العنوان الحوار الإسلامي المسيحي بين المبدئية والعبث (۲)
الكاتب بهيج ملا حويش
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أبريل-1986
مشاهدات 63
نشر في العدد 761
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 01-أبريل-1986
بقلم: الدكتور
بهيج ملا حويش.
في العدد الماضي نشرنا الجزء الأول من الدراسة
القيمة التي أعدها الدكتور بهيج ملا حويش حول الحوار الإسلامي-المسيحي، وفي هذا
العدد ننشر بقية الدراسة فيما يلي:
من الجدلية
الكلامية إلى صياغة – السلوك:
وعلى هذا فإن
التوجه الصادق الذي نتوجه به يهدف إلى:
-إخراج قضية
الحوار من الجدلية الكلامية إلى صياغة السلوك.
-الخروج من
التعليلية إلى بسط الحقائق المجردة والتسليم لمبضع الحكمة والحق لاستئصال الداء
المتعفن.
- إنه مطالبة
للتخلي عن النقاش الفلسفي النظري، والتقدم خطوة في الطريق العملي على الدرب
الصحيح، أو بصياغة أخرى التحول من فلسفة الإسقاط بصيغته اللغوية في محاولة بائسة
للدفاع عن مواقف الأنا والأنانية، لتبرئة الممارسات الخاطئة بقصد إنقاذ السمعة.
وأخيرًا الإفراط في تقييم الذات وتطاول
الشخصية المزمن الذي أصيب به العقل المسيحي في القرون الماضية على حساب الشعوب
المسلمة المكبلة بقوة الحديد والنار، والمحكومة بشريعة الغاب التي جاءتنا على أسنة
رماحهم.
من هذه المنطلقات نعتقد أن الحوار الناجح أو
أن ضمان نجاح الحوار تزحزحه من مستنقعه الحالي يتطلب حكمًا أن يتفق المتحاورون على
جملة من الشروط نذكر منها شروط يجب توفرها في المتحاورين:
١- أن يكون
المحاور من أصحاب الأيادي البيضاء في هذا المجال كيما يكون الحوار سليمًا من
الخلفيات الفردية.
٢ - أن يأتي
بالفكر المفتوح والقلب المفتوح بروح سليمة من الشك في النوايا أو عدم الثقة
بالآخرين، ولا بأس أن تكون معتزة، ولكنها غير مغترة، آنفة، ولكنها غير متكبرة،
مجادلة، ولكنها غير معاندة.
٣ - أن تكون
مقتنعة بفضيلة الحوار وما ينجم عنه، حتى لا تضيع الأوقات سدى، وتجهض محاولات
التقريب الجادة تؤجل إلى عقود زمنية أخرى.
٤- أن تبدي
استعدادها للمشاركة اللاحقة، وتتبنى الدفاع عن حقوق الأقليات في الجانبين؛ فنحن في
بلادنا رغم قلة وضآلة الأقليات النصرانية منحناهم حقوقًا ما نالها المسلمون،
وكرمناهم ضيوفًا في أرضنا وأشركناهم في إدارة دفة بلادنا، فهل فعلوا ما فعلنا؟
٥- أن يبدأ
الطرفان بتهيئة الأجواء الصحية لإقامة هذا الحوار، وذلك بالحد من شطط المتطرفين
وغلوائهم، وعدم الاشتراك أو المساندة من موقع القيادات الروحية للتمردات المسلحة
باسم الدين أو اقتطاع الأراضي الوطنية بحجة الدفاع عن الحقوق الطائفية، فضلًا عن
تحريش القوة الغاشمة للقضاء على الوجود الإنساني لجماعة ما بسبب انتمائها الديني.
وعلى كل حال لا نعتقد -على المدى المنظور-
أن يتمكن كل طرف من إقناع الطرف الآخر بوجهة نظره، بل يكفي أن يقدم كل منهما
هويته، ويبين موقعه، ويعبر عن نفسه، ويسعى للبحث عن النقاط المشتركة، ويلتزم بأقل
ما اتفق عليه.
شروط الحوار على
الطرفين:
من الطبيعي القول إن الهدف من الحوار ليس
دمج الإسلام بالمسيحية على المدى البعيد أو القريب، بل إن آفاقه تكتمل بتضييق
مساحة الاختلاف، ومنع التقاتل حتى لا تتكرر مأساة الحروب الصليبية والحرب
اللبنانية.
كما أن الهدف منه ليس إقامة جبهة ضد التحدي
العلمي أو الاجتماعي للدين فنحن لسنا معنيين بقضية الصدام بين ما ارتضاه الجانب
المسيحي واعتبره جزءًا مقدسًا من الديانة المسيحية، وبين الحقائق العلمية الحديثة
قرونًا لا يمكن أن تشارك بها لا سلبًا ولا إيجابًا؛ لأننا نعتقد صادقين أنها جريمة
مشتركة بدأت جهلًا وتعنتًا، وانتهت انتقامًا وتعديًا، ونهيب بالجانبين العلمي
والكنسي الاحتكام للحق والاعتراف، والتراجع عن مواطن الزلل، ولا يحق لأحد مطالبتنا
بالوقوف إلى جانب الكنيسة ضد التطور العلمي ولا العكس كذلك، ففي غمرة الصراع بينهما
وتدهور العلاقات بينهما نرى اتفاقًا واتساقًا بين التطور الحديث والأصول الإسلامية
الثابتة، بل نرى -في غمرة الأزمة القائمة بينهما- صحوة إسلامية تعم الأرض مشرقها
ومغربها، وصدق تعالى إذ يقول: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي
أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (سورة فصلت: 53).
إن أهم شروطنا
للحوار:
هو ألا تكون المحاورة مهرجانًا ثقافيًا تضيع
فيه الأفكار مع المراسيم، ولا تطغى العواطف على الحقائق، ولا الآمال على الواقع،
فإن لم يكن كذلك فسوف يكون تهريجًا أو مزايدة أو لهوًا.
أن يكون الهدف هو الوصول معًا إلى ساحة السلم
والنور، مرتضين المنطق العلمي سبيلًا بقصد توحيد لغة التخاطب.
أن يفصل بين مفهومي طلب الحوار وطلب السماح
بالتبشير تحت مظلة التسامح الديني، فهما قضيتان مختلفتان لا يجمع بينهما جامع، لا
من حيث الأهداف ولا من حيث الوسائل والأشخاص.
أن يخرج الحوار من الإطار التجاري التبادلي
أو السياسي التنازلي -هذا مقابل ذاك- فنحن أصحاب رسالات سماوية تسمو فوق المنافع
المادية، وتسعى في الأصل لنيل رضوان الله، ولكل طرف الحق أن يراجع مواقفه وفق ما
يرتبه، فلماذا الطلب المسبق باعتبار فتح باب الاجتهاد مقابل اعتماد وثيقة المجمع
المسكوني الثاني؟ إننا فعلًا لا نرى مجالًا للمقارنة والمطابقة، وليس لأحد أن
يطالبنا بتغيير منهجيتنا؛ لأنها أمور تعالج من داخل الصف المسلم، أما أن نطالب
بمراجعة بعض الكتب التي تشتم الديانة المسيحية فهذا حق، ونحن ننكر القذف، ونطالبهم
الشيء نفسه، فهل هم قادرون؟
نأمل أيضًا ألا يجنح الحوار إلى حصر جهود
المسلمين والمسيحيين في مواجهة الشيوعية، فهذه مناورة أمريكية قديمة، الهدف منها
أمركة الدعوة الإسلامية كما فعلت مع النصرانية، فنحن لنا هويتنا وطريقتنا في
التعامل مع كل الفئات الاجتماعية والسياسية، ولا نحتاج لقوالب فصلت على أقدام
معينة، بل لا بأس أن تتوحد جهودنا ضد الظلم بكل أشكاله وضد العنصرية بكل أشكالها،
وتشكيل جبهة ضد الظلم أنى كان هو من صميم رسالتنا، ولا يمكن بأي حال من الأحوال
التحالف مع ظلم أدنى ضد ظلم أكبر؛ إذ لا يوجد ظلم سيئ وآخر حسن، فالشيوعية بالنسبة
لنا ليست الجهة الوحيدة ولا الأيديولوجية الوحيدة التي تتحدى الإنسان وقيم السماء،
بل إن هناك من لا يقل عنها عداء وتحديًا للوجود الإنساني ذاته، وهي جديرة بأن
تكافح وتنافح، وعلى هذا فلن يكون الحوار صحيحًا إذا كان هدفه إقامة جبهة سياسية أو
اجتماعية ضد حزب من الأحزاب أو طبقة من الطبقات.
إذا كان الحوار متكافئًا، فلا أقل من
الاعتراف المتبادل الصريح بشرعية وأهلية الإسلام كدين سماوي منزل، كما اعترفنا
مسبقًا بالنصرانية دينًا منزلًا، بغض النظر عما لكل طرف من تحفظات على الطرف
الثاني، وقضية كهذه قد تنهي الاقتتال في كثير من البلاد بسبب الانتماء الديني
وتوقف محاولات تقسيم الأرض وبترها واضطهاد أبنائها، وهذا ليس طلبًا للنصرة أبدًا،
بل هو الدفاع عن آدمية الإنسان مسلمًا كان أم نصرانيًا، وحقه في العيش الحر
الكريم.
ألا يساء استخدام الحوار للاستدلالات
التبشيرية (مجتزأة) بل عرض الحقائق كاملة من غير تحرج ولا تخوف.
وأخيرًا أن تساهم النصرانية في الدفاع عن
قدسية القدس، لا نقول هذا من منطلق سياسي، بل من منطلق عقائدي اعتقادي هدفه إحقاق
الحق ورد الظلم؛ لأنها إن لم تفعل اليوم وتوقف العبث الصهيوني في المقدسات
الإسلامية فسوف يأتي دورها ليبعثر اليهود المقدسات المسيحية كما فعلوا بمقدساتنا،
والحقد الصهيوني ليس له حدود، بهذه المسوغات يمكن استئناف الحوار، ويمكن أن يستمر
الحوار، ويمكن أن تقترب المواقف، ويمكن لنا أن ندفع عجلة الحضارة الإنسانية لتطوي
المسافة وتطوي الزمن.
وأخيرًا همسة بين الصفوف: أما آن لنا أن
نطرح قضية الحوار بين المسلمين أنفسهم بعد أن سئمنا حوار المدافع والشتائم، سؤال
أتركه ونخشى الله في أنفسنا، وصدق تعالى إذ يقول: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ
آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (الحديد: ١٥).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل