; قراءة نقدية في إدارة المؤسسات الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان قراءة نقدية في إدارة المؤسسات الإسلامية

الكاتب رامز الطنبور

تاريخ النشر السبت 17-مارس-2001

مشاهدات 60

نشر في العدد 1442

نشر في الصفحة 66

السبت 17-مارس-2001

تواجهها تحديات ومشكلات مهنية ووظيفية قد تقودها إلى الفشل

يركز الفكر الإداري الحديث على القيم وأثرها على الإدارة، وهذا ما يعكس توجهًا عامًا للاهتمام بموضوع القيم، وفي هذا المضمار تبرز على السطح من جديد المؤسسات الإسلامية التي تسعى لكي تجسد صورة إسلامية في الإدارة، ولكنها لا تزال تتعثر في معظمها، إما لقلة الخبرة والدراية في علم الإدارة ومرتكزاته، وإما لعدم القدرة على تطبيق القيم الإسلامية وفقًا لمنهج الإدارة بمواصفاتها التي يمكن أن تبني المؤسسة الإسلامية الناجحة التي تقدم بدورها للجمهور على أنها نواة المجتمع الإسلامي المنشود.

إن المؤسسات الإسلامية يجب أن تقدم نفسها كنموذج على طريق أسلمة المجتمع والدولة، إلا أن أداء هذه المؤسسات في كثير من جوانبه يشوه تلك الصورة ويحبط ذلك الأمل، الأمر الذي يتضح بالمقارنة بين المؤسسة الإسلامية القائمة حاليًّا، ومؤسسات الدولة المدنية التي توجد فيها تلك المؤسسة.

فعلى صعيد الممارسة، نجد أن غالبية المؤسسات الإسلامية - وهي تقدم نفسها کمؤسسات بديلة - لا تصل في تعاملها مع موظفيها إلى مستوى الرقي الذي تبلغه المؤسسات الحكومية المدنية، أو إن شئت قلت العلمانية، إذ غالبًا ما يعاني الموظف في المؤسسات الإسلامية ما لا يعانيه موظف الدوائر الحكومية، علمًا أن كليهما يعاني، فالخدمات التي تقدمها المؤسسات الإسلامية للموظف من تعويضات وضمانات اجتماعية ودعم تعليمي للأبناء لم تكن لتتحقق لو لم تفرضها الدولة؛ لذلك يمكن القول إن سقف الضمانات في المؤسسات الإسلامية هو ما تقرره الدولة التي تبادر دائمًا ثم تلحقها المؤسسات الإسلامية، وقد تتأخر كثيرًا في اللحاق بها، وبهذا التصرف تصبح الوظيفة في الدولة هي الأكثر ضمانًا واستقرارًا، في حين يبتعد أصحاب الكفاءات عن المؤسسات الإسلامية، وإذا ما اقترب لتحقيق هدف رسالي فإنه سرعان ما سيشعر بالغين مقارنة بالمؤسسة الرسمية. 

إن الصورة المشوهة والقاصرة التي تُقدّم من خلالها «المؤسسات الإسلامية» تشوه الطرح الإسلامي، خاصة إذا ما اعتبرنا أن المؤسسة هي الخطوة المتقدمة لتحقيق الدولة كمجموعة مؤسسات، إلا أن السؤال الذي يدور في الأذهان هو: لماذا تتدنى رواتب وعطاءات المؤسسات الإسلامية عن غيرها من المؤسسات وعن المؤسسات الرسمية بالتحديد؟!

 وعلى أي أساس يقنن الإداريون نظمهم ويحددون شكل تعاملهم مع الآخرين؟ 

إن تدني الرواتب - على سبيل المثال - في المؤسسات الإسلامية يعود لسببين رئيسين:

الأول: التدني العام لمستوى الرواتب قاطبة في مؤسسات المجتمع والدولة، يُضاف إلى ذلك الاستقطاعات من الرواتب من باب ضمان استمرارية هذا المشروع أو هذه المؤسسة، فضلًا عما يكلّف العامل أو الموظف من أعمال إضافية يُطلق عليها اسم تطوع دون الموافقة الصريحة لمن يؤدي العمل، كل ذلك يأتي مقرونًا بالشكوى الدائمة من العجز المالي.

الثاني: الاعتماد الكبير على التطوع، وإعطاء رواتب دون المستوى المطلوب بحجة دعم العمل التطوعي، أو من باب الشراكة المعنوية في هذه المؤسسة أو تلك، ويبقى العمال والموظفون في أدنى سلسلة الرواتب، ولا يجدون من يسعى بمطالبهم وحقوقهم سوى قانون الدولة، وما نص عليه من حد أدنى للأجور وغير ذلك من الضمانات الوظيفية، وعندها يدرك هذا العامل أنه قد أُستُغل لفترات طويلة، فإذا أراد المطالبة بحقوقه أو بجزء منها، فإنه لن يجد سوى الدولة أمامه يلجأ إليها، مع أنه قد هرب منها قبل ذلك؟!

 هذا من جانب الواقع الوظيفي الذي لا يزال هو الغالب في معظم المؤسسات الإسلامية، رغم وجود حالات إدارية إسلامية متقدمة تخطت تلك العقبة، وقدمت نموذجًا ناجحًا ومتميزًا، ولكن نسبتها تعتبر ضئيلة.

هذا الخلل في الأداء ينعكس على المشروع الإسلامي بأسره، ويُضاف إلى التحديات التي يواجهها من الخارج في كل المجالات الأمنية والسياسية والمالية والاقتصادية، وإذا ما عدنا أدراجنا إلى إدارة الإسلام الحنيف للمؤسسة وإلى كيفية التعامل مع العاملين فيها في عهد النبوة وصدر الإسلام، لأدركنا كم أن مؤسساتنا الإسلامية اليوم تعيش في غربة عن عمق القيم الإسلامية وروحيتها التي بنت للإنسانية أعظم حضارة. 

إن تقويم المؤسسات الإسلامية يجب أن يكون تقويمًا نموذجيًّا ومميزًا، وعليه فإن المؤسسة الإسلامية يجب أن تستوعب أبرز الطاقات والتخصصات، وأن تضع أنظمة داخلية تراعي خصوصيات الإدارة الإسلامية الكفؤة من التعامل مع الموظفين مع ضمان حقوقهم وصولًا إلى تحقيق هدف المؤسسة الذي يختلف عن أهداف المؤسسات الخاصة والمؤسسات العامة على السواء، فالمؤسسات الخاصة دائمًا تهدف إلى الربح، والمؤسسات العامة دائمًا تهدف إلى المصلحة العامة، كما تحددها الدولة، بينما تهدف المؤسسة الإسلامية إلى تحقيق حاجات المجتمع في إطار منظومة من القيم والأخلاقيات، تحقق مرضاة الله ومصلحة المجتمع في الوقت نفسه.

ومن هنا نؤكد أن الهدف السامي للمؤسسة الإسلامية يأخذ بيدها لتكون في موقع الريادة، ويساعدها في اختيار أفضل نظم الإدارة والعمل، لكيلا يكون هنالك مجالاً للمستغلين والمستفيدين. فلجهة الأجر أوجب الإسلام على رب العمل أن يعلم الأجير أجره لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره»، ولجهة الوقت، فالأجير الخاص هو الشخص الذي يستأجر مدة معلومة ليعمل فيها، فإن لم تكن المدة معلومة كانت الإجارة فاسدة، كي لا يُستغل الناس، ولجهة قيمة هذا الأجر، فقد حدده رسول الله الله بشكل يحفظ مكانة الإنسان وكرامته، وبشكل يكفيه العوز والمسألة ويحقق له كيانه الاجتماعي واطمئنانه النفسي، فقد جاء عن الرسول الله: « مَن وَليَ لنا عَمَلًا وليس له مَنزِلٌ فليَتَّخِذْ مَنزِلًا، أوَليست له زَوجةٌ فليَتَزوَّجْ، أوَليس له خادِمٌ فليَتَّخِذْ خادِمًا، أوَليس له دابَّةٌ فليَتَّخِذْ دابَّةً» (أبو داود:2945). أما لجهة الخدمات الاجتماعية الإضافية، فقد كان موقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - نبراسًا يُقتدى به حين عمم الخدمات الاجتماعية أو ما يعرف اليوم برعاية الشيخوخة والمسنين ليس للمسلمين فقط، ولكن لجميع رعايا الدولة الإسلامية من مسلمين وغير مسلمين.

 فأين مؤسساتنا الإسلامية أمام هذه الفلسفة الراقية عن العمل والإدارة في الإسلام؟

 المطلوب هو إعادة النظر في الأنظمة الوظيفية التي تحكم المؤسسات الإسلامية وتعديلها؛ لكي تنسجم مع روحية الإسلام ونظرته للإنسان والعلاقات الإنسانية، ومحاولة إصلاح أوضاع الوظيفة والموظف؛ لكي تشكل هذه المؤسسات نماذج مشرقة ليتقدم معها المشروع الإسلامي الكبير. 

الرابط المختصر :