; آلام وآمال.. سبيل التغيير في المجتمعات | مجلة المجتمع

العنوان آلام وآمال.. سبيل التغيير في المجتمعات

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-1995

مشاهدات 60

نشر في العدد 1150

نشر في الصفحة 51

الثلاثاء 16-مايو-1995

تغيير الأمم لتسير نحو البعث الحضاري من جديد. ولتأخذ دورها الريادي بين الأمم إنما يكون مبنيا على أساس نفسي عميق، يدرك الإنسان به أهمية دوره في صنع الحياة الكريمة الشريفة، وأنه مسئول عن تحقيق هذا الدور في أرض الواقع، بحيث يترجم الواقع المشاهد عن أن وراءه نفوسا أبية، وقلوبا فتية، وهمما وعزائم رجال لا يعرفون اليأس، ولا يخافون يوم البأس ولا تفزعهم الشدائد إن حلت ولا تغريهم المطامع إن ألمعت، ولا يثنيهم عن غرضهم أو دورهم في صنع الخير للناس ترغيب أو ترهيب، ولن يتم هذا إلا إذا صدقت النفوس مع الله، والتزمت بمنهجه، وسارت سيرة المسلمين الأولين الذين قال الله في حقهم 

﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (الأحزاب: ٢٣)

وبمثل هؤلاء الرجال يكون تغيير الواقع ليسير نحو بعثحضاري جديد، وصدق الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ (الرعد: ١١) وحين تتغير نفوس الأفراد على منهج الله يتحقق بهم التآلف، وتتكون منهم الأمة الموحدة التي لا تفرقها الأهواء والرغبات، ولا تمنع تلاحمها العصبيات لأن الجميع ألقى بذلك خلف ظهره، واتجه إلى الله، أخذا من قوله سبحانه ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ (آل عمران: ١٠٣) شعارا وغاية فتتلاشى الفردية في الجماعة، وتختفي أمراض القلوب من الأثرة. والتكاسل، والضعف والتواكل لتحل محلها أخلاق الإيثار والهمة والقوة والتوكل على الله المبني على الأخذ بالأسباب أسباب الحياة الحقة القائمة على العمل بغير كلل، وعلى الأمل بغير يأس، وعلى التضحية، التي لا تنتظر جزاء ولا شكورا إلا من الله وحده، فتدب العافية في جسد هذه الأمة، وتعود من جديد تنشر الحق والعدل والخير بين الأنام، ويسعد فيها الإنسان بالأمان، غير خائف على وطنه ولا على ماله ولا على عرضه وشرفه، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء، وإذا كان هذا هو الهدف النهائي الذي يجب أن تسعى نحوه الأمة، فإن تحقيقه يحتاج إلى مراحل ومراحل، وربما إلى أجيال وأجيال، ويحتاج إلى أمور كثيرةنذكر بعضها

1. العناصر الصالحة

إيجاد العناصر الصالحة التي تحمل عبء هذه المهمة بصدق وإخلاص، وتتخذ لنفسها قدوة أبا بكر الصديق يوم استعذب الآلام في رحلة الهجرة مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأنه يعلم أن هجرته في سبيل الله، وفي سبيل الله يسهل الصعب، وتهون المشقة ابتغاء أجره وثوابه فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسولهوتتخذ لنفسها قدوة: علي بن أبي طالب يوم واجه الخطر في رضا واطمئنان، وهو يعلم ما يدبر للرسول، فيقبل راضيا أن ينام مكان الرسول له، وأن يهب في الصباح ليواجه البغي المدجج بالسلاح من غير خوف ولا اكتراث وتتخذ لنفسها قدوة عمر بن الخطاب حين جهر بالحق وأعلن أنه مهاجر، وقال قولته المأثورة من أراد أن تثكله أمه وترمل زوجته وييتم ولده فيقلقني وراء هذا الوادي. بمثل هؤلاء الرجال الذين لا يخافون في الله لومةلائم يقوم عبء التغيير اللازم للأمة.

2 - استشعار المسئولية

والرجال الذين يودون أن يصلوا بالأمة إلى هدفها لا ينظرون إلى مصلحتهم الشخصية، وإنما ينظرون إلى مصلحة المجموع، ويعملون على تحقيقها، وإن أصابتهم بأساء أو ضراء في ذلك يثبتون ولا يتحولون أو يتغيرون، وهذا الإمام أحمد بن حنبل في محنته التي سجن وعذب فيها، يطلب منه أن يقول كلمة يفك بها أسره، ويُرفع عنه العذاب فيأبى، وكلم في ذلك، فطلب من محدثه أن ينظر إلى جموع الناس المتعلقة بكلمة منه، حتى تقتدي به وتسير على دربه، وقال: أأهلك هؤلاء وأنجو بنفسي؟!! فكان موقفه هذا مثلا يقتدي به العاملون في كل حين.

٣- الأخذ بالأسباب

ومع الرجال الأوفياء الذين يستشعرون المسئولية لا بد من الأخذ بالأسباب لأن الله في كونه سننا، من اجتهد في معرفتها والعمل بمقتضاها حقق لنفسه ولأمته الرقي والتقدم في الحياة، ولا يعقل أن يستفيد الكافرون بالله من سننه في خلقه على حين أن المؤمنين بالله يهملون سنته، ويتخبطون بين المذاهب الأرضية الفكرية النظرية، تاركين مبدأ الواقعية المستند على أن المقدمات تؤدي إلى النتائج، وأن الجد في الحياة سبيل الرقي، وأن الكسل والضعف والتراخي سبيل الخمود والجمود والقرآن الكريم دعانا كثيرا إلى النظر والتأمل في آيات الله المبثوثة في السموات والأرض 

﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ (يونس: ١٠١) 

﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (الذاريات: ٢٠، ٢١) ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (عبس: ٢٤-٢٦)

 ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (الغاشية: ١٧-٢٠)

وآيات كثيرة في كتاب الله تهز العقول هزاً حتى تفكر وتتدبر، وتأخذ بالأسباب التي أودعها الله في كونه.

٤- الثقة في نصر الله

هذه الثقة التي إن تخلت عنها النفوس لحظة واحدة خارت قواها، وضعف أداؤها، وإن استمسكت بها ثبتت في موقفها وتغلبت على الصعاب، وتقدمت نحو الهدف، والمرسلون زلزلوا زلزالا شديدا، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، واقرأ معي 

﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا (يوسف: ١١٠)  واقرأ ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (البقرة: ٢١٤) كان هذا طريق المرسلين الذين غيروا مجتمعات، وأنقذوا أممافأخرجوها من الظلمات إلى النور، وسيبقى هذا الطريق يسير فيه الصادقون والعاملون المجددون الذين تحيا بهم الأمم وتنهض لتأخذ بيد المستضعفين، ولتؤمن الخائفين، ولا ترضى بظلم الظالمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 377

88

الثلاثاء 06-ديسمبر-1977

من شذرات القلم (عدد 377)

نشر في العدد 397

116

الثلاثاء 30-مايو-1978

«نصيحة لا يفوتنك قراءتها...»