العنوان بعد أن ثار غورباتشوف على بريجنيف؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1987
مشاهدات 59
نشر في العدد 824
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 07-يوليو-1987
الحزب الشيوعي السوفياتي أصابه الاهتراء، فلم يعد المنخرطون فيه يمثلون سوى 5% من الشعب الروسي.
لم تلق خطة غورباتشوف الإصلاحية وحملته التطهيرية تجاوبًا كثيرًا في الداخل.
منذ أن أمسك ميخائيل غورباتشوف بمقاليد السلطة في الاتحاد السوفياتي قبل عامين تقريبًا، وهو محط أنظار العالم بأسره ومثال اهتمام المراقبين السياسيين في الداخل والخارج؛ لأنه أقدم على ما لم يجرأ أحد من قبله على الإقدام عليه في نطاق خطة الإصلاح التي تبناها، حتى إن البعض بدأ يتساءل عما إذا كانت تلك الخطة ثورة ثانية بعد سبعين سنة من ثورة أكتوبر 1917 ، وعما إذا كان يمكن أن يكتب لها النجاح، لكن أخطر الأسئلة المطروحة الآن تلك التي تتعلق بأيديولوجية الدولة ونظامها ومنها: هل تعتبر هذه الإصلاحات بداية تحول- وإن كانت بطيئة- عن النهج الشيوعي الأرثوذكسي المحض؟ وهل أن الاتحاد السوفياتي يعيش أزمة يعود الذنب فيها إلى الشيوعية؟
غورباتشوف يتكلم لغة جديدة
فاجأ الزعيم السوفياتي غورباتشوف مستمعيه، وأثار دهشتهم في أكثر من مناسبة سواء في اللجنة المركزية للحزب أو في مجلس السوفيات الأعلى، ومبعث الدهشة ليس ما يطلع به عليهم من مقترحات لم تكن تخطر ببالهم منذ سنوات قليلة، ولكن أيضًا لأنه أصبح يتكلم بلغة جديدة وصراحة غير معهودة عن جوانب القصور في أجهزة الدولة والحزب. لقد قال مرة «نحن بحاجة إلى الديمقراطية كحاجتنا إلى الهواء للتنفس» في إشارة منه إلى أن الديكتاتورية والتسلط وكبت الحريات تمثل جانبًا من جوانب القصور، وهي لا تتوافق مع الرغبة التي ينشدها في تحديث الاتحاد السوفياتي، ولعله كان لتلك الجملة وقعٌ خاصٌ في نفوس المواطنين الذين لم يتعودوا على سماعها. وفي نفس الوقت دأب غورباتشوف في الشهور القليلة الماضية على مهاجمة الفساد في روسيا في عهد زعيمها السابق ليونيد بريجينيف بعنف، وقد عرَّى بجرأة كبيرة عدة جوانب لقصور القيادة السابقة وفشلها، ووجه انتقاداته بالخصوص إلى كوادر الحزب الشيوعي الذين اتهمهم بالركون إلى الأمن الوظيفي «المباهج التي جعلت كثيرًا منهم يزدادون سمنة وفسادًا» واتهم بعضهم باللامبالاة واللامسؤولية التي تسببت في حوادث وكوارث مثل كارثة تشرنوبيل التي هزت العالم بأسره، ووصف الاتحاد السوفياتي في السبعينيات والثمانينيات بأنه بلد تفشى فيه الفساد من رشوة واختلاس وتملق وخنق للمواهب الثقافية والعلمية وإدمان على الكحول وغيره، وقد ترجمت هذه اللغة الجديدة عند الزعيم السوفياتي إلى حملة عارمة على الفساد طالت العديد من المسؤولين السياسيين والاقتصاديين، ومن ضمن الشخصيات التي تم إقصاؤها مؤخرًا دينموفا مدكوناييف الأمين العام السابق للحزب في كازخستان، وميخائيل زيمياتيش أحد أمناء الحزب والمساعد السابق لبيريا رئيس جهاز المخابرات في عهد ستالين، وفلتتينا تييرشكوفا أولى رائدات الفضاء التي أعفيت من رئاسة لجنة نساء السوفيات. ولعل محاكمة صهر الرئيس السابق بريجنيف «يوري تشوربانوف» بتهمة الفساد واستغلال السلطة هي أبرز دليل على استشراء ذلك الفساد وتغلغلة حتى آخر نقطة من هرم السلطة، غير أن غورباتشوف لا يذهب بعيدًا في نقده وتعريته لجوانب القصور، ويردها جمعيها إلى إخفاقات أفراد أساءوا تطبيق أفكار لينين.
إخفاق أفراد أم إخفاق نظام؟
من غريب الأمور أن لا تلقى خطة غورباتشوف الإصلاحية وحملته التطهيرية تجاوبًا كثيرًا في الداخل، وقد فسرت الدوائر الغربية ذلك بقوة ما يسمى «الحرس القديم» أو الرعيل الأول الذي تعود طوال عقود سبعة على نمط معين من الحياة ومن السلوك السياسي، والذي بدأ يدرك أن سياسية غورباتشوف الجديدة تهدده في مصالحه وامتيازاته؛ ولذلك بدأ في نطاق ما يتبعه له نظام الحزب الشيوعي يعرقل تطبيق بعض الخطوات الجريئة التي اقترحها غورباتشوف، وأول علامة على معارضة الرعيل الأول لسياسة غورباتشوف ظهرت عندما فشل أحد أبرز رجال غورباتشوف في الفوز بترقية إلى عضوية كاملة في المكتب السياسي، ولعل هذا ما حدا بالزعيم السوفياتي إلى القول: «إن الناس مع إعادة التنظيم لكنهم يعتقدون أن شخصًا ما ينبغي أن يعيد التنظيم في مكان ما في القمة» وهو يشير بذلك إلى أنه بحاجة إلى دعم الشعب ووقوفه معه؛ حتى يتمكن من تطبيق خطته الإصلاحية. ومن هنا نفهم لماذا لا يجرؤ غورباتشوف على تسمية الأشياء بأسمائها عندما يقول إن القصور يعود إلى أفراد لا إلى النظام ككل، ولكننا من ناحيتنا نتساءل إذا كان هؤلاء الأفراد من قاعدة الحزب إلى القمة لا يمثلون النظام فمن يمثله إذن؟ وإذا كان إقصاء حوالي 13 ألف مسؤول اقتصادي وسياسي في سنة واحدة بتهمة الفساد واستغلال السلطة، وطرد نصف أعضاء اللجنة المركزية للحزب، وانتظار طرد ما تبقى منهم واستبدالهم بأعضاء جدد في الانتخابات القادمة سنة 1990 لا يمثل إخفاقات النظام فماذا تراه يمثل إذن؟
من جهة ثانية أقر مجلس السوفيات الأعلى في جلسته بتاريخ 17 و18 نوفمبر 1986 قانونًا ماليًا جديدًا يعتبر انقلابًا اقتصاديًا على ظاهرة احتكار الدولة لجميع الأنشطة والمبادرات الاقتصادية، حيث سمع جزئيًا للأفراد بإدارة المهن الحرة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة داخل المدن وفي الأرياف على السواء، وهذا القانون يتناقض مع النظرية الشيوعية باعتبار أنه يعترف بشرعية إقامة المشاريع الخاصة والشخصية التجارية والحرفية. صحيح أن هذا القانون أقر في نطاق السعي لتحسين الانتاج والانتاجية، ولكن هل يدل هذا الإقرار على إخفاق نظام أم إخفاق أفراد؟
إن سياسة الانفتاح التي يتبعها الزعيم السوفياتي تنبع من قناعته بوجوب إدخال تغييرات جذرية على النظام السوفياتي من أجل تحديث البلاد وتحسين ظروف عيش المواطنين السوفيات، هؤلاء المواطنون الذين لا يزالون بعد سبعين سنة من الثورة يقفون في طوابير لشراء مادة غذائية أو زوج من الأحذية الآتية من يوغسلافيا، والذين يؤدون عملهم في ملل ورتابة نتيجة فقدان الوازع الأخلاقي أو الحافز المادي. لقد تهرأ الحزب الشيوعي السوفياتي الذي لم يعد المنخرطون فيه يمثلون سوى 5% من الشعب السوفياتي، فمن تراه يرضى من القيادات السوفياتية بشعبية 5% على افتراض أنه حصل على جميع أصوات الحزبين؟! إن غورباتشوف على وعي كامل بما أصاب الحزب من ركود وخمول؛ لذلك تراه ينادي بإدخال مياه جديدة إلى شرايين هذا الحزب لكي تعيد إليه شبابه فيسهم في دفع عجلة التقدم والتحديث. وفي هذا الإطار طرح فكرته- القنبلة- عندما دعا إلى جعل الانتخابات على كافة المستويات في الحزب ديمقراطية وإلى ضرورة اعتماد التصويت السري وتعدد المرشحين، وقد أثار هذا الاقتراح ضجة كبيرة لإنه يتنافى مع النظام المعمول به منذ قيام الثورة، ولأنه يعني فيما يعنيه أن الزعيم السوفياتي الجديد يريد أن يعطي مضمونًا جديدًا للشيوعية ويكيفها مع العقدين الأخيرين من القرن العشرين، فهل تراه يستطيع أن يشق طريقه وسط المناوئين والمحافظين القلقين على المثال المقدس للشيوعية وعلى مصالحهم الحزبية بالخصوص؟ لقد جاء على لسان أحد دعاة الإصلاح السوفيات وأحد المؤيدين لغورباتشوف قوله: «لقد ردونا على أعقابنا مرتين خلال حياتي» وهو يشير بذلك إلى فشل إصلاحات أقل ثورية لخروتشوف وكوسيغين، فهل ينجح غورباتشوف هذه المرة؟ وماذا سيقال عن الشيوعية عندئذ؟