; المجتمع التربوي العدد 1246 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي العدد 1246

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أبريل-1997

مشاهدات 184

نشر في العدد 1246

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 15-أبريل-1997

وقفة تربوية

«إسلامي ديلوكس»

هو ذلك الإسلامي الذي لا يتحمل سهام خصوم الإسلام من العلمانيين والملحدين والحداثيين وغيرهم، فيتنازل عن الكثير من الملتزمات الدينية، ويتساهل في الكثير من أمور الشرع، فيحلق لحيته، أو يخففها حتى لا تكاد أن ترى، ويطيل ثيابه، ويلبس أفخر الثياب، ويبحث عن الماركات في لباسه، وما من مناسبة إلا وكال السب والانتقاد لإخوانه في الدعوة، كل ذلك حتى يقال عنه «معتدل» و«متفتح» أو للحصول على منصب في الدولة؛ لاعتقاده أن الملتزمين يبعدون - بضم الياء - عن المناصب، فيحاول التخفف من مظاهر الالتزام؛ ليبعد عن دائرة التصنيف، هذا الصنف من الدعاة يسيئون لأنفسهم قبل إساءتهم لإخوانهم ولدينهم؛ حيث إن الناس جبلوا على احترام من يحترم مبدأه، ومن يطابق قوله فعله، والأرزاق لا علاقة لها بالمظهر، ولن يؤخرها إذا قدرها الله كائن من البشر، وقد كتبت على ابن آدم منذ أن كان جنينًا في بطن أمه.

هذه المظاهر لا تظهر على الدعاة إلا عندما يضعف إيمانهم ويبتعدون عن النبع الصافي، فتمتلئ قلوبهم بحب الدنيا أكثر من حبهم لما أعده الله لهم في الآخرة، نسأل الله لنا ولهم الثبات وحسن الخاتمة .

أبو خلاد

كلمة إلى الدعاة 

قلب الداعية

إن قلب الداعية إلى الله دائمًا ينبض بالخير، فإن رأى معروفًا سارع إليه، وعقد النية في قلبه لإتمامه، فإن لم يستطع أجر على قدر نيته، وإن رأى منكرًا نكره على الأقل في قلبه «وذلك أضعف الإيمان»، كما أن الداعية حريص على حفظ قلبه من الذنوب والآفات، وأن يبقيه أبيضًا خاليًا من الذنوب، ويتذكر دائمًا قول الشاعر: 

احرص على حفظ القلوب من الأذى ***  فجمعها بعد التنافر يصعب

إن القلوب إذا خلا ودها ****  مثل الزجاجة كسرها لا يشعب

مخموم القلب: ذلك وصف أطلقه رسولنا الكريم على المؤمن النقي التقي، الذي يحافظ على قلبه من الغل والبغي والحسد، وكما كان يقول أحد الصالحين عندما اشتكى له بعض الناس من كثرة الذنوب، فقال لهم: «أين أنتم من الممحاة؟» «يعني الاستغفار» نعم.. إن للسيئة ظلمة في القلب، وسوادًا في الوجه، ووهنًا بالبدن، ونقصًا في الرزق، وبغضًا في قلوب الخلق»، فاحرص أخي الداعية أن تكون طاهر القلب، وأن تحييه بذكر الله وتقواه، وإلا فاحذر من قول الشاعر: 

رأيت الذنوب تميت القلوب ****  ويورث الذل إدمانها

لله وفي الله: إن العمل لا بد له من نية؛ ليتقبله الله - عز وجل -، ومحلها القلب، وعليها بنيت ثلث أحكام الدين كما يقول بعض الفقهاء، فلا تنسى أيها الداعية أن يكون لقلبك نصيبًا منها؛ لكي لا يضيع عملك هباء، فكما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «من أعطى لله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله، فقد استكمل الإيمان»، وليس ذلك فقط، لكن احرص كذلك على اتباع نهج الصالحين في ذلك، فكما يقول محمد بن الفضل البلخي: «ما خطوت منذ أربعين سنة خطوة لغير الله - عز وجل -»، وقيل لداوود الطائي: «لو تنحيت من الظل إلى الشمس»، فقال: «هذه خطأ لا أدري كيف تكتب»، فعود قلبك أيها الداعية على ذلك.

صلاح الداعية: إن صلاح الداعية بصلاح قلبه، فالقلب هو القائد، والجوارح هم الرسل المنفذين للأوامر، وكما يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»، فكن من الذين يحاسبون أنفسهم على الأعمال قبل نفادها، فكما قيل: «إن لسان المؤمن وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم بشيء تدبره بقلبه، ثم أمضاه بلسانه»، وهذا هو ديدن الداعية مع قلبه في أعماله كلها، فإن سكن فلله، وإن تحرك فبالله، وإن نطق فعن الله.

حرقة القلب: إن الهم الذي حمله الداعية في قلبه هو الباعث له على الحركة، وعلى قدر همك كانت همتك، فكما قال الإمام أحمد بن حنبل: «همك ما أهمك»، فلتكن أيها الداعية حرقة قلبك على الدعوة أكثر من حرقته لأمور الدنيا، فكن ذلك الداعية، الذي قال عنه الرفاعي: «يحمل في قلبه جمرة تلتهب»، هذه الحرقة تجعل الداعية يتمعر وجهه إذا رأى منكرا ويسارع إلى تغييره، وبالمقابل يبادر إلى عمل الصالحات في شتى أبواب الخير وصدق الشاعر حين قال: 

لمثل هذا يذوب القلب من كمد **** إن كان في القلب إسلام وإيمان

دعاء من القلب: أيها الداعية احفظ قلبك بالدعاء، وليلهج لسانك دائمًا بقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، واللهم يا مصرف القلوب صرف قلبي إلى طاعتك»، واعلم وكن على يقين أن الله سوف يستجيب لك عاجلًا أو أجلًا ما دام قلبك سليمًا، وإلا فاستمع إلى كلام إبراهيم بن أدهم عندما سئل: ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا؟، وقد قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (سورة غافر: 60)، فقال: «لأن قلوبكم ميتة»، قيل: وما الذي أماتها؟ قال: «ثماني خصال:

  1. عرفتم حق الله ولم تقوموا به.

  2. وقرأتم القرآن ولم تعملوا بحدوده.

  3. وقلتم نحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم تعملوا بسنته.

  4. وقلتم نخشى الموت ولم تستعدوا له.

  5. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ (سورة فاطر: 6) فواطأتموه على المعاصي.

  6. وقلتم نخاف النار وأرهقتم أبدانكم فيها.

  7. وقلتم نحب الجنة ولم تعملوا لها. 

  8. وإذا قمتم إلى فرشكم رميتم عيوبكم وراء ظهوركم وافترشتم عيوب الناس أمامكم فأسخطتم ربكم.. فكيف يستجاب لكم؟».

فاللهم إنا نسألك قلبًا سليمًا صالحًا تقيًّا نقيًّا حافظًا لحدود الله وممتثلًا لأوامره .

خالد علي الملا

مفهوم الزهد الحقيقي

بقلم: جعفر يوسف الحداد

يتفاوت الناس في فهم المعنى الحقيقي للزهد في الدنيا، وتتباين الأفهام وتتعدد المسالك، وتختلف التصورات والاعتبارات في حياتهم، بل يتجاوز الأمر ذلك إلى حدوث تناقضات في سلوكيات الناس حيال مفهوم الزهد، فتراهم يسرفون في تمثل هذا المعنى تارة، ويقترون في ذات المفهوم تارة أخرى.

ولذلك لما قيل للزهري: ما الزهد؟ قال: أما إنه ليس تشعيث اللمة، ولا قشف الهيئة، ولكنه صرف النفس عن الشهوة. 

وسئل الإمام أحمد: هل يكون المرء زاهدًا ومعه ألف دينار؟، قال: نعم، قيل: وما آية ذلك؟ قال: آيته إذا زادت لا يفرح، وإذا نقصت لا يحزن.

قال ابن السماك: الزاهد هو الذي إذا أصاب الدنيا لم يفرح، وإذا أصابته الدنيا لم يحزن، يضحك في الملأ، ويبكي في الخلا، أي يكون مع الناس في مؤانسة وبشاشة فإذا خلا بنفسه ذكر الله ففاضت عيناه.

إذن.. فالزهد ليس الامتناع عما ينفعك من الدنيا، ويكون قوة لك على السير ومعونة على السفر، بل حقيقة الزهد هي أن تزهد فيما لا ينفعك، والورع أن تتجنب ما يضرك، وقال أبو مسلم الخولاني: ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، إنما الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق مما في يدك، وإذا أصبت بمصيبة كنت أشد رجاء لأجرها وذخرها من إياها لو بقيت لك.

وعن يونس بن ميسرة قال: الزهادة أن تكون حالك في المصيبة وحالك إذا لم تصب بها سواء، وأن يكون مادحك وذامك في الحق سواء(1).

مفهوم الزهد عند الزهاد

قال إبراهيم بن أدهم: الزهد ثلاثة أصناف: فزهد فرض، وزهد فضل، وزهد سلامة، فالزهد الفرض الزهد بالحرام، وزهد الفضل الزهد بالحلال، والزهد السلامة الزهد بالشبهات (۲). 

وقد اختلف الناس: هل يستحق اسم الزاهد من زهد في الحرام خاصة، ولم يزهد في فضول المباحات أم لا؟، على قولين: أحدهما: أن يستحق اسم الزهد بذلك، والثاني: لا يستحق اسم الزهد بدون الزهد في فضول المباح، وهو قول طائفة من العارفين وغيرهم، حتى قال بعضهم: لا زهد اليوم لفقد المباح المحض، وهو قول يوسف بن أسباط، وفي ذلك نظر. 

وكان يونس بن عبيد يقول: وما قدر الدنيا حتى يمدح من زهد فيها؟، وقال أبو سليمان الذري: اختلفوا علينا بالعراق، فمنهم من قال: الزهد في ترك لقاء الناس، ومنهم من قال في ترك الشهوات، ومنهم من قال في ترك الشبع، وكلامهم قريب من بعضه البعض، قال: وأنا أذهب إلى أن الزهد في ترك ما يشغلك عن الله - عز وجل - (۳)، وهذا الذي قاله أبو سليمان حسن وهو يجمع جميع معاني الزهد وأقسامه وأنواعه (٤).

الفهم الصحيح للزهد: جاء رجل إلى الحسن، فقال: إن لي جارًا لا يأكل الفالوذج، فقال: ولم؟ قال: يقول لا أؤدي شكره، فقال: إن جارك جاهل وهل يؤدي شكر الماء البارد؟، وكان سفيان الثوري يحمل في سفره الفالوذج واللحم المشوي، ويقول: إن الدابة إذا أحسنت إليها عملت (٥). 

وقد قالت رابعة: «إن كان صلاح قلبك بالفالوذج فكله»، ولا تكونن أيها السامع ممن يرى صور الزهد في التقلل من النعيم، فرب متنعم لا يريد التنعم وإنما يريد المصلحة، وليس كل بدن يقوى على الخشونة، خصوصًا من قد لاقى الكد وأجهده الفكر، أو عضه الفقر، فإنه إن لم يرفق بنفسه يترك واجبًا عليه من الرفق (٦). 

ومتى نوى المؤمن بتناول شهواته المباحة التقوى على الطاعة كانت شهواته له طاعة يثاب عليها، كما قال معاذ بن جبل: إنني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي، يعني أنه ينوي بنومه التقوي على القيام في أخذ الليل، فيحتسب ثواب نومه كما يحتسب ثواب قيامه، وقال الحسن: ليس من حبك للدنيا طلبك ما يصلحك فيها. وقال سعيد بن جبير: متاع الغرور ما يلهيك عن طلب الآخرة، وما لم يلهك فليس بمتاع الغرور، ولكنه متاع بلاغ إلى ما هو خير منه.

من هنا يدرك المسلم حقيقة التعامل مع الدنيا وفقه الأخذ منها بما يبلغه جنات النعيم، وهي حينئذ تكون قنطرة يعبرها الإنسان لتصل به إلى الجنة، وما شقاء الناس إلا بسوء استخدامهم لتلك القنطرة إلى غيرها، فكانت لهم وبالًا في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ (سورة طه: 124).

يقول الإمام ابن الجوزي: ولقد رأينا وسمعنا العوام يمدحون الشخص، فيقولون: لا ينام الليل، ولا يفطر النهار، ولا يعرف زوجته، ولا يذوق من شهوات الدنيا شيئًا، قد نحل جسمه، ودق عظمه، فهو خير من العلماء الذين يأكلون، وما علموا أن الدنيا كلها لو اجتمعت في لقمة فتناولها عالم يفتي عن الله ويخبر بشريعته كانت فتوى واحدة منه يرشد بها إلى الله – تعالى - خيرًا وأفضل من عبادة ذلك العابد باقي عمره.

وقد دخل المتزهدون في طرق لم يسلكها الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه من إظهار التخشع الزائد في الخلق، والإفراط في تخشين الملبس، وأشياء صارت لأقوام كالمعاش يجنون من أرباحها تقبيل اليد، وتوفير التوقير، وحراسة الناموس، وأكثرهم في خلوته على غير حالته في جلوته، وقد كان ابن سيرين يضحك في الناس قهقهة، وإذا خلا بالليل فكأنه قتل أهل القرية (٧). 

الزهد بالوجاهة عند العارفين: قال عبد الله بن المبارك: حدثني بكار بن عبد الله أنه سمع وهب بن المنبه يقول: كان رجل من أفضل أهل زمنه، وكان يزار فيعظهم فاجتمعوا إليه ذات يوم، فقال: إنا قد خرجنا عن الدنيا وفارقنا الأهل والأموال مخافة الطغيان، وقد خفنا أن يكون قد دخل علينا في حالنا هذه من الطغيان أعظم، وأكثر مما يدخل على أهل الأموال في أموالهم، وعلى الملوك في ملكهم، أرانا يحب أحدنا أن تقضي له الحاجة، وإذا اشترى أن يحابي لمكان دينه، وأن يعظم إذا لقي الناس لمكان دينه، وجعل يعدد أفات العلماء والعباد، الذين يدخلون عليهم في دينهم من حب الشرف والتعظيم. 

من أجل ذلك نرى أن كثيرًا من العلماء والزهاد يحذرون كل الحذر من أن يخالط نفوسهم شيء من ذلك، فقد كان محمد بن يوسف بن معدان زاهدًا، وكان عبد الله ابن المبارك يسميه عروس الزهاد، وكان لا يشتري خبزه إلا ممن لا يعرفه، يقول: أخشى أن يحابوني فأكون ممن يعيش على دينه (۸). 

قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ (سورة الشورى: 20).

«ونظرة إلى طلاب حرث الدنيا، وطلاب حرث الآخرة تكشف عن الحماقة في إرادة حرث الدنيا، فرزق الدنيا يتلطف الله فيمنحه هؤلاء وهؤلاء، فلكل منهما نصيبه من حرث الدنيا وفق المقدور له في علم الله، ثم يبقى حرث الآخرة خالصًا لمن أراده وعمل فيه، وإنه لا اختلاف بين الفريقين - طلاب الدنيا وطلاب الآخرة - في هذه الدنيا، وإنما يظهر الاختلاف والتمايز في الآخرة، فمن هو الأحمق الذي يترك حرث الآخرة وتركه لا يغير شيئًا من أمره في هذه الحياة» (9). 

عن علي - رضي الله عنه - قال: «الحرث حرثان، فحرث الدنيا المال والبنون، وحرث الآخرة الباقيات الصالحات»، وقال مالك بن دينار: «لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خزف يبقى، لكان الواجب أن يؤثر الخزف الذي يبقى على ذهب يفنى، فكيف والآخرة من ذهب يبقى والدنيا من خزف يفنى؟»، وهكذا هو المؤمن لا يضره متاع الدنيا وزخرفها، فتختل عنده الموازين وتضطرب لديه المقاييس فيراها بصورة مختلفة، بل ينفذ بصره إلى أعماق الأشياء وحقائقها فيدركها، ثم يزنها بميزان الشرع، ويدرك حينئذ قيمتها فيحسن التعامل معها .

 

الهوامش

  1. جامع العلوم والحكم، ص ۱۸۱- ۱۸۲

  2. رواه أبو نعيم في الحلية.

  3. الحلية: 9/ 258.

  4. جامع العلوم والحكم، ص ١٨٦.

  5. المقصود بالدابة البدن، والإحسان إليها إعطاؤها حقها من الطعام والشراب والراحة.

  6. صيد الخاطر للإمام ابن الجوزي، فصل (٣٦)، ص ۱۰۹.

  7. صيد الخاطر للإمام ابن الجوزي. 

  8. البداية والنهاية.

  9. في ظلال القرآن، الشهيد سيد قطب، جـ 5

 

مفاهيم دعوية

لوازم الدعوة

بقلم الدكتور: علي بادحدح «*»

مستلزمات حمل الدعوة كثيرة، ومنها: 

  1. فهم حقيقة الواقع المعاصر: في الواقع المعاصر هجوم سافر، وعداء ظاهر، وتخطيط ماكر، ضد الإسلام والمسلمين، وهناك وسائل عديدة تستخدم لإضعاف المسلمين، واستمرار بعدهم عن أسباب القوة المادية.

هناك وسائل الإعلام وما يبث فيها من تمثيل الأخلاق السافلة، والمرائي الفاتنة، والصور الخليعة، وشبه العاريات، والخطب الهدامة، والمقالات الكفرية، والترغيب في مشابهة الكفار في أخلاقهم وأزيائهم، والاحتقار لعلماء المسلمين وأبطال الإسلام وتمثيلهم بالصور المنفرة منهم، والمقتضية لاحتقارهم، والإعراض عن سيرتهم، وبيان طرق المكر والاحتيال والسلب والنهب والسرقة وحياكة المؤامرات والعدوان على الناس «فتاوی ابن باز 3/ 228»، ونحو ذلك من العظائم والدواهي.

وهناك الآن البث المباشر الذي ينقل لنا عبر الفضاء الفضائح والفظائع، وما يندى له الجبين من عري كامل، وخلق سافل، وفكر خبيث. 

وهناك الغزو الفكري وهو داء عضال يفتك بالأمم ويذهب شخصيتها، ويزيل معاني الأصالة والقوة فيها، وهذا الغزو يقع بواسطة المناهج الدراسية والثقافة العامة ووسائل الإعلام والمؤلفات الصغيرة والكبيرة وغير ذلك. «فتاوی ابن باز 3/ 438».

كل ذلك يصب على المسلمين؛ ليخرجوا عن دينهم، ويخرجوا من طاعة ربهم، ومع ذلك نرى من يخدرهم ليألفوا، ويخدعهم ليقبلوا، ويدلس عليهم ليقتنعوا وينطلقوا غير شاعرين بإثم، ولا مدركين لخطورة، وهذا مكر أعظم وأخطر؛ حيث «نرى شياطين الإنس والجن يسمون الفساد إصلاحًا، والمؤامرات والفتن ونقض العهود تحررًا، وخيانة الله بنبذ ملة إبراهيم وطنية، وارتكاب الفواحش مدنية، والدياثة والقوادة حضارة وتطورًا، واطراح الدين ونبذ القرآن رقيًّا ومسايرة للزمن، «صفوة الآثار والمفاهيم 1/ 30»، فهم ذلك كله وتصوره يجعل الداعية مدركًا لعظمة مهمته، وأهمية دعوته. 

  1. التفاعل مع الدعوة: إن إدراك حكم الدعوة والحاجة إليها، ومعرفة الواقع ينتج عنه أمران مهمان:

الأول: الحماسة والقوة في حمل الدعوة: إن الداعية يجب أن يشعر بأن دعوته حية في أعصابه، متوهجة في ضميره، تصيح في دمائه، فتعجله عن الراحة «الدعة» إلى الحركة والعمل، وتشغله بها في نفسه وولده وماله، وهذا هو الداعية الصادق الذي تحس إيمانه بدعوته في النظرة والحركة والإشارة، وفي السمة التي تختلط بماء وجهه. «تذكرة الدعاة للخولي: ٣٤». 

ويتذكر الداعية عظمة الأمانة في حمل الرسالة: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (سورة الأحزاب: 72)، وما تقوم الدعوات ولا تبلغ الرسالات بالضعف والتباطؤ، فقد خاطب الله يحيى - عليه السلام - فقال: «يا يحيى خذ الكتاب بقوة»، والمصطفى - صلى الله عليه وسلم - خاطبه مولاه بقوله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (سورة المزمل: 5)، إن الدعوة ليست خطبًا تلقى، ولا مقالات تدبج، ولا كتبًا تؤلف، إنها قبل ذلك هم يؤرق، وحماسة تدفع، وهمة ترفع، ووقود محرك لا ينفد. 

إنها جد لا يجتمع معه كسل، كما أبى ذلك الداعية الحر عطاء بن رباح حين قال: «لأن أرى في بيتي شيطانًا خير من أرى فيه وسادة؛ لأنها تدعو إلى النوم» «البداية والنهاية 9/ 308». 

إنها سفر نحو آفاق أرقى وأعلى، وعمل وبذل طموحه أفضل وأسمى، فالدعاة الحقيقيون «مذ تيقظوا ما ناموا، ومذ سلكوا ما وقفوا، فهمهم صعود وترق، كلما عبروا مقامًا رأوا نقص ما هم فيه فاستغفروا، وذلك لعلمهم أن «الطريق الموصلة إلى الحق - سبحانه وتعالى - ليست مما يقطع بالأقدام، وإنما يقطع بالقلوب» «صيد الخاطر: ٣٥٥».

إنها نفوس خالطها شعور بالمسؤولية وجسامتها، والمهمة وضخامتها، فأبت على الأجساد أن تخلد إلى راحة، وإلى النفوس أن تسكن إلى لهو، ولله در ابن الخطاب عندما جاءه معاوية بن خديج مبعوثًا من عمرو بن العاص بخبر فتح الإسكندرية، فقدم المدينة في الظهيرة، ومكث في المسجد فرأته جارية لعمر، ثم جاءته فقالت: أجب أمير المؤمنين، فلما دخل وأكل، قال له عمر: ماذا قلت يا معاوية حين أتيت المسجد، قال: قلت إن أمير المؤمنين نائم، قال عمر: بئس ما قلت أو بئس ما ظننت لئن نمت النهار لأضيعن الرعية، ولئن نمت الليل لأضيعن نفسي، فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية» «الزهد لابن حنبل: ١٥٢»، تلك رعية عمر ما تركت له ليلًا ولا نهارًا، والداعية مسؤول عن رعيته، فإذا غاب عنها فقد تخلى عن واجبه وعرض أمته لعبث المبطلين وغواية الشياطين. «تذكرة الدعاة: ۲۱۰». 

لذا على الداعية أن يتحمل الدعوة «بهمة عالية، وعزم قوي لا يثنيه عنه كثرة خصومه مهما تكالبت عليه قوى البشر؛ إذ لا يعتبرها في جنب الله إلا كالفراش» «صفوة الآثار والمفاهيم 1/ 72».

الثاني: التصدي والمواجهة: ما دام قد أدرك الداعية واقعه، وحمل دعوته بقوة، واندفع إليها بحماسة، فإنه لا بد أن يتصدى لأعداء دعوته، وأن يواجه المتربصين بها الدوائر، وأن لا يترك لهم ميدانًا إلا نازلهم فيه، ولا وسيلة إلا نافسهم عليها، ولا بلدًا إلا وجابههم فيها، لقد تفنن الأعداء في حرب الإسلام والدعوة، واعتمدوا «سياسة محاربة المساجد بالمراقص ومحاربة الزوجات بالمومسات، ومحاربة العقائد بأساتذة حرية الفكر، ومحاربة فنون القوة بفنون اللذة» «المنطلق ٥٤»؛ لذا يلزم الدعاة أن يدركوا أنه لا بد لهم في مواجهة تلك التيارات من محاربة علمية دقيقة شاملة؛ لأن التيارات غزت الأدمغة باسم العلم والفن، فمقابلتها بغيره شطط لا يجدي نفعًا، فلا بد من تكريس جهودهم لمقاومة المذاهب الفكرية مقاومة علمية عميقة، ونقدها نقدًا مفندًا دامغًا، وأن يقابلوا كل مؤسسة بمثلها مما يعارضها وينقضها، فيقابلوا المدرسة بالمدرسة، والجامعة بجامعة، ودور التربية والحضانة بمثلها، والمعاهد والمجامع العلمية المادية بما يقابلها من المعاهد الإسلامية، ومعاهد التربية الحديثة المادية بمعاهد تربية روحية تفوقها، ويقابلوا النوادي الثقافية الناشفة من الدين بنواد أخرى مشبعة بروح الدين، ويقابلوا المكتبات المادية أو المكتبات المؤسس بعضها أو أكثر لخدمة المذاهب الفكرية والمبادئ العصبية الجاهلية المجددة بمكتبات تخدم العقيدة الإسلامية، وتروج كتبها بأحدث وسيلة وأرخص ثمن، ويقابلوا الصحف المادية والمغرضة بصحف دينية فيها تركيز العقيدة وفضح الباطل، وإظهار عورات أهله، ويقابلوا الإذاعات المغرضة وسائر الإعلام من القصص والمجلات وأشرطة الأفلام وغيرها بإذاعات ووسائل إعلامية أخرى توجه الناس إلى الحق، وتضبط عقولهم وأوقاتهم وتحفظها من سرقة شياطين الإنس والجن واختطافها، وهكذا فليقابلوا كل وسيلة هدم بوسيلة بناء. «صفوة الآثار والمفاهيم 1/ 145».

رسالة إلى مُجاهد

إلى من نذر نفسه لله - تبارك وتعالى - فأخرج منها حظ الشيطان، والدنيا والهوى والنفس. 

إلى من كانت حياته وقفًا لله - تبارك وتعالى - في كل أنفاسه ولحظاته. 

إلى من آثر الآخرة الباقية على الدنيا الفانية، إلى من ترك أهله وولده وماله خلف ظهره من أجل إعلاء كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. 

إلى هذا الصنف الفذ من المجاهدين أهدي هذه الكلمات:

أخي المجاهد.. إن الناظر إلى ما حوله من ركام الدنيا، وكيف تعلق الناس بحطامها بلا شك يحزن ويضيق صدره على ما آلت إليه أمور أمته، أمة الرسالة والجهاد، الأمة التي اختصها الله - عز وجل - بالخيرية، فقال عز وجل: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (سورة آل عمران: ۱۱۰). 

فمع حزن الإنسان المسلم على هذا الأمر؛ إذ به يرى نورًا يبزغ من بعيد، نورًا يجدد لهذه الأمة حياتها ومكانتها، إن هذا النور هو أنت أيها المجاهد، كيف لا وأنت الذي ما زلت تغرس في أمتك أسمى معاني العزة والكرامة، يقول تبارك وتعالى في محكم تنزيله مادحًا لك ولأمثالك: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (سورة البقرة: 207)، يقول صاحب الظلال: «ويشرى هنا بمعنى يبيع، فهو يبيع نفسه كلها لله ويسلمها كلها لا يستبقي منها بقية، ولا يرجو من وراء أدائها إلا مرضاة الله، ليس له فيها وليس له من ورائها شيء، بيعة كاملة لا تردد فيها ولا تلفت ولا تحصيل ثمن ولا استبقاء بقية لغير الله» «في ظلال القرآن- جـ 1- ص۲۰۵».

أخي المجاهد.. تأمل معي هذه المكانة الرفيعة للمجاهد في سبيل الله، فعن أنس -رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يقول الله - عز وجل -: المجاهد في سبيلي هو علي ضامن! إن قبضته أورثته الجنة، وإن رجعته رجعته بأجر وغنيمة»، (حديث قدسي- رواه الترمذي)، بعد ذلك لا تستغرب أيها الأخ المجاهد كيف فتح المسلمون الأوائل مشارق الأرض ومغربها، وإليك نموذجًا فريدًا منهم، يقول القاضي بهاء الدين الصديق الحميم لصلاح الدين الأيوبي - رحمة الله عليه -، يصف هذا البطل المغوار، واهتمامه البالغ بالقدس وتحريرها، يقول: «كان رحمة الله عنده من القدس أمر عظيم لا تحمله الجبال، يجول بفرسه من طلب إلى طلب، ويحث الناس على الجهاد، ويطوف بين الأطناب بنفسه فينادي: يا للإسلام وعيناه تذرفان بالدموع، وكلما نظر إلى عكا وما حل بها من البلاء، وما يجري على ساكنيها من المصاب العظيم، اشتد في الزحف والحث على القتال، ولم يطعم في ذلك اليوم طعامًا ألبتة، وإنما شرب أقداح دواء كان يشربها، وكان حديث الجهاد يشغله دائمًا، ويستولي على قلبه وجوانحه استيلاء عظيمًا، بحيث لم يكن له حديث إلا عنه، ولم يكن له نظر إلا في وسائله أو الاهتمام برجاله. 

أخي المجاهد.. قد يطول الكلام ولكن ما أحوجنا إلى أن نترجم هذا الكلام إلى أفعال، فننقل الكلام من الأفواه إلى ميدان الجهاد، يقول الإمام حسن البنا -رحمه الله تعالى-: «إن رجل القول غير رجل العمل، ورجل العمل غير رجل الجهاد، ورجل الجهاد فقط غير رجل الجهاد المنتج الحكيم، الذي يؤدي إلى أعظم الربح بأقل التضحيات» «الرسائل ۱۲۹».

أخي المجاهد.. لا يسعني في ختام رسالتي إلا أن أبشرك بالسعادة الحقيقية التي ستنالها - إن شاء الله - جزاء جهادك هذا، وأنشد معي أبيات د. القرضاوي في السعادة:

قالوا السعادة في السكون ***   وفي الخمول وفي الخمود

في العيش بين الأهل لا ****    عيش المهاجر والطريد

في المشي خلف المركب في ****   دعة وفي خطو وئيد

في أن تقول كما يقال ****    فلا اعتراض ولا ردود

في أن تسير مع القطيع ****     وأن تقاد ولا تقود

في أن تصيح لكل وال:   ****  عاش عهدكم المجيد

قلت: الحياة هي التحرك *****      لا السكون ولا الهمود

وهي الجهاد وهل يجاهد ****  من تعلق بالقعود؟

وهي التلذذ بالمتاعب *****    لا التلذذ بالرقود؟

هي أن تذود عن الحياض ***     وأي حر لا يذود؟

هي أن تحس بأن كأس ***     الذل من ماء صديد             

هي أن تعيش خليفة ****  في الأرض شأنك أن تسود

وتقول لا، ونعم، إذا ما *****    شئت في بصر حديد. 

خالد يوسف الشطي

موازين حركية

هذه - أخي الداعية - بعض الموازين التي تفقهك بفقه الدعوة إلى الله لعلها تكون لك تبصرة ومعينة في درب الدعوة إلى الله: 

• نريد بالحث ما تريد بالمكث: قالها النعمان بن مقرن عندما كان أحد جنوده يستحثه على قتال الأعداء، فأجابه بهذا الميزان الذي يعبر عن أهمية الصبر لنيل المراد، فعلى الداعية أن يعلم أن من صبر ظفر، وأن الصبر طريق لنيل الثمرة فما تصبو إليه من أجر هو ما نريده لكن من غير استعجال وبتروٍّ وتؤدة. 

• حسنات الأبرار سيئات المقربين: إن المقربين مرتبة أعلى من الأبرار، فعليه لا بد أن يلتفتوا إلى أعمالهم؛ لأنهم قدوات، وأنت أيها المربي بالنسبة لباقي الدعاة إلى الله يجب أن تنظر أنك في مقام المسؤولية، والنافلة بحقك هي واجبة، فاحرص على تصرفاتك وأعمالك وسكناتك أمام من تربيهم، فالزلة من العالم ليست كزلة طالب العلم، وكذلك التقصير أو التهاون في حق المربي ليست كالتلميذ، فكن نبراس هدى للغير. 

•لا تبرير بعد تقصير: بهذا الميزان يتربى التلميذ على عدم إلقاء اللوم على أحد بعد تقصيره، لكن ينظر إلى الخلل ويصلحه ويواصل المسير وإلا سوف يتعود أن يلتفت إلى أعذار تبرر له خطؤه أو تقصيره حتى لو اضطر إلى إلقاء اللوم على الغير، واستخدام بعض الحيل النفسية مثل: «التبرير- الإسقاط- الانسحاب- التناسي»، فلا تبرر لكن واجه الموقف بشجاعة وتعلم من أخطائك للمستقبل. 

•إن المنبت لا ظهر أبقى ولا أرضا قطع: وبه إشارة من المثل العربي المشهور إلى عدم الاستعجال، الذي يؤدي إلى الهلكة، فالتؤدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة، فكن مسارعًا، ولكن لا تكن متهورًا ولتعلم أن «خير الأعمال أدومها وإن قل»، فلا تكن لديك حماسة طائشة لا تصلك إلى مرادك فـ «من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه»، فاحرص أن تصل إلى مقصودك بأفضل الوسائل المشروعة وأقل الخسائر المفروضة .

خالد علي الملا

الرابط المختصر :