العنوان قمة الناتو كشفت عدم جديته في التدخل البري
الكاتب عامر الحسن
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1999
مشاهدات 115
نشر في العدد 1348
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 04-مايو-1999
تزداد حدة الغارات الجوية على صربيا دون نتائج محددة لصالح مصير اللاجئين الكوسوفيين ولا سيما أن الحديث المتكرر عن اندلاع حرب برية بات مجرد دعاية لتخويف الرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسوفيتش أكثر منه نية حقيقية مشتركة لدى الدول الأعضاء في الأطلسي، فبعد مرور أكثر من شهر على بدء الضربات الجوية، لا تظهر على الأفق ملامح استسلام ميلوسوفيتش كما كانت تعتقد الولايات المتحدة وبريطانيا عندما قررتا خوض الصراع، فعلى الرغم مما يقال من هبوط الروح المعنوية لدى الجيش الصربي بسبب برودة الجو وقلة الطعام، وغياب نهاية محددة للحرب، إلا أن القوات الصربية لا تزال تقصف إقليم كوسوفا وتمارس أبشع الجرائم ضد النازحين، ويؤكد مصدر من جيش تحرير كوسوفا تعليقًا على ما قام به الناتو حتى الآن بأنهم لم يفعلوا شيئًا ملموسًا؛ حيث لا زال هناك العديد من القواعد العسكرية الصربية التي تطارد قوات جيش التحرير، والأهالي المسلمين من دون أن يمنعها الناتو من ذلك على الرغم من علمه بمواقعها جيدًا..
وفيما يناشد المصدر الولايات المتحدة تزويد جيش التحرير بطائرات أباتشي وبعض المعدات العسكرية لمواجهة اعتداءات الصرب، ترفض الإدارة الأمريكية وبقية الدول الأعضاء خيار تسليحهم، وتضيف أن الجيش قادر على أن يكون رأس حربة لقوات الناتو في حالة دخولها بريًّا إلى كوسوفا شريطة أن يجهز أفراد الجيش بالمعدات العسكرية وتتم تغطيتهم بالقوات الجوية، لكن لا يبدو أن لدى الدول الأعضاء الرغبة في التورط بحرب برية مهما كانت نتائجها مضمونة، ويقوم جيش التحرير بعمليات هجومية تستهدف تدمير مواقع صربية معروفة.
ومن جانب آخر اعترفت صحيفة الاندبندنت اللندنية بأن ميلوسوفيتش وإن كان يسعي لتفريغ كوسوفا من المسلمين وملأها عوضًا عن ذلك بالنصارى الصرب، إلا أنه عمليًّا يحتاج لاستبقاء قليل من المسلمين كدرع بشري يحميه من الغارات الجوية، وأيضًا لأن الغالبية العظمى من أهالي كوسوفا مسلمون وليس من مصلحته إجلاؤهم بصورة حاسمة، وإنما يتوجب عليه فعل ذلك تدريجيًّا.
وأضافت الصحيفة أنه حتى الشهر الماضي، كانت نسبة المسلمين في كوسوفا إلى نسبة الصرب تساوي 9 إلى 1. وما يحاول الرئيس الصربي القيام به هو تقليص هذا العدد لحجم يمكن السيطرة عليه وليكن 3 إلى 1، وذلك من خلال منع ما يزيد على ۸۰۰ ألف نازح مسلم من العودة لأراضيهم.
تصاعدت في الفترة الأخيرة وتيرة الكلام عن شن حرب برية ضد القوات الصربية، إلا أن مصادر غربية عدة تشير إلى أن ذلك لا يعدو مجرد حرب نفسية يشنها الحلفاء، وإلا فليس لدى أي من واشنطن أو لندن الاستعداد للتورط في غمار حرب دموية داخل تضاريس مجهولة ومعقدة وبنتائج غير حاسمة.
وكانت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية قد نقلت عن مصدر رسمي أمريكي أن الولايات المتحدة وبريطانيا غير متفقتين تمامًا على ماهية الخطوات التالية في البلقان وكشفت عن أن كلنتون طلب من رئيس الوزراء البريطاني عدم التحدث كثيرًا عن خيار الحرب البرية، وامتدح البيت الأبيض فيما بعد موقفه المتجاوب ولاحظ المؤتمرون أن رئيس الوزراء البريطاني لم يذكر خيار التدخل البري مطلقًا خلال اجتماع قمة الناتو، وحين طلبت المعارضة منه أن يوضح سبب النقلة المفاجئة إلى عدم تحبيذ خيار التدخل البري قال: إن ذلك سيحتاج لوقت طويل من الإعداد والتدريب.
وكانت مصادر داخل وزارة الدفاع الأمريكية قد ألمحت إلى خيار غزو الأراضي الصربية عبر حدودها الشمالية من المجر، ورسمت لأجل ذلك عدة سيناريوهات تتعلق بكيفية نقل المعدات العسكرية ومحاصرة القوات الصربية على هيئة كماشة، من الجنوب أيضًا، ونقلت صحيفة الجارديان اللندنية عن مصدر عسكري أمريكي موثوق وجود عقبات عدة أمام هذا السيناريو من بينها مدى استعداد المجر، ولا سيما أن هناك ما يزيد على ٣٠٠ ألف مجري يعيشون في إقليم فوجفودينا الصربي قد يتعرضون للإبادة.
وتحدثت صحيفة صنداي تايمز، عن سيناريوهات أخرى لدخول قوات الأطلسي بريا. لكن جميعها يحتاج لأسابيع عدة لنقل المعدات العسكرية المطلوبة، وإجراء التدريبات اللازمة وتؤكد مصادر الصحيفة اللندنية أن الزمن الأقصى لتحديد ما إذا كان لدى القوات الغربية النية لشن حرب برية أم لا هو أغسطس القادم قبل سقوط الثلوج بقوة وزيادة سوء الطقس، ومن السيناريوهات المرشحة دخول قوات الأطلسي من مقدونيا التي رفضت مقدمًا السماح بذلك، إلا أن واشنطن قد تقنعها بالعدول عن الرفض من خلال تقديم مساعدات مادية وأمنية ضخمة، ويوجد حاليًا ١٢ ألفًا من قوات الناتو على الحدود المقدونية.
تضارب مصالح الناتو يضعف جبهته
لم يسفر اجتماع قادة دول حلف الناتو مؤخرًا عن شيء جديد سوى اتخاذ ثلاثة قرارات وصفت بأنها شكلية أكثر منها حاسمة، فلن يكون هناك غزو بري، ولن يكون هناك أي تغيير في شروط المفاوضات السلمية للانسحاب من كوسوفا، وثالثًا تكثيف الغارات الجوية على القوات الصربية، المثير أن الاجتماع أسفر عن فرض حصار نفطي على صربيا، جاء متأخرًا وكان ينبغي أن يتخذ من مدة طويلة ضمن خطة تمهيدية فيما لو كانت قوات الحلف جادة في شن حرب برية أصلًا، إن ما كان يعقل أن تلوح الولايات المتحدة باستعمال القوات البرية وسفن النفط تبحر باتجاه صربيا.
قرار فرض الحصار جاء بعد مشاورات دبلوماسية كثيفة أقنعت العديد من الدول الأعضاء بالتخلي عن مصالحها الاقتصادية لأجل حل قضية كوسوفا، المثير أيضًا أن الحلف لم يفصل في طبيعة الخطوات الإجرائية التي يتوجب عليه اتخاذها إزاء الدول التي لا تلتزم بقرار الحصار سواء كانت عضوًا في الناتو أم لا، وما إذا كان اعتراض سفن روسية مثلًا أو صينية محملة بالنفط لصربيا يقع ضمن اختصاصات الناتو.
ويستنتج أحد مراكز التفكير في واشنطن من آلية القرارات التي اتخذها الناتو في قمته مؤخرًا أن الناتو فشل كنظام عسكري في البلقان، مرجعًا في إحلال السلام ذلك لتضارب المصالح بين الدول الأعضاء وعدم وجود اتفاق مسبق على طبيعة المشكلة ولا كيفية حلها، ويضيف مركز ستراتفورد» الأمريكي في تقرير خاص أن آلية قرارات الناتو صيغت في الماضي على ضوء ظروف الحرب الباردة ووجود عدو واحد، هو الاتحاد السوفييتي الذي كان يهدد جميع الدول الأعضاء. وقبل اتخاذ أي قرار كان الناتو يضع له عدة سيناريوهات احتمالية توضح خطوات العمل المطلوبة فيما لو لم تطبقه الدول الأعضاء مثلًا. وتسبق غالب القرارات العسكرية مراحل طويلة من الإعداد والتدريب على كل سيناريو أما في حالة کوسوفا فإن الآلية نفسها غابت تمامًا عن الناتو بسبب تغيير الظروف، ولا توجد أي بوادر حقيقية للقيام بتدريبات على الغزو البري، مما يدل على أنه غير مطروح كخيار فعلي، كما أن عددًا من الدول. منها إيطاليا واليونان لا يتفق مع خيار الغزو البري أصلًا، وفيما لو رغب كل من واشنطن ولندن في شن حرب برية على الصرب فإنهما سيضطران للقيام بذلك بدون الحصول على موافقة الناتو مما يعني الدخول وحدهما لحلبة الصراع، وهو خيار لن تحرص كلتا الدولتين على التورط فيه.