العنوان أمهاتنا (4) .. خديجة بنت خويلد «رضي الله عنها» .. الكاملة... الطاهرة
الكاتب إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 10-سبتمبر-2011
مشاهدات 57
نشر في العدد 1968
نشر في الصفحة 54
السبت 10-سبتمبر-2011
- زوج النبي ﷺ وأم أولاده.. حري بنا أن نحبها وأن نسمي بناتنا باسمها تيمنا بها.
- كانت نعم الزوجة لزوجها .. فقد فرغته لربه حتى يُصنع على عينه ويتم الاصطفاء.
- حين نزل الوحي على النبي ﷺ كانت المؤمنة الأولى دون تردد وأنزل الله تعالى على قلبها الثبات الذي ظهر في تعاملها مع الأمر بحكمة فاقت الخيال.
- إلى كل زوجة عاملة : لا يمنعك عملك من رعاية ولدك وحسن التبعل لزوجك.. فقد كانت خديجة زوجة عاملة وهي داخل بيتها.
حين أبدأ حديثي عنها يتوقف اللسان عجزا عن وصفها وحينما يخط القلم حروفه على استحياء لبيان فضلها تتصارع حروف الكلمات خشية ألا توفي حقها، فوالله إن حقها على الأمة الإسلامية لعظيم، وفضلها أكبر من أن يحكي عنه إنسان، لكن النية من وراء الحديث عنها تشفع لنا إن نسينا أو أخطأنا، والحب الذي نحمله لها بين جوانحنا هو الدافع لذكرها والتنعم بصحبتها من خلال سطور هذه الكلمات.
لقد كملت حين نقصت النساء، وآمنت إذ كفر الناس، وواست في زمن الغربة، وأنفقت حين عَزّ الإنفاق، وصدقت يوم كان التكذيب هو السمة السائدة في ذلك الزمان، وكانت الحضن الدافئ لنبينا ﷺقبل أن يُبعث، ثم للرسالة الربانية التي رفع الله بها قدرها وأعلى ذكرها .
إنها أمي وأمّك، السيدة خديجة رضي الله عنها ، زوج النبي ﷺ ، وحبيبته، وأم أولاده وشريكة دعوته وقرينة كفاحه المبشرة من فوق سبع سماوات ببيت في الجنة لا صخب فيه ولا نصب الداعية إلى الله تعالى.
الطاهرة .. سيدة نساء قريش
هي أمنا خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى كنيتها أم هند، ويلتقي نسبها بنسب النبي ﷺ عند جدهما الرابع قصي، أما أمها فهي أم فاطمة بنت زائدة، وقد ولدت خديجة بمكة قبل عام الفيل بخمس عشرة سنة.
وقد تزوجت مرتين باثنين من سادات العرب وأشرافهم، وهما عتيق بن عابد المخزومي وولدت له هندا، ثم مات عنها فتزوجت أبا هالة التميمي وولدت له بنتًا وولدًا.
وكانت السيدة الأولى في المجتمع آنذاك حيث توصف بسيدة نساء قريش ولم يمنعها شرفها أن يكون لها دور في المجتمع الذي يضمها وهي ذات المال والثروة لذا نراها تشارك في دوران مالها ونمائه بالتجارة، ولم تكن لتبذره هنا وهناك، بل كان لها تأثير في دفع عجلة الحياة الاقتصادية بتجارتها الكبيرة في وقت كانت غالبية النساء لا رأي لهن ولا كلمة ولا ذمة مالية، وكانت تجارتها ميمونة عليها ومن الأسباب التي جمعت بينها وبين النبي ﷺ حيث قال له عمه أبو طالب ذات صباح: «يابن أخي، أنا رجل لا مال لي، وقد اشتد الزمان علينا وألحت علينا سنون منكرة، وليس لنا مال ولا تجارة، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة تبعث رجالا يتجرون في مالها ويصيبون منافع، فلو جئتها لفضلتك على غيرك لما تعلم من أمانتك وطهارتك ...».
الزواج المبارك
- يا محمد : ما يمنعك أن تتزوج؟
-«ما بيدي ما أتزوج به».
- فإن كفيت ودعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاءة فهل تجيب؟
كانت هذه كلمات الصديقة المخلصة «السيدة نفيسة بنت منبه» تخطب بها ودّ النبي ﷺ، وتشير إلى رغبة صديقتها خديجة في الزواج منه بطريقة راقية، وفعلا تم القبول وكانت العروس في الأربعين من عمرها بينما كان النبي ﷺفي الخامسة والعشرين، ولم يكن فارق السن أو المستوى المالي بالعقبة التي تقف في طريق الزوجين فالكفاءة الأخلاقية تتحطم أمامها كل العقبات، لذا فقد تم الزواج على بركة الله بيسر وسهولة وذلك من يُمنها وبركتها فتزوجت الطاهرة سيدة نساء قريش من الصادق الأمين خير فتيان مكة، فكانا نعم العروسان، لتبدأ خديجة رحلتها ويظهر صدق معدنها النفيس مع الزوج قبل أن يُبعث.
الزوجة الصالحة
كانت خديجة نعم الزوجة لزوجها، فقد فرّغته لربه حتى يُصنع على عينه ويتم الاصطفاء، لم يكن وجود الأولاد بالعائق الذي يحول بينها وبين زوجها ، ولا بينها وبين رسالته التي لن تبدأ إلا بالخلوة الروحية واقترانها في بعض الأوقات بالخلوة الجسدية، حيث حُبب إليه التعبد في غار حراء شهرا كاملًا من كل عام، فكانت خير معين له بعد الله على أن ينأى بنفسه عن الحياة العابثة التي يعيشها الناس من حوله، حيث تمور دنياهم وتصخب بالانحطاط العقلي والخواء الروحي، وتطفح بالأوثان والخمور والميسر والنساء، وتنقضي باللهو واللغو ،والعبث ولا تخلو من الكدر والشوائب والإعاقات، وكثيرًا ما تتأجج بالعصبية والقبلية البغيضة التي لا بد من اعتزال مجتمعها ولو لزمن يسير.
المؤمنة.. الحكيمة
وحين نزل الوحي على النبي ﷺ كانت خديجة المؤمنة الأولى دون تردد، وأنزل الله تعالى على قلبها الثبات الذي ظهر في تعاملها مع الأمر بحكمة فاقت الخيال، وظهر ذلك في حُسن صنيعها وذكر زوجها بكل جميل وحسَن تثبيتا لقلبه «كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق»«البخاري» ، وفي أوقات المحنة يظهر صدق المحبة، وفي أوقات الشدة يتجلى دور الزوجة وعند المواقف الصعبة تظهر النوايا وتتكشف، وتفصح عنها الأقوال والأعمال، فهل يعي الأزواج والزوجات ذلك؟ وإنه لمن الأجدر بكل مسلم أن يحيا مع سيرة أمه الأولى خديجة رضي الله عنها، وتالله سيسعد ويفوز؛ لأنه سيخرج من تلك الدورة التربوية بدروس عظيمة لا حصر لها ، هي أكبر من أن تدونها هذه السطور، إنها دروس لكل مسلم مهما كان دوره وحاله، فقد جمعت خديجة بين جميع الأحوال في منظومة فريدة من نوعها قل أن توجد في عالم الإنسان، وإذا ما فتحنا كتاب حياتها خرجنا منه بشتى العبر هي إذا رسائل ترسلها لنا سيرتها العطرة على طول الطريق.
رسائل قصيرة من سيرتها
إلى كل زوجة عاملة، لا يمنعك عملك من رعاية ولدك وحسن التبعل لزوجك، فقد كانت خديجة زوجة عاملة وهي داخل بيتها .
إلى كل زوجة ذات مال ويسار، لا تبخلي بمالك في عون زوجك فهو أحق الناس ببرك وصلتك .
إلى كل زوج، لا ضير إن كنت تعمل في مال زوجك وتنميته بالطرق المشروعة ولا حرج أن تشاركها بجهدك فقد باشر النبي ﷺتجارة زوجه خديجة وعمل فيها فكان خير راع لها وأمين إلى كل من مات عنه ولده، اصبروا واثبتوا فقد فقدت أمنا خديجة ولديها القاسم وعبدالله فصبرت واحتسبت.
إلى كل من يرى الحق ويتردد في قبوله والالتزام به هذه أمك خديجة كانت المؤمنة الأولى بالله ورسوله ﷺ.
إلى كل من تقاعس عن العمل في سبيل الله وبخل بماله وجهده، هذه أمك خديجة عملت وأنفقت ودعمت وثبتت وجاهدت.
إلى كل من ضعف في دعوة الحق دع عنك الضعف والخور فهذه أمك خديجة حوصرت في شعب أبي طالب وماتت شهيدة من أثر حبسها ، فصبرت وما وهنت.
إلى كل زوجة تريد القدوة، خذيها من أمك خديجة فى حسن الرعاية للزوج، فقد كانت تعيش همه وتشاركه هدفه، وتذكر محاسنه، وتعدّد مزاياه.
إلى كل من تريد الوصول إلى قلب زوجها هذه أمك خديجة انظري ما فعلت حتى رزق حبها وسمى عام موتها بعام الحزن.
إلى كل من رزقت الذرية وتريد أن توازن بين حق الزوج وحق الولد اتخذي من أمك خديجة القدوة في ذلك.
إلى كل من تقدم لخطبتها صاحب الدين والخلق لكنه قليل المال، تزوجيه على بركة الله، ولا يكن الأثاث والرياش والبيت والسيارة في قمة أولوياتك، وسيغنيه الله من فضله، وخذي قدوتك من أمك خديجة.
جزاء الإحسان
لقد خلد الله تعالى ذكر أمنا خديجة فدخلت تاريخ البشرية من أعظم أبوابه، حيث كانت لنبيناﷺالزوج والأم والأخت والجار والصاحب والصديق، فعاملها بإحسانها إحسانًا وزيادة، وفي هذا رسالة لكل زوج يقدر جهد شريكته فلا ينسى معروفها ولا يجحد فضلها في حياتها ولا ينساها صلى الله بعد مماتها، وها هو يؤكد فضلها إلى يوم الدين، روت عائشة رضي الله عنها : كان النبي ﷺ إذا ذكر خديجة أثنى عليها بأحسن الثناء، قالت: فغرت يومًا فقلت: ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدقين قد أبدلك الله خيرا منها، قال: «ما أبدلني الله خيرا منها، وقد آمنت إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وآستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء أيضًا» «ابن كثير، البداية والنهاية».
وظل وفيا لها بعد مماتها.. تقول عائشة: ما غرتُ على نساء النبي ﷺإلا على خديجة، وإني لم أدركها . قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا ذبح الشاة فيقول «أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة»، قالت: فأغضبته يومًا فقلت: خديجة؟
أفضل نساء أهل الجنة
هذه هي خديجة زوج النبي ﷺ ، أم أولاده القاسم وعبدالله «سمي بالطيب والطاهر» وزينب ورقـيـة وأم كلثوم وفاطمة، حري بنا أن نحبها وأن نسمي بناتنا باسمها تيمنا بها .
وقد ظلت رضي الله عنها الزوجة الوحيدة في حياته حتى توفيت بمكة قبل الهجرة بثلاث سنوات، ودفنت بالحجون، ونزل رسول الله ﷺ قبرها ودفنها بيده.
بشرها النبي ﷺ بـالـجـنـة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة قال: «أتى جبريل النبي فقال : يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها، ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب «لؤلؤ» مجوف لا صخب فيه ولا نصب»، وقال عنها: «أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون»«أحمد».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل