه ذهب ابن حبيب وقال به المسيب».
ويقول د. محمد فاروق النبهان في كتابه القيم" الاتجاه الجماعي في التشريع الاقتصادي الإسلامي" : «ومما لا شك فيه أن التسعير واجب إذا اقتضته مصلحة الجماعة، لأن التسعير المنهي عنه هو تدخل الدولة حيث لا حاجة لتدخلها، أي عندما ببيع التجار بضائعهم بثمن المثل، عندئذ يعتبر تدخل الدولة لا فائدة منه، أما إذا كان التجار جشعين ومستغلين، وهددوا بهذا الجشع والاستغلال مصلحة الأمة فعندئذ يختلف الحكم، وهذا ما عبر عنه ابن القيم بقوله: التسعير منه ما هو ظلم محرم، ومنه ما هو عدل جائز، فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على بيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباح الله لهم فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعارضة بثمن المثل ومنعهم مما يحرم عليهم، من أخذ الزيادة على عوض المثل، فهو جائز بل واجب» انظر ابن القيم، الطرق الحكمية، ص ٢٩٩ كذلك انظر ابن تيمية، الحسبة في الإسلام، ص١٤.
ويقول ابن القيم أيضا: «ومن أقبح الظلم أن يلزم إلا ببيع الطعام أو غيره من الأصناف إلا ناس معروفون، فلا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم بما يريدون، فلو باع غيرهم ذلك منع وعوقب فهذا هو البغي في الأرض، والفساد والظلم يحبس به قطر السماء، وهؤلاء يجب التسعير عليهم، ولا يبيعون إلا بقيمة المثل، ولا يشترون إلا بقيمة المثل بلا تردد في ذلك عند العلماء، فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع، وحقيقة إلزامهم بالعدل ومنعهم من الظلم».
انظر ابن القيم، الطرق ١١ ص٢٨٦: كذلك انظر ابن تيمية، الحسبة في الإسلام ص١٥٩. ويضيف د. النبهان -جزاه الله خيرًا في مبحثه القيم المشار إليه آنفًا-:
«وهكذا يتبين لنا أنه يجوز للدولة الإسلامية، بل يجب عليها أن تتدخل في الشؤون الاقتصادية، فتمنع الاحتكار، وتبيع الأموال المحتكرة بثمن المثل رغمًا عن أصحابها، وتقوم بتحديد الأسعار إذا أساء التجار في معاملاتهم للناس، دفعًا للأضرار التي تلحق المجتمع من جراء ترك الأسعار مطلقة بدون تحديد، لأن مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الأفراد، وأن النصوص التي تمنع التسعير، معللة بألا تؤدي حرية الأسعار إلى الإضرار بالناس، فإذا أدت تلك الحرية إلى الإضرار فعندئذ لا خلاف بين العلماء على ضرورة التسعير» ص
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل