; اليسار الفلسطيني ودخول المقاومة في النفق المظلم | مجلة المجتمع

العنوان اليسار الفلسطيني ودخول المقاومة في النفق المظلم

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-1983

مشاهدات 66

نشر في العدد 606

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 01-فبراير-1983

  • من الذي دفع العمل الفلسطيني إلى هذا النفق المظلم؟
  • حين طرح اليسار الفلسطيني شعار «الدولة الديمقراطية العلمانية» أقروا مبدأ الاتصال باليهود.

منذ سنوات طويلة.. وبعض الأيدي تدفع بالمقاومة الفلسطينية إلى نفق مظلم.. اليسار من ناحية.. والأنظمة الثورية من ناحية أخرى.. إلى أن كان لقاء ياسر عرفات مع بعض اليهود في الأسبوع الماضي.. 

لقد اجتمع ياسر عرفات في الأسبوع الماضي مع وفد إسرائيلي يضم كلًا من: «ميتياهو بيليد، ويوري أفنيري، ويعقوب أرنون». والثلاثة أعضاء في حزب شيلي، وهو حزب إسرائيلي صغير معارض يدعو إلى التعايش السلمي مع العرب، وهذا الحزب لم يستطع الحصول على مقعد واحد في الكنيست الإسرائيلي. وحضر الاجتماع من الجانب الفلسطيني بالإضافة إلى ياسر عرفات كل من: محمود عباس «أبو مازن» عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وعضو اللجنة المركزية لحركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح»، والدكتور عصام سرطاوي عضو المجلس الوطني الفلسطيني والمسئول عن الاتصالات مع الاشتراكية الدولية، وعماد شكور؛ وهو فلسطيني من الجليل يجيد اللغة العبرية. 

وعندما سئل ياسر عرفات فيما بعد عن هذا الاجتماع قال: إن قرارات المجلس الوطني نصت على ضرورة الاجتماع بكافة القوى الديمقراطية داخل وخارج الوطن المحتل. وقال: إن اجتماعه بممثلي معسكر السلام هذا جاء استكمالًا لاجتماعه مع سكرتير عام الحزب الشيوعي الإسرائيلي «راكاح» في موسكو خلال زيارته للمشاركة في تشييع «ليونيد بريجنيف».

الاتصالات قديمة:

وفي الحقيقة فإن الاتصالات بين مسؤولين في منظمة التحرير الفلسطينية وبين مسؤولين من أحزاب المعارضة واليسار الإسرائيلي لم تتوقف منذ عام 1969م، وهو العام الذي أعلنت فيه منظمة التحرير الفلسطينية شعار الدولة العلمانية الديمقراطية في فلسطين، وإذا كانت الاتصالات السابقة لم يعلن عنها في حينها ولم يشارك فيها ياسر عرفات، فإن المعروف أن عصام سرطاوي هو واحد من أبرز المسئولين في منظمة التحرير الذي ارتبط اسمه بموضوع الاتصال بالقوى الإسرائيلية اليسارية والمعارضة. 

ومنظمة التحرير الفلسطينية لا تعمل في فراغ، وإنما هي مركب يسبح في بحيرة عربية. وبعض الأنظمة العربية وإن اختلفت في ولائها للشرق أو للغرب إلا أنها تتفق -في مجملها- في أن ولاءها لغير الله. ومن كان ولاؤه لغير الله يقول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت: 41)، وللأنظمة العربية ممثلون في هذا المركب صعدوا إليه في ظروف معينة لم يكن في الإمكان الالتفاف حولها إذا أريد لهذا المركب أن يسير. ولا يغرق!

ثم اكتشف ربان المركب أنه يسير في اتجاه آخر مدفوع إليه دفعًا حتى إذا ما اقترب من شاطئ «السلام!!» ارتفعت الأصوات مستنكرة، إنها نفس الأصوات التي دفعته إلى هذا الطريق.. تستنكر ماذا؟ تستنكر الاتصال باليهود وعقود الصلح معهم! إن الاتصال بين أحزاب اليمين وأحزاب اليسار وبين الكيان اليهودي في فلسطين قائمة منذ قامت إسرائيل بل قبل أن تقوم.

والشواهد على ذلك كثيرة: فعندما اندفعت الجيوش العربية السبعة إلى فلسطين عام 1948م لتحريرها، نجحت في ذلك نجاحًا باهرًا! إذ استطاعت أن تحرر المناطق التي أخلتها من سكانها بعد أن جردتهم من سلاحهم ثم أعطت قسمًا من هذه المناطق لليهود، وأخضعت القسم الآخر لهذا النظام العربي أو ذاك، وكفى الله المؤمنين شر القتال!

وحتى تكون اللعبة «محبوكة» قامت بعض الأحزاب الشيوعية العربية -ونذكر منها الحزب الشيوعي في العراق عام 1948م- تهتف: تسقط الحرب الاستعمارية اليهودية ضد كفاح إخواننا اليهود في فلسطين، وخرج شاعر «يساري» بقصيدة يحسبها «عصماء!» يصف فيها اليهود الغزاة في فلسطين بقوله:

شعب له حق الحياة ***كما لنا حق الحياة

سنعيش والشعبان ***متفقان في حب الحياة 

وكأن الشيوعيين بهذه التصرفات يعطون شهادة «الوطنية» لتلك الأنظمة «العربية»، والحقيقة إنها كانت تصرفات لتغطية سوأة تلك الأنظمة التي سلمت فلسطين لليهود وتسلمت ما تبقى منها إلى حين.

ضد الكفاح المسلح:

وعندما بدأ شعب فلسطين يدرك أنه لا أمل في تحرير فلسطين على أيدي الأنظمة العربية، وأنه لا بد من الكفاح المسلح. كان أول المعارضين لهذا الكفاح ضد اليهود في فلسطين هم الشيوعيون الأمميون، باعتبار أن الصراع يجب أن يكون طبقيًا وليس وطنيًا أو دينيًا. ومعنى ذلك أننا يجب أن نتحد مع «البروليتاريا» اليهودية ضد «البرجوازية» و«الإمبريالية»، وأما القوميون العلمانيون واللا دينيون فقد عارضوا الكفاح المسلح أيضًا باعتبار الصراع «قوميًا» وليس وطنيًا أو دينيًا. والصراع القومي لتحرير فلسطين لا بد أن تسبقه وحدة عربية، أي لا بد أن تنتظم كافة الأقطار العربية أولًا في دولة واحدة بقيادة عبد الناصر!! تمتد من المحيط إلى الخليج تحت شعار «من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر رايات عبد الناصر».

ومنذ مطلع عام 1965م وحتى منتصف عام 1967م وتحديدًا منذ 65/1/1 حتى 67/6/5 ظلت حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» تقاتل اليهود في فلسطين بقواتها «العاصفة» وحدها وسط تهكم الشيوعيين والقوميين واستهزائهم وتشكيكهم في فعالية الكفاح المسلح، بل واتهامهم قيادة فتح بالعمالة. وبعضهم -ممن أصبح الآن مسئولًا في منظمة التحرير- كان يصف قوات العاصفة بأنها زوبعة في فنجان حتى إذا ما حصلت الهزيمة عام 1967م التي سماها عبد الناصر «نكسة» بدأ القوميون يستعدون للمشاركة في الكفاح المسلح ضد إسرائيل وذلك «بتصريح» من عبد الناصر. 

أما الشيوعيون فظلوا على عدائهم للثورة الفلسطينية المسلحة وكانوا يرون أن الكفاح ضد -الاحتلال الإسرائيلي- حتى في الأراضي المحتلة بعد عام 1967م- لا بد أن يكون كفاحًا سلبيًا بالإضرابات والمنشورات والاتصالات مع القوى «الشريفة» في إسرائيل، وعبثًا حاول رجال فتح إقناع الشيوعيين بالمشاركة في مقاومة المحتل مقاومة مسلحة، وأخيرًا، عندما تظاهروا بالاقتناع وتسلموا من فتح بعض الأسلحة كانت أول عملية قاموا بها محاولة نسف مصنع أحد البرجوازيين الفلسطينيين في قطاع غزة، وهو مرشح الآن ليكون ضمن الوفد الأردني الفلسطيني إلى محادثات «السلام».

ولم يقتنع الشيوعيون بالكفاح المسلح إلا بعد أن رفعت منظمة التحرير الفلسطينية شعار «الدولة الديمقراطية العلمانية» عندئذ أعطت موسكو السماح لهم بالمشاركة فكان مجالهم الخصب أجهزة الإعلام.

وفي الوقت الذي كان فيه اليسار العربي والفلسطيني يقاوم «المقاومة» أيديولوجيا بالتشكيك والتشويه، كان اليمين العربي الحاكم يقاومها بالتعتيم والبطش، بل لا نكون مبالغين إذا قلنا إن من اعتبروا في عداد اليسار الحاكم «الثوري التقدمي» كانوا لا يقلون تعتيمًا وبطشًا.

نفق مظلم:

مجمل القول: إن النفق المظلم الذي وجد ياسر عرفات نفسه يسير فيه هو من صنع بعض الأنظمة، ولا سيما تلك التي حملت أكذوبة التصدي والصمود، وأن هؤلاء الذين يزايدون على ياسر عرفات ليسوا أكثر منه حرصًا على تحرير فلسطين، بل إنهم كانوا من العوامل التي ساقته سوقًا إلى دخول النفق المظلم نفق المفاوضات مع إسرائيل، سواء أكانت نظامًا حاكمًا أم معارضة هزيلة، فاليهود الذين اغتصبوا فلسطين هم اليهود، سواء كانوا من حزب «شيلي» أم من حزب «حيروت» أم من حزب «العمل» فكلهم صهاينة وكلهم أعداء، ولكنها الأدوار توزع بينهم بذكاء الإفساد الناس والسيطرة عليهم: 

- فمؤسس الحركة الشيوعية العالمية «كارل ماركس» يهودي وجه الناس إلى أن الغاية من الحياة هي إشباع شهوة الطعام.

- وصاحب نظرية أصل الأنواع «دارون» يهودي وجه الناس إلى أن أصلهم قرد.

- وصاحب مدرسة التحليل النفسي «فرويد» يهودي وجه الناس إلى أن الغاية من الحياة هي إشباع شهوة الجنس.

- وصاحب نظرية الضمير الجمعي «دوركايم» وجه الناس إلى أنه ليس هناك ضمير فردي.

- وصاحب الفلسفة الوجودية «سارتر» يهودي وجه الناس إلى أن الحياة وجود وعدم ضياعوقلق، ودعا إلى التحلل من كل القيم والأخلاق وأعلن الحرب على الله واعتبر الآخرين «هم الجحيم».

ومن المعروف أن أفكار هؤلاء اليهود جميعًا تدرس في بعض مدارسنا وبعض جامعاتنا على أنها علوم وفلسفات وأفكار معاصرة.. فهل نستغرب بعد ذلك أن وجد بعض العرب أنفسهم تلاميذ هؤلاء- داخل نفق مظلم؟ فهل بعد ذلك يرجى الخير من إنسان هذه معلوماته وهذه ثقافته؟ وهل يكون الأمر غريبًا إذا جثا هذا الإنسان العربي على ركبتيه طالبًا من أستاذه اليهودي أن يقبله واحدًا من «الجوبيم»؟! 

أيها الرافضون.. أنتم الذين دفعتم بالعمل الفلسطيني إلى هذا النفق المظلم.. فلماذا بدأتم بالمزايدة عليه؟

كيفية الخلاص:

فكيف الخروج «من هذا النفق المظلم»؟ كيف الوصول إلى بر السلام الحقيقي؟ أين السبيل إلى الأمن والأمان؟ كيف يمكن إيقاف التدهور المستمر في «صحة» هذه الأمة؟ ما السبيل إلى اجتثاث السرطان اليهودي المتفشي في نفوسنا قبل أن يتفشى في أجسادنا؟

إنه الإسلام.. قد يقول قائل: نحن مسلمون. أجل. هناك مسلمون كثيرون، ولكن هل هم ملتزمون بالإسلام حقًا وصدقًا؟ هل نهون على أعدائنا ونحن مؤمنون؟ يقول جل من قائل: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139)، إن هناك شرطًا وضعه فاطر السموات والأرض لكي لا نهون ولا نحزن ونحن الأعلون، وهذا الشرط هو أن نكون مؤمنين. وقديمًا قال المناطقة «تدور العلة مع المعلول وجودًا وعدمًا» فإن وجد الإيمان وجدت العزة، وإن غاب الإيمان غابت العزة وحل الهوان، والإيمان كما هو معروف «ما وقر في القلب وصدقه العمل»، ولعل أعمالنا -إلا من رحم ربك- بعيدة كل البعد عن الإيمان. فلنحاسب أنفسنا قبل أن يحاسبنا الله. ولنطهر قلوبنا ولنعمرها بالإيمان ولنراجع أعمالنا، هل هي خالصة لوجه الله؟ لنبدأ -ولو من نقطة الصفر- المهم أن نبدأ الطريق الصحيح طريق الجهاد الذي لا بد أن ينتهي بنصر الله... ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: 47).

الرابط المختصر :