; المجتمع التربوي (1262) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1262)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أغسطس-1997

مشاهدات 59

نشر في العدد 1262

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 12-أغسطس-1997

وقفة تربوية

من أجل الأبناء

من دراسات اجتماعية كثيرة، ومن مشاهدات واقعية نراها كل يوم ثبت فيما لا يدع مجالًا للشك أن أحد أهم أسباب الانحراف والجريمة عند الأحداث والشباب هو غياب أحد الوالدين عن العملية التربوية، إما غيابًا واقعيًا بموته، أو بتطليقه أو هجرانه، وإما غيابًا مؤقتًا كقلة ساعات التقائه بأبنائه لانشغاله بأعماله الخاصة، أو بترك العملية التربوية برمتها للأم، أو لتقصيره في حق الأبناء وعدم تواجده معهم لانشغاله بالزوجة الثانية.

وحتى لو استطاعت الأم أو استطاع الأب أن يربي أبناءه وحده دون مشاركة الطرف الآخر تربية نموذجية ثقافيًا، ودينيًا، وخلقيًا، فإنه لابد أن ينشأ الابن وهو يعاني نقصًا ببعض الخبرات والطبائع التي لا يمكن أن يتلقاها إلا بوجود الوالدين، هذه الحقيقة لا تدركها الكثير من النساء، ولا يدركها الكثير من الرجال، وبالتالي فلا يرون أمامهم عندما ينشب الخلاف سوى حل الطلاق، حيث لا يفكرون أثناء ذلك الخلاف إلا بأنفسهم، وبالخلاص من الأذى الواقع على أحد الطرفين، بينما ينسون تمامًا مصير «الأبناء» الذين قد يتعرضون في معظم الأحيان للانحراف بسبب اختلال الميزان التربوي، لذلك ليس من العبث أن تأتي التوجيهات النبوية للنساء بالصبر على سوء أخلاق الزوج -ما لم تكن كبيرة من الكبائر- من أجل الأبناء، وفي أحد هذه التوجيهات يقول الرسول ﷺ: «ألا أخبركم بنسائكم من أهل الجنة العؤود الولود الودود، التي إذا ظلمت قالت هذه يدي بيدك لا أذوق غمضًا حتى ترضى» فهو يظلمها ويخطئ بحقها، ومع ذلك فهي تدرك أهمية الصبر للمحافظة على الأبناء، كما تدرك أن من أكبر أهداف إبليس التفريق بين زوجة وزوجها فهي تغيظه بفعلها ذلك، وتتسامى على أكبر مداخله التي يقنع بها الكثير من النساء، وأن يلقي في نفوسهن قضية «العزة والكرامة والثأر للنفس» حتى وإن ضاع الأبناء وانحرفوا... إننا نحتاج إلى المرأة العاملة التي تتحمل سوء أخلاق الزوج وانحراف طبعه، طبعًا ما لم يكن كبيرة من الكبائر في سبيل نشأة صالحة سوية للأبناء.

أبو خلّاد

هل يضيق الإسلام بطابع العصر؟

الإسلام يدعو إلى العلم والعمل والاختراع.. ويحترم الحركة والنشاط والوقت.. ولا يعطل الناس بالعبادات فكل هذه العبادات طابعها التيسير ورفع الحرج.

بقلم: محمد عبد الله الخطيب

من علماء الأزهر الشريف

«الإسلام من حيث هو مبادئ لا يتوقف اعتباره على مكان معين، ولا على جيل من البشر، وله طبيعة الموجود الخالد وخلود الإسلام في رسالته، ورسالته التوازن في قيادة الفرد لنفسه، والتوازن في علاقة أفراد الأسرة الواحدة بعضهم ببعض، والتوازن في علاقة الأفراد جميعًا، ما بين جار قريب وبعيد، وما بين حاكم ومحكوم»، وإن طابع عصرنا هو الطابع العملي، عصر السرعة والآلة تمجيد العلم، وتقديس العقل عصر الحركة والنشاط، هذه سمات الحضارة اليوم، فهل يضيق الإسلام بها؟؟

إن الإسلام اليوم في موقف بيان ودفاع، لأن الآلة أحدثت انقلابًا جذريًا في بناء الإنسان ويقوم الدين بدفع الغزو الفكري، ومواجهة ضغط المتغيرات في أن واحد، أما الجوانب الأخرى للحضارة فالإسلام يرحب بالنافع المفيد، ويرفض ما عدا ذلك، وحين يقف المسلمون في المواجهة يدركون جيدا أنهم يقفون على أرض ثابتة، لا تعيد تحت أقدامهم ودينهم يربيهم على حرية القول، وحرية التفكير، ويحثهم على مواجهة كل القضايا بالحجة والمنطق والبرهان، ويطالب من يدعي أو يحاور ويجادل بالبرهان والدليل واجتناب الظن ويطالبه بالقول عن علم، حتى يحترم رأيه، ويحترم عقول الآخرين، يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: 111)، ويقول جل شأنه: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام: 148)، إن المسلمين يسرهم أن يروا دينهم يقف في المواجهة، وهو حافظ لسموه وأصالته وهو دائماً ينزع إلى الترقي المستمر، وهو دين علمي وعملي لا يضيق بزمان ولا مكان، ولا اختراع أو ابتكار مادام يخدم البشرية، ويساعد على تقدمها.

1. واول طابع للعصر الاتجاه إلى التجربة، ومعالجة أحوال المادة، وتقديس العقل والعزوف عن الغيبيات والروحانيات.

والإسلام لا يضيق بهذا بدأ، وكيف يتأتي ذلك، وآيات القرآن تدعو للسير في الأرض والنظر في أحوال الكون، وتلفت الأنظار إلى مشاهد الطبيعة من حولنا، والحديث لا ينقطع في أكثر سور القرآن عن الأرض وما عليها، والجبال والماء والنبات والحيوان والإنسان، جاء في سورة فاطر ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (فاطر: 28،27).

كما يأمرنا بالنظر والتأمل في الهواء والفضاء والكواكب والأفلاك، والنظر في الإنسان وتركيبه في روحه وجسده، وعقله ونفسه: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الذاريات: 21)، ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (يونس: 101)، ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (الأنعام: 11)

فالمسلمون لم يشغلهم التفكر في الله عن الإفادة من نعمه، والتأمل في خلقه، والرسول صلوات الله وسلامه عليه نهانا أن نفكر في الله وأمرنا أن نفكر في خلق الله، لأن العقل البشري لا يطيق أن يفكر في ذاته سبحانه فقال: «تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في الله» رواه ابن عباس، إن الله سبحانه وتعالى لم يكلف الناس أن يبحثوا في ذاته، لم يكلفهم سبحانه الجهد الذي يعلم أنهم لم يقدروا عليه قط، وحين نهى الرسول الكريم أتباعه أن يفكروا في ذات الله كي لا يهلكوا، لم يكن يحجر على عقولهم وتفكيرهم أو يضع عليهم القيود كلا إنما كان يوفر جهدهم للنافع من الأعمال ويصون هذا الجهد أن يتبدد سدى ويؤدي إلى الضلال، وهذه دعوة للناس أن ينفقوا طاقاتهم -بعد أن يقضوا حظهم من تدبر آيات الله في الكون والاهتداء إليه- في تعمير الأرض، وزيادة الإنتاج بمعناه الواسع الشامل العميق الإنتاج الروحي والفكري والمادي في ميدان العقيدة وميدان الجهاد، وميدان العمل ولقد حدث ذلك بالفعل... حين وضع المسلمون كل شيء في مكانه الصحيح والتزموا بطاعة ربهم وتوجيه نبيهم، وحين صان المسلمون طاقتهم أن تبدد، وتتناثر في أودية الضلال، كان لهم إنتاج ضخم هو أكبر إنتاج من التاريخ، حين يقاس بمقياس الزمن، ومقياس الرقعة، ومقياس الحضارة المادية، ومقياس العلم ففي فترة قصيرة امتد العالم الإسلامي من المحيط إلى المحيط وامتد معه مبادئ الإسلام الشاملة للسماء والأرض، والعمل والعبادة والدنيا والآخرة، وقامت نظم للحكم والسياسة والمال والاقتصاد تحمل في أطوائها العدالة الاجتماعية وتنشئ مجتمعًا مترابطًا متكافلًا متوادًا ظل ألف سنة على تكافله وترابطه راجع كتاب قبسات من الرسول.

إن الدنيا على اتساعها هي حقل نشاط المؤمن، ومجال اختباره، وهي معبره إلى الآخرة الذي لابد منه، وهو يعبد الله بالعلم بها، والعمل فيها، فهي محرابه أينما توجه فهو في طاعة وعبادة، يقول توماس أرنولد:

«الإسلام في جوهره دين عقلي بأوسع معاني هذه الكلمة، فإن تعريف الأسلوب العقلي بأنه طريقة تقيم العقائد الدينية على أسس من المبادئ المستمدة من العقل والمنطق ينطبق على الإسلام تمام الانطباق، ومن هنا يحق لنا أن نطمئن إلى موقف الإسلام في عصرنا»

2. والطابع الثاني لعصرنا أنه عصر كثرت المناداة فيه بحقوق الإنسان والحريات، ويقولون: إن البشر متساوون متكافلون في حقوق السلطة والمعاش، ولا يستعلي أحدهم على الآخر بحسب أو نسب.

ونقول لهم إن ديننا لا يضيق بهذا لأنه جاء بما هو أعظم من هذه المبادئ وهي جزء منه فالإسلام قام على صلة العبد المباشرة بربه وأقام المساواة بين الناس، فهم جميعًا عباد الله ورجعة إلى القرآن تؤكد هذا، قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 159)، وقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38)، وقال: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (الحديد: 7)، وقال: ﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (الحشر: 7)، والأحاديث لا حصر لها: «ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، «إنما الطاعة في المعروف»، «المسلمون شركاء في ثلاثة في الماء والكلأ والنار»، «ومن ولي لنا عملًا وليس له منزل فليتخذ منزلًا، أو ليست له زوجة فليتخذ زوجة، أو ليس له خادم فليتخذ خادمًا، أو ليست له دابة فليتخذ دابة»، رواه أحمد وأبو داود، وفي الحديث أيضاً: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي من المؤمنين فترك دينًا فعلي قضاؤه ومن ترك مالاً فلورثته». البخاري ومسلم وأحمد.

فالإسلام يقف ثابتًا كالطود لا تزعجه أبدًا صيحات العدالة الاجتماعية أو السياسية، لأنه غني بهذه المبادئ، وطبقها وأثمرت في عالم الواقع أعظم الثمار، بينما ظلت عند غيرنا نظريات، والذين طبقوها جاءت عندهم بأسوا النتائج.

3. والطابع الثالث لعصرنا أنه عصر علم النفس.

فمن شدة صراع الحضارة المادية، وأصوات الآلات والمصانع والانفعالات المدمرة من أزمات المادة وفراغ الروح كل هذا دفعهم إلى سد الثغرات التي ظهرت على الفرد والمجتمع بعد أن دمروا الأسرة، بما يسمى «علم النفس»، وديننا العظيم حين وصل الناس بربهم، لم يلههم عن النفس ومشاكلها، إن دعوة الإسلام للمؤمنين بعبادة الله وذكره، لتطمئن نفوسهم بالتسبيح والحمد والثناء ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28).

إن الإسلام لم ينشب أبدًا معركة بين الإيمان والواقع للإنسان، بل قال: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الكهف: 46)، وقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (الأعراف: 31) وقال: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (الأعراف: 31) وقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (الأعراف: 32)، كل هذه مطالب فطرية وضرورية، والسعي في تحصيلها من طريق الحلال كفاح وجهاد مبرور.

وأخيرًا فإن لعصرنا طابعًا مميزًا هو عصر السرعة، فالآلة تطوي لنا الزمن، ووصلت إلى البيت وإلى الشارع والمدرسة وأصبحت الحركة الخاطفة هي طابع الأشياء.

وديننا يدعو إلى العلم والعمل والاختراع، ويحترم الحركة والنشاط والوقت، والإسلام لا يعطل الناس بالعيادات أبدأ فشعائره: خمس صلوات في اليوم والليلة يستنها الراتبة لا تستغرق من اليوم والليلة أكثر من دقائق معدودات ويغني فيها الجمع والقصر عند السفر، والوضوء لها نظافة يغني عنه التيمم عند الضرورة، والصيام شهر في العام والحج مرة في العمر عند القدرة، وكل هذه الشعائر طابعها التيسير ورفع الحرج.

والإسلام يفسح المجال للمسلم لكي يذكر الله في أعماله كلها، لكنه ذكر يدعو إلى التعبد في إتقان العمل، والخوف من الله في معاملة الناس فلا يظلمهم ولا يهملهم، ولا يتعالى عليهم الإسلام يعلمنا أن ابتغاء الآخرة بأعمالنا في طلب الدنيا، إن ورد المؤمن في قلبه، وإن تدينه بتنفيذ شرع ربه وهدي دينه، في سائر نشاطه اليومي.

إن حضارة العصر المادية لم تستطع أن تقضي على جذور الدين في أعماق النفس، بل عجزت عن ذلك في كل مكان، وما عودة الناس في روسيا إلى ربهم، بعد البلاء الذي استمر سبعين عاماً منا ببعيد، إن من يزور الشرق أو الغرب يعرف مكان الدين في نفس الفرد.

جاء في كتاب -داخل إفريقيا- الكاتب أمريكي يقول: «لماذا خط الإسلام مسالكه الكبرى في قلب إفريقيا المعاصرة، فعدد المسلمين يكاد يتضمن نصف مجموع السكان، وهم يزدادون عددا طوال الوقت وليس في الإسلام تمييز عنصري، ولقد انتشر الإسلام انتشارًا كاملًا بين عباد الأوثان والحيوان، لأن شعائره مبسطة للغاية، بقدر ما فيه من جاذبية أصيلة وراسخة»، ثم يقول ونقطة أخرى «إن الإسلام نظام اجتماعي، كما هو دين نظام اجتماعي يمنح المؤمن اعتقاده بالمساواة مع جميع المؤمنين الآخرين، وكثيراً ما يوصف بأنه الأكثر ديمقراطية بين ديانات العالم».

اللهم انصر الإسلام، وحقق الأحلام والآمال وأعنا على العمل لدينك اللهم أمين.

الرابط المختصر :