العنوان المجتمع التربوي [1461]
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 28-يوليو-2001
مشاهدات 63
نشر في العدد 1461
نشر في الصفحة 54
السبت 28-يوليو-2001
وقفة تربوية
على أسوار طرسوس
الكثيرون ممن قرأوا حديث ابن ماجة الذي يقول فيه النبي ﷺ: «من كانت الآخرة همه جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا راغمة، ومن كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له» اقتصر نظرهم على العقوبات الدنيوية المذكورة في الحديث لمن غلبت عليه هموم الدنيا، ولم يكن شيئًا من الآخرة يؤرقه، أو يشغل شيئًا من همه، ولم يقرأوا ما وراء الحروف ويغوصوا في معاني هذا الحديث العظيم، وما جاء في معناه من الآيات والأحاديث الأخرى كما فعل أبو معاوية الأسود.
فقد قال وهو على سور طرسوس مقابل الأعداء، في أثناء قيامه لليل يناجي ربه، ويبكي: ألا من كانت الدنيا من أكبر همه طال في القيامة غدًا همه (صفة الصفوة - 4/271).
لقد أدرك أبو معاوية أنه لا يزيد هم أمرئ بالدنيا، إلا إذا زاد انشغاله فيها عن آخرته، وأن من انشغل عن آخرته قل عمله، ومن قل عمله فإن همه -لاشك- يزيد يوم القيامة نظرًا لقلة العمل، ولكثرة الحساب.
فمن أراد أن يقل همه في الآخرة فليزهد في الدنيا، ويجعلها في يده لا في قلبه، ولينشغل بالآخرة في الدنيا فينال راحته في الآخرة.
أبو خلاد
سياحة في قلب داعية مغمور
قال لي إنه يبكي لأن الشابين الهندوسيين ماتا في بلادنا دون أن ندخلهما في الإسلام
أكرم حياة تلك المرتبطة بالله وتبليغ الإسلام لا المرتبطة بالمال
د. عبد الباري محمد الطاهر
الداعية الحق هو الذي تهتز أوتار قلبه لأي حدث في هذا الكون لشعوره بأنه جزء منه يسبح لله تعالى مثل أي شيء فيه، قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ﴾ (الإسراء: 44)، وهذا الداعية يكون صادقًا مع نفسه ومع ربه؛ لذلك تنطلق الحكمة على لسانه مع أي موقف يراه فتندفع إلى قلب سامعيه، فتؤثر فيهم، كما أثرت فيه.
هذه سياحة في قلب داعية مغمور لا يعرفه أحد، ولم يسمع به أحد، لكن الله عز وجل يعرف مكانه، ويعلم خبيئة نفسه، ويطلع عليه إن هذا الداعية ليس ملقبًا بهذا اللقب، ولكنه يدخل تحت الراية القرآنية الخالدة: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104).
لقد انفعل هذا الداعية مع موقف شاهده فاهتزت له أوتار قلبه، وترجم ذلك على لسانه في كلمات مقتضبة، لكنها عين الحكمة البالغة، وفي جمل قصيرة، لكنها تفوق الكثير من الخطب الرنانة هذا الداعية المغمور رجل مسلم لا يعنينا أن نعرف اسمه كما لا يهمنا أن نرى رسمه.
لقيته يومًا فرأيته واجمًا حزينًا، فدعاني الفضول إلى سؤاله ماذا بك؟ فحكى لي الحكاية التي أصفها لك بقلمي، وإن كنت ساعتها لم أسمعها بهذه الصياغة وإنما سمعتها بقلبي كانت مختصرة الكلمات مقتضبة العبارات ممزوجة بالعبرات.
تبدأ الحكاية عندما انفجرت صرخات مدوية من البئر ثم تلاشت تدريجيًا، وتحول البئر الذي حفر ليجمع مياه المطر، ويسقى الزروع والخضر، إلى قبر يضغط على أجسام ثلاثة ويحولها جثثًا هامدة لا حراك فيها، وقد خرجت منها الروح إلى بارئها، أما الأول فشاب مسلم حديث الزواج ترك زوجته بعد أيام قلائل بنى فيها لبنات بيت جديد ثم خرج مسافرًا من بلده إلى بلد عربي آخر يبعد عن زوجته وبيته الجديد السعيد آلاف الأميال، خرج للعمل، وهو يحمل بين جنبات قلبه وطيات نفسه آمالًا عظيمة، لجمع المال، وإصلاح الحال، وهدوء البال، كم كان يعد بها زوجته التي ودعته على أمل العودة إليها ظافرًا غانمًا سالمًا معافى، ولكن سرعان ما قبض البئر على جسده، وأطلق روحه إلى السماء، ليبدد آماله، وآمال زوجته لحكمة يعلمها الله سبحانه وتعالى، وكأني بهذه المسكينة تقول بلسان حالها: هل ترانا نلتقي أم أنها كانت اللقيا على أرض السراب
ثم ولت وتلاشى ظلها واستحالت ذكريات للعذاب .
أما الثاني والثالث فشابان هندوسيان في مقتبل عمرهما، خرجا أيضًا من بلديهما، والأمل يحدوهما في بناء بيت، وإقامة أسرة، وإصلاح شأن، وتحقيق رغبات عراض في هذه الحياة الدنيا، وكانا يأملان في حياة كريمة هنية وعيشة سعيدة رضية، لكنهما لم يعلما بأن هذه البئر هو مقر المنية، وما من رجل يسمع عن حال الشاب الأول إلا وتغرورق عيناه بالدموع، لأنه شاب مسلم ترك زوجة مسلمة، فالحسرة والألم عليه، والحديث كله يرجع إليه، وإلى مصيره المؤلم، وربما قيل إنه شهيد الهدم.
ولا شك أن الأرض خسرت بموته تسبيحات كان يطلقها بين جنباتها، وربما كان صالحًا وربما كان ممن تستجاب دعوتهم، وربما كان ممن يحبهم الله ورسوله؛ لأنه كان يكدح من أجل حياة كريمة، وأسرة هادئة مستقيمة، وتنهال عليه الدعوات، وتذرف عليه العبرات، وتلاك فيه الذكريات.
ثم وجدت هذا الداعية بعد سرد القصة يبكي، ويقول: لقد كان الهندوسيان في بلديهما، فكان لزامًا علينا كمسلمين أن نبلغهم رسالة الله تعالى الخاتمة، فقد كانا كغيرهما كثير أمانة في أعناق المسلمين ينبغي أن يعرفوا الإسلام، وكان لا بد أن ننقذهما من نار محققة، لم يدركاها، فهما -كغيرهما كثير- ولدا على الفطرة، لكن أباهما غيّرا معالم فطرتهما، ولقنهما ديانة لا أصل لها، وإذا اعتذر المسلمون عن تبليغهم رسالة السماء الخالدة الخاتمة بحجة صعوبة الوصول إليهما في ديارهما، فماذا يكون عذرنا إذا كانا قد وطآ أرضنا – نحن المسلمين؟
لقد ساقهما الله إلينا، لنفيد من خبراتهم ولنقدم لهم يد العون على حياة كريمة، وأكرم حياة ليست المرتبطة بالمال، بل المرتبطة بالله خالق هذا الكون المرتبطة بالإسلام الذي جعل الله نورًا للبشرية وإنقاذًا لهم من دياجير الظلم والظلمات في الحياة الدنيا، وفي الآخرة.
إن هذين الشابين بوصولهما عندنا قد أقاما الحجة علينا، إنني أبكي أنهما ماتا في ديار المسلمين قبل أن نتمكن من إدخالهما في الإسلام فيختما حياتهما بخير، لقد كان همنا أن نفيد من خدمة هذين الشابين، فأخذنا حقنا الدنيوي منهما، ولم نعطهما واجبهما الأخروي، الذي أمرنا به ربنا سبحانه وتعالى في قوله: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 143)، كما لم نعمل بقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ (آل عمران: 104).
ربت على كتف أخي الشاب الداعية، ومسحت دمعات سالت على جبهته، داعيًا الله تعالى أن يكثر من أمثاله، فإن وجود هذه النماذج الطيبة في أمتنا الإسلامية يؤكد أنها لا تزال تملك مقومات الحياة، وأن الله سبحانه وتعالى سيفتح أبواب فضله على هذه الأمة لتعود شامخة كما كانت.
وتذكرت في هذا المقام ذلك الأعرابي الذي جاء إلى رسول الله ﷺ، وطلب منه حاجة بغلظة. فأرسل النبي ﷺ إلى بيته لعله يجد فيه ما يقدمه لهذا الأعرابي، فلم يجد، فازداد شطط ذلك الأعرابي في القول لنبي الرحمة ﷺ، وأقبل الصحابة رضوان الله عليهم يريدون قتل هذا الرجل الغليظ، وكلهم ينتظر إذن الرسول الكريم بإصدار حكم الإعدام على هذا المتعجرف الفظ لكن الرسول الرحمة يرسل إلى بيت المال، ويعطي الرجل ولا يزال يعطيه، حتى يرضى، ثم يقول للرسول ﷺ: «والله يا رسول الله لأنت أحب الناس إليّ»، ويطلب منه الرسول ﷺ أن يصرح بهذا التصريح أمام الصحابة رضوان الله عليهم، حتى لا يوغر صدورهم، فيقبل الرجل، وينادي في الناس بأعلى صوته: إن رسول الله ﷺ أحب إليه من الدنيا وما فيها.
فيخاطب النبي ﷺ هؤلاء الذين كادوا يغتالون الرجل مبينًا لهم أن مثله، ومثلهم مع هذا الرجل كمثل ناقة شردت، فجاء الناس يريدونها على الحضور، فلا تزداد إلا نفورًا وبعدًا، فقال صاحبها خلّوا بيني وبين ناقتي، ثم جاء ببعض من حشاش الأرض، وأشار إليها، فجاءت فركبها وانطلق إلى حال سبيله.
هكذا كان رسول الله ﷺ مع هذا الرجل خشي عليه أن يبقى على كفره فيدخل النار، فرقّ له، ورحم نفسه المريضة إلى أن عاد إلى الإسلام ورضي به، فأنقذه الله تعالى به ﷺ، ولو تركه للموت لضاع عمره، ودخل النار.
يحيى شوفسكه
د. نجيب عبد الله الرفاعي
يحيى شوفسكه مسلم ألماني يحدثنا فيقول: إنه بعد زواجه ركب مع زوجته سيارة عامة، وكانا جالسين فرأيا إفريقيًّا أسود هرمًا، فقام بعجل وقدم مكانه للرجل، فإذا بالرجل يبكي، ولما سأله عن سبب بكائه قال الرجل: إنني قادم من جنوب إفريقيا ولأول مرة في حياتي أرى رجلاً أبيض يقوم ويعطيني مكانه.
يحكي يحيى القصة، ثم يقول: هذا هو الإسلام. وإذا حضرت الصلاة خرج يحيى لأدائها مع الناس في الحرم المكي، ونسي أن يأخذ سجادته معه نظر حيث سيضع جبهته حيث الحصى والحجارة ثم قال لنفسه هذا ما قسمه الله لي، فإذا إلى جانبه حاج هندي يخلع معطفه ويفرشه له يقول يحيى: «هذا هو الإسلام».
قال ﷺ: «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته».
والنفوس تحب من أحسن إليها، فقد قال ابن مسعود -رضي الله عنه -: جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وقال ﷺ: «من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به علی من لا زاد له».
مصعب بن عمير.. من الترف إلى الشظف «3 من 3»
لما أرادوا دفنه لم يجدوا الثياب التي تكفي لتكفينه برغم ما كان فيه من رغد قبل الإسلام
• شهد بدرًا وقاتل عن رسول الله ﷺ في أُحد حتى قتل
• رأى شقيقه في الأسر فحثهم على شد وثاقه والمغالاة في فدائه
كانت حياة مصعب بن عمير -رضي الله عنه- مليئة بالدعوة إلى دين الله، والجهاد والتضحية في سبيل الله من أول يوم أسلم فيه إلى أن ختمها بالشهادة في سبيل الله في يوم أحد، وهنا نعرض لبعض مواقفه الجهادية مع التعقيب عليها ببعض الدروس والعبر التي يجب على المسلم أن يستضيء بها:
أ- يشهد بدرًا: حضر مصعب بن عمير -رضي الله عنه- بدرًا، ودفع رسول الله ﷺ اللواء إليه، وكان أبيض، ولم يكن معهم إلا فرسان على أحدهما مصعب، وعلى الأخرى الزبير بن العوام وقيل إنهما كانا للزبير والمقداد.
ب- من مواقفه في بدر: قال ابن إسحاق إن رسول الله ﷺ حين أقبل بالأسارى فرقهم بين أصحابه، وقال: «استوصوا بهم خيرًا»، قال وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم، أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه في الأسارى، قال أبو عزيز مر بي أخي مصعب بن عمير، ورجل من الأنصار يأسرني، فقال شد يديك به، فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك، قال أبو عزيز: فكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم، خصوني بالخبز، وأكلوا التمر لوصية رسول الله ﷺ إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها، فأستحي فأردها فيردها عليّ ما يمسها.
وكان أبو عزيز هذا صاحب لواء المشركين ببدر بعد النضر بن الحارث، ولما قال أخوه مصعب لأبي اليسر -وهو الذي أسره- ما قال، قال له أبو عزيز: يا أخي هذه وصاتك بي؟ فقال له مصعب: إنه أخي دونك، فسألت أمه عن أغلى ما فدي به قرشي، فقيل لها أربعة آلاف درهم، فبعثت بأربعة آلاف درهم ففدته بها (1).
ج- استشهاده في أحد: حضر أحدًا مع رسول الله ﷺ، وكان يحمل اللواء.. يقول صاحب «البداية والنهاية»: «قاتل مصعب بن عمير دون رسول الله ﷺ حتى قتل، وكان الذي قتله ابن قمئة الليثي، وهو يظن أنه رسول الله ﷺ، فرجع إلى قريش فقال: قتلت محمدًا، وقيل: إن الذي قتله هو أبي بن خلف».
عن عروة بن الزبير قال، كان أُبي بن خلف أخو بني جمح قد حلف بمكة ليقتلن رسول الله، فلما بلغت رسول الله ﷺ حلفته، قال بل أنا أقتله إن شاء الله.
فلما كان يوم أحد أقبل أُبي في الحديد مقنعًا، وهو يقول: لا نجوت إن نجا محمد، فحمل على رسول الله ﷺ، يريد قتله، فاستقبله مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار، يقي رسول الله ﷺ بنفسه، فقتل مصعب بن عمير، وأبصر رسول الله ﷺ لترقوة أبي بن خلف من فرجة، بين سابغة الدرع والبيضة، فطعنه فيها بالحربة، فوقع عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم، فأتاه أصحابه فاحتملوه، وهو يخور خوار الثور، فقالوا ها ما أجزعك؟ إنما هو خدش، فذكر لهم قول رسول الله ﷺ أنا أقتل أُبيًّا، ثم قال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين فمات إلى النار فسحقًا لأصحاب السعير.
فلما قتل مصعب بن عمير أعطى رسول الله ﷺ اللواء علي بن أبي طالب، ولما أرادوا دفنه لم يجد الثياب التي تكفي تكفينه.
يروي البخاري أن عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- أتي بطعام، وكان صائمًا فقال: «قتل مصعب بن عمير، وهو خير مني، كفن في بردة، إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه، وأراه قال: وقتل حمزة وهو خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، أو قال أعطينا من الدنيا ما أعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي، حتى ترك الطعام» (2).
وعن خباب قال: هاجرنا مع رسول الله ﷺ ونحن نبتغي وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مضى لسبيله لم يأكل من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد، ولم يترك إلا نمرة كنا إذا غطينا رأسه، بدت رجلاه، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فقال رسول الله ﷺ: «غطوا رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهد بها» (3).
وكان عمره يوم قتل أربعين سنة أو أكثر قليلاً، ويقال فيه نزلت، وفي أصحابه: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ﴾ (الأحزاب: 23).
د- زوج المرأة منها بمكان: لما انصرف رسول الله ﷺ من أحد إلى المدينة، فلقيته حمنة بنت جحش «زوجة مصعب بن عمير»، فلما لقيت الناس نُعي إليها أخوها عبد الله بن جحش فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعي لها خالها حمزة بن عبد المطلب، فاسترجعت واستغفرت له ثم نعي لها زوجها مصعب بن عمير، فصاحت وولولت، فقال رسول الله ﷺ: «إن زوج المرأة منها لبمكان، لما رأى من تثبتها عند أخيها وخالها وصياحها على زوجها» (4).
الدروس والعبر
من الجانب الجهادي في حياة أول سفير للنبي ﷺ في المدينة المنورة نستخلص هذه الدروس والعبر في إيجاز:
1– يسرع الخطى إلى ساحات الوغى: المسلم يسعى دائمًا إلى الخير، ويبحث عن منازل الآخرة العالية، ويسابق إلى كل موطن يبوئه الغرف التي تجري من تحتها الأنهار، ولا يرى أفضل طريق إلى ذلك من الشهادة في سبيل الله؛ ولذا نرى أن مصعبًا -رضي الله عنه- ما إن يسمع عن المواجهة بين المسلمين والمشركين في بدر حتى يسابق إليها، ويحمل اللواء، ويدافع عن الإسلام.
ولم يمض عام حتى ينادي داعي الجهاد لمعركة أحد حتى يسرع إلى الميدان، ويدفع إليه الرسول ﷺ اللواء أيضًا.
2– رابطة العقيدة: رباط العقيدة بين المسلمين، أقوى من آصرة النسب وأشد من رابطة الدم؛ فمصعب يرى شقيقه في الأسر بيد مسلم فيحثه على أن يشد وثاقه، وأن يغالي في فدائه لأن أمه ذات متاع.... وحين يعاتبه شقيقه يكون منه هذا الجواب: «إنه أخي دونك».. الإسلام آخى بيني وبينه... والكفر قطع رابطة النسب والدم التي بيننا.
إنه المثل الذي يجب أن يحتذى في الولاء والبراء إنه التحقيق العملي لقول الله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (المجادلة: 22).
3– شدة حب الصحابة لرسول ﷺ: فمصعب بن عمير يرى أُبي بن خلف يقصد الرسول ﷺ وهو يقول: «لا نجوت إن نجا محمد ويحمل عليه يريد قتله، فيستقبله مصعب، ويقي رسول الله بنفسه ويقتل دونه...».
إنه الحب الصادق لله ورسوله الذي يسمو بصاحبه على زينة الحياة الدنيا، والتعلق بحطامها، والإخلاد إلى الأرض، ولا يكون تطلعه إلا إلى الآخرة، وما عند الله؛ لذا نرى مصعبًا يستقبل الموت ليفتدي رسول الله ﷺ له بنفسه.
فما أسمى أن تكون غايتك الأولى في حياتك «حب الله ورسوله»، وإن الله لا يرضى من عباده الصادقين بغير ذلك، واقرأ إن شئت قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة: 24).
على هذه المبادئ تربى رجال الإسلام الأولون، فباعوا لله ولرسوله نفوسهم وأموالهم وجادوا بها رخيصة في سبيل الحق (5).
وهكذا يجب أن يكون المسلم يفتدي الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ بنفسه، ويضحي بحياته ليحيا الإسلام، وتعلو رايته خفاقة في العالمين ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
4– ازرع الخير ولا تنتظر حصاده في الدنيا: غاية المؤمن في الحياة أن يزرع الخير ويبذر حبوب الإيمان، وأجره يقع على الله حين يبذر ويزرع، وقد يمضي إلى ربه دون أن يجني حصاده في الدنيا، ولكنه ضربة لازب لا يضيع وسيجده عند الله هو خيرًا وأعظم أجرًا، وما أروع هذا التشبيه، وأبلغه للذين ينفقون في سبيل الله: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 261).
ومصعب -رضي الله عنه- يمضي شهيدًا في أحد دون أن يأكل من أجره شيئًا في الدنيا.
وهكذا يجب أن يكون شأن المسلم في الحياة يقدم الخير للناس، ولا ينتظر منهم جزاء ولا شكورًا، وشعاره في ذلك قوله الله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (الإنسان: 9).
5– حسن معاملة الأسير في الإسلام: في ظل النظم الوضعية والمبادئ الأرضية يحاول الكثير أن يجعل من حقوق الإنسان غطاء لكل ما تنطوي عليه نفسه من طمع ورغبة في استنزاف خيرات الآخرين فينصب من نفسه حاميًا للمستضعفين والمعذبين في الأرض، وهو في سبيل ذلك يصلي البشرية بالويلات والعذاب ويذيقها آلام التشريد والقتل والجوع والحرمان والمرض والموت.
والمتأمل في الإسلام يرى أنه من قبل هؤلاء يحترم الإنسانية جمعاء حتى هؤلاء الذين خرجوا لقتال المسلمين، وأعلنوا الحرب عليهم، وكان حرصهم شديدًا على قتل كل مسلم يلقونه، ومع كل ذلك وبعد أن وقعوا في الأسر، ووضعت الحرب أوزارها، وشد المسلمون وثاق أسراهم، إذا بالنبي ﷺ المبعوث رحمة للعالمين يعلن في المسلمين: «استوصوا بهم خيرًا»، فما كان من الصحابة -رضوان الله عليهم- إلا أن قدموهم على أنفسهم، وآثروهم بالخبز حتى إن الأسرى ليعجبون من صنيعهم، ويردون الخبز على الصحابة فما يمسونه.
هذا هو الإسلام في سمو قيمه وعلى مبادئه وعظيم احترامه لحقوق الإنسان، فهل تعقل البشرية، وتفيء إلى رضوان الله بأن تستظل براية الإسلام فتتخلص بذلك من آلامها، وينعم الجميع في ظله بكامل الحقوق مع اختلاف الأعراق والأجناس، بل والأديان قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: 256).
الهوامش:
(1) البداية والنهاية 3/307، سيرة ابن هشام 2/209.
(2) فتح الباري 1274 – 1275.
(3) أحمد 5/12، نقلًا عن سير أعلام النبلاء 1/146.
(4) البداية والنهاية 4/47.
(5) بهجة النفوس 1/ 25 – 26.
(*) من علماء الأزهر الشريف.
من علامات السعادة والشقاوة
من علامات السعادة والفلاح أن العبد كلما زيد في علمه زيد في تواضعه ورحمته، وكلما زيد في عمله زيد في خوفه وحذره، وكلما زيد في عمره نقص من حرصه، وكلما زيد في ماله زيد في سخائه وبذله، وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في قربه من الناس وقضاء حوائجهم والتواضع لهم.
ومن علامات الشقاوة أنه كلما زيد في علمه زيد في كبره، وكلما زيد في عمله زيد في فخره واحتقاره للناس وحسن ظنه بنفسه، وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في كبره وتيهه، وهذه الأمور ابتلاء من الله، وامتحان يبتلي بها عباده، فيسعد بها أقوام، ويشقى بها أقوام.
وكذلك الكرامات: امتحان وابتلاء كالملك والسلطان والمال، قال تعالى عن نبيه سليمان لما رأى عرش بلقيس عنده: ﴿قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ﴾ (النمل: 40)، فالنعم ابتلاء من الله يظهر بها شكر الشكور، وكفر الكفور كما أن المحن بلوى منه سبحانه.
تحبيب الله إلى خلقه: يبين ابن القيم في كتابه «الفوائد» ذلك فيقول: «الجهال بالله وأسمائه وصفاته المعطلون لحقائقها يبغضون الله إلى خلقه، ويقطعون عليهم طريقة محبته، والتودد إليه بطاعته من حيث لا يعلمون، فمنها أنهم يقررون في نفوس الضعفاء أن الله سبحانه لا تنفع معه طاعة، وإن طال زمانها وأتى بها العبد بظاهره وباطنه، وأن العبد ليس على ثقة ولا أمن من مكره، بل شأنه سبحانه أن يأخذ المطيع التقي من المحراب إلى الماخور، ومن التوحيد والسبحة إلى الشرك والمزمار، ويقلب قلبه من الإيمان الخالص إلى الكفر، وصاحب هذه الطريقة يظن أنه يقرر التوحيد والقدر ويرد على أهل البدع وينصر الدين».
إن هذا الاعتقاد إذا استحكم في قلوب الناس صاروا إذا أمروا بالطاعات، وهجر اللذات، بمنزلة إنسان جعل يقول لولده: «معلمك إن كتبت وأحسنت وتأدبت ولم تعصه ربما أقام حجة عليك وعاقبك وإن كسلت وتعطلت وتركت ما أمرك به ربما قربك وأكرمك».
ولو سلك الدعاة المسلك الذي دعا الله ورسوله ﷺ به الناس لصلح العالم صلاحًا لا فساد معه، فالله سبحانه أخبر أنه إنما يعامل الناس بكسبهم ويجازيهم بأعمالهم ولا يخاف المحسن لديه ظلمًا ولا هضمًا ولا يخاف بخسًا ولا رهقًا، ولا يضيع عمل محسن أبدًا، ولا يضيع على العبد مثقال ذرة ولا يظلمه.
داعية القوم لا يحسد ولا يحقد: يبين الإمام الغزالي معنى الحقد والحسد فيقول: اعلم أن الغيظ إذا كظم لعجز عن التشفي في الحال رجع إلى الباطن فاحتقن فيه فصار حقدًا، وعلامته: «دوام بغض الشخص واستثقاله والنفور منه فالحقد ثمرة الغضب والحسد من نتائج الحقد».
روي أن النبي ﷺ قال: «لا تباغضوا ولا تقاطعوا ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا».
إن من يحسد نبيًّا على نبوته -فيحب ألا يكون نبيًّا- أو عالمًا على علمه فيؤثر ألا يرزق ذلك أو يزول، فهذا لا عذر له ولا تجبل عليه إلا النفوس الكافرة أو الشريرة، فأما إن أحب أن يسبق أقرانه، ويطلع على ما لم يدركوه، فإنه لا يأثم بذلك فإنه لم يؤثر زوال ما عندهم عنهم، بل أحب الارتفاع عنهم ليزيد حظه عند ربه، كما لو استبق عبدان في خدمة مولاهما فأحب أحدهما أن يستبق، وقد قال تعالى: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين: 26).
ومن أسباب الحسد الكبر، والعجب، وحب الرياسة، وخبث النفس، وبخلها.
وأسوأ الأسباب خبث النفس وشحها على عباد الله، فإنك تجد من الناس من لا يشتغل برئاسة ولا تكبر، وإذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد الله تعالى فيما أنعم عليه به شق عليه ذلك، وإذا وصف له اضطراب أمور الناس وأدبارهم، وتنغيص عيشهم، فرح به، فهو أبدًا يحب الإدبار لغيره، ويبخل بنعمة الله على عباده كأنهم يأخذون ذلك من ملكه، وخزائنه!.
اختيار: أم عبد الله