العنوان إحياء فقه الدعوة (الحلقة 50)
الكاتب محمد أحمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 11-سبتمبر-1973
مشاهدات 94
نشر في العدد 167
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 11-سبتمبر-1973
إحياء فقه الدعوة
الحلقة 50
يكتبها محمد أحمد الراشد
زمرة القلب الواحد
عهود متكاملة تلك التي يلتزم الدعاة بها، لا ينفك بعضها عن بعض، ولا يتجزأ.
فهم يعلنون ميثاقهم مع أول قدم:
الكفوف في الكفوف
فاشهدوا عهودنا:
الثبات في الصفوف
والمضاء والفنا
فكما أنهما المضاء والفناء تسرع إليهما عصبة الدعاة الفقهاء، عبر جهاد مستبصر، فإنها الطاعة الواعية، والثبات في صفوف لا تسمع خلالها لاغية.
وكما أن الإيمان بالجنة يدفع إلى سباق في الجهاد، فإنه أيضا يدفع إلى سباق آخر في الطاعة والحب الأخوي والصفاء القلبي، بين أفراد الجماعة المسلمة، كل يحرص على أن يكون ضمن المقدمة السابقة، والزمرة الأولى التي تدخل الجنة، بما كان لهم من الوحدة، وأنهم- كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم-:
«لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد» (۱)
فهي طاعة تبغي أن تصيب هذا الصفاء، وتنسب صاحبها إلى هذه الزمرة الفائزة، من الإيمان تنطلق، وبقواعده تسترشد، وإليه تعود، وليست هي استكانة خاضع راهب، ولا تملق طامع مصلحي راغب.
إنها طاعة إسلامية مميزة، ليست ككل طاعة، يعتبرها الدعاة ركنا في إيمانهم، لا كمال له بدونها، ويعتوره النقص بفقدانها.
قوم يرون الحق نصر أميرهم
ويرون طاعة أمره إيمانا
ولذلك يسوغ من أجلها اتهام العقل عند اختلاف الاجتهاد، والضغط على القلب عند نداء الرغبات، حفظا لهذا الإيمان من أن ينثلم.
فتور ذي أخلاط
وما دامت هذه الطاعة قد انتسبت إلى الإيمان، فإنها معرضة لما يتعرض له الإيمان من الزيادة والنقص، فإن الإيمان يزيد وينقص كما يقول جمهور المحدثين والفقهاء، وأصبحت ككل عمل إيماني، يعلو فيصل الأوج والذروة أحيانا، اعتقادا وممارسة، وينحدر متضائلا تارة أخرى، والفائز من لا يغالي عند التعالي، ولا يسرف عند الهبوط، بأن يلزم هدي السنة النبوية الشريفة، كما قال النبي- صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح من أنه:
«لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى» (۲)
وفي لفظ آخر صحيح أيضا:«فمن كانت شرته إلى سنتي فقد اهتدى» (۳)
والشرة: هي بلوغ أقصى الجد والاجتهاد والحرص على الإتقان.
والفترة: هي الفتور، أي التراخي من بعد الجد، والجنوح إلى الكسل، والسكون، وإيثار الدعة، والراحة.
والطاعة من هذا الكل، لها شرة وفترة، وتتضح صورها للمؤمن أو تغبش وتقييد الطاعة المتصاعدة بالعزة السنية والحيلولة دون تحولها خنوعا وذلا جمال إنما يكمله جمال آخر يمسك بزمام رغبة التفلت الجامحة, ويمنع تأديتها إلى تسيب وتفرد وافتتان يحرم مقترفه أجر العمل الجماعي، ويمنعه ولوج الجنة مع تلك الزمرة، ويظل هذان الجمالان يتألقان حتى يغدو وجه الواحد من المؤمنين الذين مع تلك الزمرة على هيئة القمر البدر ليلة تمامه، كما أخبر الرسول- صلى الله عليه وسلم- في نفس الحديث الآنف.
من هنا كان فحص القلب واجبا؛ ليعرف المؤمن درجته من الزيادة والنقصان، فيحمد ربه أو يستدرك هنا كان نداء الجنيد رحمه الله أن:
«أنظر ماذا خالط قلبك؟» (٤)
فسماها أخلاطا، أي أنها شوائب، تعكر الصفاء، وتوهم بالاطمئنان في غير موضع الرجاء.
أخلاط مردية، تغر وتخدع، تعطيك الصورة، وتمنعك الحقيقة، وتطرحك أرضا من بعد شرة، وتسرق منك هوية الانتساب إلى زمرة القلب الواحد.
فتعرف عليها معنا، في جولة فقهية، نكفك بالعلم شر الجهل.
وداد وانتماء
وإنما يساعدك على التعرف الإنصاف، فإنك مجاهد، والمجاهد حر رفض الذل فتحرك، وللحر سمات وطباع، ذاك السير إلى العز أولها، وليس بكلها، وكما أن الحر به يعرف، فإنه برد الجميل من بعده ينخلع عن نوع من خلق العبودية ويصرف، وذلك الذي أشار إليه الإمام الشافعي حين يقول:
«الحر من راعى وداد لحظة، أو انتمى لمن أفاده لفظة» (ه)
وهذه الدعوة علمتك دهرا معنى الوداد، وأفادتك كل الألفاظ لا مجرد لفظة، فإن كنت حرا راعيت ودادها، وأخلصت لها، وابتعدت عن فتن تتربص بها، وإن سلبك الانتصار للنفس حريتك فشأنك وما اخترت.
ولا ينتصب أحد لفتنة من بعد ستر، ولا يكسل كسلان فينقطع ويترك ويستبدل أصحابا بأصحاب، إلا لنقص معنى الحرية فيه، وإلا لتقمصه بعض أثواب عبودية الدنيا.
وما ثبت داعية على الطريق وازداد بذلا وإيثارا إلا لاكتمال معنى الحرية والوفاء فيه، ومراعاته الوداد وما أرشد إليه الشافعي من الانتماء.
وإنه معدن الأخلاق والعفة تحرص عليه قبل أن يكون شرط علم وكفاية إدارة، وكانت الطاعة من قبل في جمهرة الدعاة تتحرى عفة القائد قبل أن تسأل عن خبرته في السياسة، فقال الشاعر:
سكن الدعاة إلى أمير سلامة
عف الضمير مهذب الأخلاق
أعطته صفقتها الضمائر طاعة
قبل الأكف بأوكد الميثاق
وکلا نريد، خلق وخبرة، ولكن ميزان الدعاة في أحكام التفاضل يقدم ويؤخر بعيدا عن أعراف السياسة، يعلمون أن الخلق تقوى، وأن التقوى باب الوعي، بوجودها يتعلم الساذج، ويلهم الصواب إلهاما.
ثم إنه تأديب شامل يجبر الحر على دوام الانتماء إلى الدعاة الذين ربوه، وما هي لفظة عابرة.
فإن دعاة غزو الفكر
بهم هدى الشرق والمغرب
وفي أدب منهم ما نشأت
ونعم لعمــــــــرك مـا أدبوا
وقد حفزك القرآن إلى أن تقيس المؤدب المربي على توقير المسلم للرسول- صلى الله عليه وسلم- لما قال الله تعالى:﴿لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ (النور:63) « فلا بد من امتلاء القلوب بالتوقير لرسول الله- صلى الله عليه وسلم-، حتى تستشعر توقير كل كلمة منه وكل توجيه، وهي لفتة ضرورية، فلا بد للمربي من وقار، ولا بد للقائد من هيبة.
وفرق بين أن يكون هو متواضعًا هينا لينا، وأن ينسوا هم أنه مربيهم فيدعوه دعاء بعضهم لبعض، يجب أن تبقى للمربي منزلة في نفوس من يربيهم يرتفع بها عليهم في قرارة شعورهم، ويستحيون هم أن يتجاوزوا معها حدود التبجيل والتوقير» (٦)
ولا تقولن: فلان من أترابي، أو: هو متأخر عني، لم يربني، فربما أسدي لك نصيحة يوما ما عصمتك، ورب ناشئ لم يعرف الدعوة إلا هذا اليوم، ترى من حماسة ما يعديك، ويستفزك للخير، وكل ذلك تربية، يطلب منك لمثلها الوداد.
الإمارة الناصحة سباقة
ولا شك أنه واجب مزدوج وحرص ينبغي أن يصدر عن كلا الطرفين، قيادة تسبق، وداعية يطيع.
فالقيادة يجب أن تكون سابقة لمجموع الدعاة في طرحها للاجتهاد الذي يقتضيه تطور الأوضاع، وفي تنسيقها لدروس التجربة، فإن من لم تسعفه بفقه واضح سيدور دوما مع الخطأ، ويراوح في مكان محصور، وليس لك من سبيل لوم، وإلا أرهقته من أمره عسرا.
والقيادة من بعد يجب أن تكون سابقة في توفير مناخ العمل للجميع وفقا لتطور كفاياتهم ونمو آمالهم وتوسع آفاقهم، وإلا فإن من لم تصرف طاقته في دروب الخير المستقيمة سيبددها في متاهات الشر، أو يجمعها, ليعصف بك وكل ذلك من كمال معاني النصح والجهد الواجبة على كل أمير في قول النبي- صلى الله عليه وسلم-: «ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجاهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة»(٧)
إنها طاقة هائلة تتمثل في كل جيل من الدعاة، أما أن يجاد استخدامها وإلا ضغطت وهدمت، بطغيان وفتن وتهورات.
هو السيل إن واجهته انقدت طوعه
وتقتاده من جانبيه فيتبع (۸)
فأمر الطاقة المعطلة المحبوسة كالفيضان والسيل تماما، يكون خيرا لمن عرف شق الجداول للاستفادة منه، وضررا لمن أهمل، فكل جيل سيل، بيدنا أن نجعله مفيدا أو نتركه يضر.
التحريش الغامض
وكان هذا هو السر الكامن فيما قرره القرآن الكريم من تفرق المسلمين وجعل بأسهم بينهم إذا تركوا الجهاد، فإن في الجهاد تصريفا للطاقة في دروب الخير، تتحول لتستهلك نفسها إذا حصرت، وفي قوله تعالى:﴿إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ (التوبة: 39). إيماء جلي إلى هذا المعنى.
قال ابن تيمية في تفسيرها:«قد يكون العذاب من عنده، وقد يكون بأيدي العباد، فإذا ترك الناس الجهاد في سبيل الله فقد يبتليهم بأن يوقع بينهم العداوة حتى تقع بينهم الفتنة كما هو الواقع، فإن الناس إذا اشتغلوا بالجهاد في سبيل الله جمع الله قلوبهم وألف بينهم، وجعل بأسهم على عدو الله وعلوهم، وإذا لم ينفروا في سبيل الله عذبهم الله بأن يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض» (۹)
وقديما قال أهل المثل: «العسكر الذي تسوده البطالة يجيد المشاغبات»
فإنما يكون تحريش الشيطان في مجالات الركود، ولئن انجى الله المصلين من عبادة الشيطان، فإنه سبحانه قد ترك له مجالا للتحريش، كما قال النبي- صلى الله عليه وسلم-:«إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم» (١٠)
لا يقول لهم: هذا تحريش، وأنا شيطان، وإنما يلبس لباس الزاهد العابد، ويتكلم بفصاحة الناصح الأمين، حتى إذا خدع وأوهم، وفرق وأبهم: ولى مقهقها وهم يبكون هكذا دائما أسلوب الشيطان:«يعرض الشر في معرض الخير، والتمييز في ذلك غامض، وأكثر العباد به يهلكون» (۱۱)
لا خير في طاعة هاوية
وإنما يعصي الشيطان بمبادرة من الداعية يجدد فيها عزم على الطاعة، فإنه هو المسؤول عن هذه المبادرة، وإليه يتوجه الخطاب، وإن ظن أن في الطاعة تفويتا لصواب يعتقده، فإنما يبني كيان الجماعات والجيوش والدول على هذا التنازل من الأكثرية لقلة ترسم الطريق وتقود، كافرها ومسلمها، في القرون الأولى وفي المستقبل.
ومن أحدث ما قرأنا عن شروط انتصار الجيوش كلام القائد الإنجليزي مونتغمري، المنتصر في العلمين على رومل، حين يقول في مذكراته:
«إنني أدخلت عنصرا هاما في نظام العمل، وهو أن أوامر القيادة يجب ألا تناقش من قبل الضباط الصغار، كما لاحظت عادة في كثير من الحالات، لأنه متى كثرت الخطط لا بد أن يفشل الجنود، لكونهم غير واثقين من صوابية خطة واحدة» (۱۲)
فكثرة الإدلاء بالآراء تسبب الخلاف، فالجدال، فتضييع الوقت، فاختلاف القلوب، ففقدان الحماس، فالوهن والتراجع.
عندئذ تكون الطاعة محكومة بالهوى، يطيع المطيعون فيما وافق مذاهبهم وكان الأمر عليهم خفيفا، ويعصون إن خولفوا وكان الأمر عليهم ثقيلا.
«يسارعون إلى الطاعة فيما يحبون، ويبطئون فيما يكرهون، فإن امتحنوا بأمر يكرهونه وفيه صلاح الجماعة عذروا وولوا، أو أطاعوا كارهين، وامتثلوا ساخطين.
وإنما أداء الواجب أن تؤديه في المنشط والمكره، وتصدع به فيما تحب وتبغض، وأن تتلقاه عزيمة لا رخصة فيها، وحزما لا تردد فيه، وجدا لا هوادة لديه، حتى لا يكون للرأي فيه تردد، ولا للهوى فيه خيار، وهو الواجب تلقاه راضيا، وتمضي به مقدما، وتحتمله صابرا، وهو حلو عندك، وإن أمر، ونافع، وإن بك أضر هكذا تمضي الجماعات والأحاد بواجباتها، غير معذرة فيها، حتى يكون أداء الواجب ديدنا لا مفر منه، وعزما لا محيص عنه.
ذلكم قياس الصدق في الآحاد، وميزان الإخلاص في الجماعات» (۱۳)
وإنما تلك الطاعة الهاوية بقية من خلق بني إسرائيل يربا المؤمن بنفسه عنها، فإنهم طلبوا القتال في سبيل الله ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ (البقرة:246).
«سمة خاصة من سمات بني إسرائيل في نقض العهد، والنكث بالوعد، والتفلت من الطاعة، والنكوص عن التكليف، وتفرق الكلمة، والتولي عن الحق البين، ولكن هذه كذلك سمة كل جماعة لا تنضج تربيتها الإيمانية، فهي سمة بشرية عامة لا تغير منها إلا التربية الإيمانية العالية الطويلة الأمد، المعيقة التأثير، وهي- من ثم- سمة ينبغي للقيادة أن تكون منها على حذر، وأن تحسب حسابها في الطريق الوعر، كي لا تفاجأ بها، فيتعاظمها الأمر، فهي متوقعة من الجماعات البشرية التي لم تخلص من الأوشاب، ولم تصهر ولم تطهر من هذه العقابيل» (١٤)
من أجل ذلك كانت التربية على الطاعة من أساس دعوتنا، فأوضح الإمام المرشد أن طريقنا يعتمد على:«التكوين: باستخلاص العناصر الصالحة لحمل أعباء الجهاد وضم بعضها إلى بعض» «والدعوة فيه خاصة» لا يتصل بها إلا من استعد استعدادا حقيقيا لتحمل أعباء جهاد طويل المدى، كثير التبعات، وأول بوادر هذا الاستعداد: «كمال الطاعة» والشعار في هذه المرحلة: دائما «أمر وطاعة»، من غير تردد، ولا مراجعة، ولا شك، ولا حرج» (١٥)
_________________________________________________________________________
(۱) صحيح البخاري 4/143 - «٢ - ٣» مسند الإمام أحمد، وصححه أحمد محمد شاكر
(٤) حلية الأولياء 10/279
(٥) أورده الشيخ أبو غدة خلال تحقيقه لرسالة المسترشدين للمحاسبي /١٤٢
(٦) الظلال 18/127
(٧) صحيح مسلم 1/88
(8) الأغاني 16/393
(٩) مجموع فتاوى ابن تيمية 15/44
(١٠) صحيح مسلم 8/138
(١١) إحياء علوم الدين 3/29
(١٢) مجلة «الحوادث» اللبنانية عدد ٨٦٥ الصادر في 8/٦/1973
(١٣) الشوارد لعبد الوهاب عزام / 116 مع حذف
(١٤) الظلال 2/226
(١٥) المجموعة / رسالة التعليم / ١٦
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل