العنوان الفضائيات العربية فتحت الأجواء لكل ريح
الكاتب حاتم حسن مبروك
تاريخ النشر السبت 15-سبتمبر-2001
مشاهدات 63
نشر في العدد 1468
نشر في الصفحة 44
السبت 15-سبتمبر-2001
الآثار السلبية للفضائيات.. كيف يمكن تداركها؟
كشف الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل في مقال أخير له، عن تقرير أمريكي خطير عنوانه «الملاحة في بحور عاصفة» يتضمن نصائح للرئيس بوش بشأن التعامل مع الصراع مع الصهيونية، أهم ما فيه أنه يعمل على تيئيس العرب من خيار الحرب، وردع الخارجين على سياسة واشنطن وتشجيع المعتدلين العرب على الحديث المستمر عن السلام دون الاقتراب من تحقيقه.
مجموعة العمل الأمريكية التي كتبت التقرير ضمت ٤٠ وزيرًا وسفيرًا وخبيرًا، وكتبته في ٨٠ صفحة، تعرض فيه للرئيس الأمريكي صورة ما تغير في الأفق الاستراتيجي في المنطقة العربية والذي تمثل في ثلاثة إنجازات في عهد الرئيس الأسبق «بوش الأب» وهي:
1- فتح الطريق أمام سلام شامل في المنطقة بعد مؤتمر مدريد ۱۹۹۱م، وتوابعه الخ.
۲- تحقق مطلب استراتيجي مهم وهو ضمان أمن الخليج وموارده البترولية الحيوية، وإجراء فصل كامل بين الداخل والساحل في العالم العربي، أي عزل الخليج عن الشام، وتحصين أمن الخليج بصورة حاسمة، والتأكد من فصل شؤون البترول عن قضايا الصراع مع الصهيونية وتعويد الرأي العام العربي على وجود قوات أمريكية في المنطقة دون أي اعتراض.
3- أن العالم العربي بدأ يقبل عمومًا بأهم ظواهر العولمة كصيحات اقتصاد السوق، وإعادة هيكلة الاقتصاد، وانفتاح شهية المستهلكين العرب الأنواع من السلع الاستهلاكية الغربية، دون مقاومة تذكر.
والأهم هنا... أن الفضاء العربي وقع فيه كسر القبضة أي دولة عربية تتصور أنها تستطيع التأثير في الخارج، أو السيطرة داخل بلد واحد. وذلك لأن الفضائيات العربية الناطقة باللغة العربية فتحت الأجواء العربية لكل ريح من أي اتجاه.
وفي هذا المنحى الإعلامي المهم والخطير والمؤثر في عقول وأخلاقيات وتصورات المشاهدين حدثت أمور خطيرة يذكرها التقرير وهي:
1- أنهت الفضائيات العربية قدرة أي حدث يقع في العالم العربي -مهما كانت خطورته- على تعبئة رأي عام متماسك وقوي لماذا؟ لأن تلك الفضائيات حولت الوعي العربي إلى ثقوب يتسرب منها بالليل ما يجيء به النهار ونحتاج هنا لضرب الأمثال فالواقع يغني عن السؤال والأفلام والمسلسلات والأغاني الهابطة تمحو أي فضيلة.
2- سببت الفضائيات حالة استغناء بمشاهدة الصور -على الشاشة- عن المشاركة بالفعل أو الفكر أي: تابع أيها المشاهد للأحداث الجارية في العالم بعينيك، ولا داعي أن تتفاعل أو تثور نخوتك لما يحدث لإخوانك في فلسطين أو كشمير أو الخ.
3- ربطت الفضائيات المشاهد العربي إلى حكايات الماضي فانشغل بها، لأنها وافقت نزعة الموروث الشعبي عنده للقصص والحكايات وبتضارب القصص والحكايات فقد المشاهد العربي الثقة في أي مرجعية. وهذا ما يحدث حين يجري تصوير الأفلام التي تتحدث عن تاريخ المسلمين -إلا القليل- فهم دائمًا مستضعفون أذلاء، فقراء مع سطوة الكفار وقهرهم للمسلمين وهي تصور القيم الفاضلة، والأخلاق الكريمة كأنها من تراث الماضي فقط لا علاقة لها بالحاضر، ولا تقدم مواد درامية تتحدث عن المسلم وهو يصلي أو يصدق في معاملاته في الواقع المعاصر إلا نادرًا وهو أمر خطير يجب تداركه من المخلصين خاصة.
4- المحصلة النهائية أن هذا المناخ هيا فرصة سائحة ولعلها مثالية لعملية هدر عقلي ونفسي تغرق فيه الإرادة العربية وتجعلها تدوخ في دواماتها، وكان هذا مطلبًا عزيزًا لقوى دولية عديدة وقد نالته أخيرًا سواء بذكائها أو بغفلة غيرها.
- هل كانت تلك الفضائيات في معظمها صدى للواقع العربي الذي تبث منه؟
- هل ربطت المشاهد العربي أو الإسلامي بتراثه وعقيدته أم أنها شوهت ذلك، وقدمت له غثاء الغرب والشرق الأقصى، بجانب المواد الخليعة، والأفكار المنحرفة؟
- هل قامت بربط المشاهد بقضايا الأمة المصيرية، وعملت على توحيد الأمة ثقافيًا؟ أم أنها ربطته بالمواد المثيرة جنسيًا، وشرحت له السلوكيات المنحرفة أخلاقيًا؟
لقد تحولت معظم تلك الفضائيات إلى بث مواد شائهة تافهة، وحديث فارغ، وأفلام ومسلسلات وأغاني فيديو كليب معظمها يهدم أكثر مما يبني، ويفسد أكثر مما يصلح، ولم تعرض المبادئ والأفكار الإسلامية بصورة صحيحة، بل إن بعضها يحارب الالتزام بمبادئ الدين، ويسخر فيها من الرجل الملتزم بدينه وببعض الرموز التي تمثل صورة من صور المسلمين كإمام المسجد، والمأذون الذي يعقد عقود الزواج.
لقد قدم بعض تلك القنوات خدمات خطيرة الأعداء الأمة العربية والإسلامية، وجعل ليلها غناء ورقصًا ومجونًا، ونهارها نومًا طويلًا بدون جهد يذكر في عمل مثمر ينفع الأمة أو عبادة تدخر ليوم عظيم، مما أثر سلبًا على تحصيل التلاميذ في مؤسسات التعليم المختلفة.
والمطلوب أن يضغط أهل الرأي والفكر في الأمة على القائمين على تلك الفضائيات التغيير سياساتها المعوجة، ولتقوم بتمثيل وعكس تراث وواقع الأمة، والاختيار والتنقيح مما يعرض في وسائل إعلام الغرب والشرق لعرضه على المشاهد في دولها، والبعد عن الإثارة الجنسية والمشاهد العارية والخليعة، والأفكار والممارسات المنحرفة، حتى تكون صورة حقيقية لواقعها وأمتها التي تتعرض للغزو والدمار من بعض بني جلدتها أكثر مما تلاقي من أعدائها.