; حماس على طريق السلطة | مجلة المجتمع

العنوان حماس على طريق السلطة

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر السبت 18-فبراير-2006

مشاهدات 59

نشر في العدد 1689

نشر في الصفحة 22

السبت 18-فبراير-2006

الهجوم العنيف على حماس لن يزيد عن كونه ضغوطًا ينبغي على حماس الصمود أمامها خصوصًا أن الموازين الدولية لا تحتمل التحول أكثر من ذلك

الشارع الفلسطيني يعرف أن أيادي أعضاء حماس هي الأكثر نظافة وتجربة البلديات على قصرها خير دليل

لو جرى تخيير الكيان الصهيوني وواشنطن بين سلطة فاسدة من "فتح" وسلطة صالحة من "حماس" لاختارتا الأولى حتماً

تواجه حركة حماس تحديات كثيرة، بعد النصر الكبير الذي حققته في انتخابات المجلس التـشريعي الفلسطيني، فتولي السلطة وإدارة الحكم ليس التجربة الوحيدة التي ستواجهها حركة المقاومة الإسلامية، بل إن التحدي الأكبر هو الحفاظ على برنامج المقاومة الذي على أساسه انتخبها حوالي ٧٠ % من الفلسطينيين الذين شاركوا في الانتخابات.

 أكثر من طرف وأكثر من جهة حاولوا القفز إلى النتائج في الحكم على كيفية تعامل حماس مع مسألة المقاومة.

 وتساؤلات ابتدرها محبون للحركة، فضلًا عن خصوم ومراقبين بشأن موقف «حكومة حماس» المقبلة من العمليات العسكرية ضد الاحتلال الصهيوني، وكأن حماس لم تعد في طليعة المقاومين، فكان الغمز من أكثر من قناة هل ستدين حماس هذه العمليات؟ وهل ستعتبرها إرهابية؟ أي هل ستحاكي حكومة حماس مواقف السلطة الفلسطينية الراحلة التي كانت تسارع إلى إدانة أي عملية ضد الاحتلال الصهيوني؟

 مقارنة ظالمة

 المقارنة بين حكومة حماس وحكومة فتح السابقة مقارنة ظالمة، فحكومة فتح جاءت على أساس برنامج مساوم بينما حماس جاءت على برنامج مقاوم، تصريحات قادة حماس ظلت ثابتة خلال التحركات السياسية التي أعقبت إعلان نتائج الانتخابات، فالقيادة متمسكة بخط المقاومة ورفض الاعتراف بالعدو الصهيوني.

 وإذا كان رئيس السلطة محمود عباس قد أصر على أنه ماض في تطبيق برنامجه الذي على أساسه يقول إنه تم انتخابه من الشعب الفلسطيني وهو برنامج يتبنى اتفاقات أوسلو وخريطة الطريق، فإن قائمة حماس الناجحة تأتي مدعومة من الشارع الفلسطيني بصورة أقوى.. فعباس انتخبه ٦٢ % من الفلسطينيين الذين شاركوا في انتخابات الرئاسة في ٩ يناير ٢٠٠٥ بينما حازت قائمة حماس على حوالي ٧٠ % من أصوات الناخبين، علمًا أيضًا بأن حماس لم تخض انتخابات الرئاسة ولا انتخابات المجلس التشريعي الأول التي جرت في 10 يناير ١٩٩٦ وبالحسبة الديمقراطية فإن برنامج حماس يحظى بشعبية أكبر من شعبية برنامج الرئيس عباس. 

يصر قادة حماس في تصريحاتهم على أن خطابهم السياسي والإعلامي لن يتغير بعد تسلم السلطة، وإذا كانت الضغوط تتزايد عليهم لاتخاذ مواقف يصفها الخصوم بأنها مساومة وانبطاحية ويصفها أصدقاء بأنها براجماتية، فإن الواقع يقول إن هذا الهجوم العنيف على حماس لن يزيد عن كونه ضغوطًا ينبغي على حماس الصمود أمامها؛ خصوصًا أن الموازين الإقليمية والدولية لا تحتمل التحول إلى أكثر من ذلك، فقبل كل شيء من مصلحة كل اللاعبين في المنطقة تهدئة الأجواء وعدم دفع الفلسطينيين إلى الاقتتال الداخلي في حال انقلاب السلطة على العملية الديمقراطية التي أفرزت حماس ورفعتها إلى سدة السلطة.

 ولعل هذا ما يفسر حقيقة الموقف الأوروبي، فالأوروبيون الذين قالوا إنهم سيقطعون معوناتهم عن السلطة الفلسطينية في حال تسلم حماس دفة الحكم هم أنفسهم الذين طلبوا من دول - عربية وخليجية - على وجه الخصوص - أن تقوم بسد الفراغ المالي الذي سيتركه الاتحاد الأوروبي فهؤلاء حريصون رغم كل شيء على بقاء السلطة واستقرارها.

 خزائن خاوية 

صحيح أن حماس تتسلم السلطة بخزينة خاوية واقتصاد منهار وجهاز إداري مترهل يزيد على ١٥٠ ألف موظف مدني وحوالي ٦٠ ألف رجل أمن، وهي بطالة مقنعة هدفها تنفيع أعضاء حركة فتح بشكل أساسي والحفاظ على ولائهم للسلطة، إلا أن الدلائل التي أعلنها النائب العام الفلسطيني الأسبوع الماضي تشير إلى أن الأزمة المالية في السلطة يمكن ضبطها بمنع الهدر في المال العام، والضرب بيد من حديد على الذين اختلسوا أكثر من ۷۰۰ مليون دولار من خزينة السلطة.

 الشارع الفلسطيني يعرف أن أيادي أعضاء حماس هي الأكثر بياضًا، وتجربة البلديات على قصرها خير دليل، وإنجازاتهم هناك شاهد على إمكانية انتقال التجربة على مستوى أعلى وأشمل، كثيرون كانوا يزعمون أن الانتخابات البلدية لا يمكن أن تكون قياسًا على الانتخابات التشريعية، بدعوى أن الجمهور الفلسطيني يريد حماس في البلديات ولا يريدها في السلطة التشريعية أو التنفيذية، لكن تقدير الزاعمين خاب، فالناخب الفلسطيني يريد الصالحين في البلدية والبرلمان والحكومة ولا يريد الفاسدين لا في البلدية ولا في البرلمان ولا في الحكومة. 

قضايا الفساد 

وعلى ذكر قضايا الفساد التي أثارها النائب العام الفلسطيني لابد من تساؤل عن توقيت هذا الكشف بعد إعلان نتائج الانتخابات، من الواضح أن السلطة وفتح لم تكونا تريدان فقدان شعبيتهما بين يدي الانتخابات، خصوصًا أن الفاسدين والمختلسين هم من أركان السلطة والمحسوبين عليها على الرغم من أن ملفات فساد أكبر وشخصيات رفيعة في السلطة لم يتم فضحها أو تقديمها للعدالة حتى الآن.

 الموقف الأمريكي المؤيد لإسرائيل والذي طالما تغنى بضرورة محاربة الفساد ودعا إلى الإصلاح في السلطة الفلسطينية يبدو أنه متجه للتعامل مع الواقع الجديد الذي أفرزته الانتخابات الفلسطينية الأخيرة، فتصريحات الرئيس الأمريكي لم تكن شديدة تجاه حماس ولمس الكثيرون فيها مرونة مقارنة بتصريحات مسؤولين آخرين.

 في مقابلة مع «السي إن إن» قال جيمي كارتر الرئيس الأمريكي الأسبق إنه على الرغم من وصف حماس بالمنظمة الإرهابية فإنه لا يوجد أي شكوى أو اتهام بالفساد ضد أعضائها المنتخبين. 

الرئيس كارتر لم يفته أن يقارن رفض حماس الاعتراف بإسرائيل بالوضع الذي كانت عليه منظمة التحرير الفلسطينية أثناء المفاوضات مع إسرائيل حيث كانت المنظمة تعتبر إرهابية أثناء توليه الرئاسة الأمريكية كما قال. 

سلطة صالحة 

ولا يعني هذا الحث الأمريكي على الإصلاح في السلطة ومحاربة الفساد حرص الإدارة الأمريكية على حياة الفلسطينيين وتحسين ظروفهم وأوضاعهم فهذه الإدارة ومن ورائها إسرائيل لو جرى تخييرهما بين سلطة فاسدة من فتح أو سلطة صالحة من حماس فستختاران الأولى حتمًا.

 ولم نضرب هذا المثل إلا لتأكيد أن الإدارة الأمريكية والمسؤولين الأمريكيين يدركون أن حماس غير متورطة في قضايا فساد، ووزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس تعرف ذلك أكثر من غيرها، فهي قبل شهور طلبت من مستشاريها توصية عن أسلم طريقة لتوصيل المساعدات الأمريكية إلى الفلسطينيين دون أن تتعرض للسرقة أو الاختلاس، وقد أجمعوا على أن ذلك لا يمكن أن يكون إلا عن طريق المؤسسات الاجتماعية التي تدعمها أو تديرها حركة حماس في الضفة الغربية وقطاع غزة. 

موضوع محاربة الفساد لن يكون بالتأكيد محددًا للسياسة الأمريكية تجاه حماس السلطة، لكنه جبهة قوية تستند إليها حركة المقاومة الإسلامية في صراعها من أجل البقاء في هذه السلطة؛ إذا أرادت الأطراف المختلفة المضي قدمًا في لعبة الديمقراطية؛ حفاظًا على استقرار الأوضاع في الضفة الغربية وقطاع غزة فتكرار تجربة الجزائر بالانقلاب على حركة حماس لن يكون سهلًا وسيكون ثمنه دون شك حربًا أهلية فلسطينية وفتح كل الجبهات ضد العدو الصهيوني.

مقاطعة السلطة 

المتشائمون من خيارات حماس في السلطة يتناسون أن إسرائيل نفسها مأزومة أيضًا من تولي حماس دفة السلطة الفلسطينية فهي أمام خيارات ضيقة تتمثل في مقاطعة السلطة واللجوء إلى الحل من جانب واحد في الضفة الغربية، مثلما حدث في قطاع غزة، إضافة إلى وقف تحويل أموال العائدات الجمركية، وهي خيارات بعضها يريح حماس ويزيح عنها عبئًا كبيرًا، وبعضها الآخر يمكن التغلب عليه ولو بصعوبة.

 ولعل استهداف قوات الاحتلال الصهيوني لكوادر من سرايا القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامي ومن كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح في الفترة الأخيرة - دون استهداف كتائب القسام التابعة لحماس - أحد الخيارات الضيقة أمام إسرائيل التي تسعى من وراء ذلك إلى تحييد حماس وضرب شعبيتها الكبيرة في الشارع الفلسطيني. 

تحديات صعبة في انتظار حماس السلطة لكنها ليست مستحيلة.

الرابط المختصر :