العنوان مذكرات رضا نور
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1981
مشاهدات 63
نشر في العدد 534
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 30-يونيو-1981
جيش الاتحاديين يخدع عسكر إستانبول
خدع الاتحاديون عسكر إستانبول، قالوا لهم: «إننا لم نأت لنحاربكم، إنما جئنا لتهنئتكم».
نصح ناظم باشا- وزير الحربية- جنود إستانبول بعدم مقاومة جيش الحركة، وبذلك كبلهم، دخل جيش الحركة إستانبول دون مقاومة لكن البلغاريين الذين كانوا انضموا لجيش الحركة «الذي يرأسه الاتحاديون» أخذ هؤلاء البلغاريون في الإساءة للأتراك وأظهروا وقاحتهم بأن أطلقوا النيران على ثكنات عسكر إستانبول وبالطبع استل جنود إستانبول أسلحتهم عندما رأوا هذا.
ظهرت عدة التحامات في عدة أماكن، مات وجرح من الفريقين الكثير لكن الاتحاديين استطاعوا السيطرة على الموقف كان لدى عسكر إستانبول عدة مدافع، لكنهم لم يستخدموا غير البنادق.
سقوط عبدالحميد وصمة عار في التاريخ التركي
جمع الاتحاديون رؤوس المقاومة وأعدموهم، سيطروا على الحكومة واتخذوا قرارًا بخلع عبدالحميد، أرسل «الاتحاديون» اليهودي قارصو، وأسعد باشا طوبطاني عضو مجلس المبعوثان «وهو ألباني» ليبلغوا السلطان بخلعه، ثم أرسلوه إلى سلانيك حيث حبسوه، لقد أساءوا إلى التاريخ التركي إساءة بالغة بقيامهم بإحداث وصمة عار فجيعة.
لقد أسقطوا السلطان التركي وهو رئيس سلطنة عظيمة على يد يهودي حقير جدًا ومعه ألباني رذيل قاتل هو أسعد باشا، أرسلوا عبدالحميد إلى سلانيك وحبسوه في منزل تاجر غني يدعي آلاتيني، وأثناء حرب البلقان أتوا بالسلطان إلى إستانبول، حبسوه في قصر بايلربي «بيكربي»،وفيه مات.
تثبيت: عبدالحميد بريء من دماء ۳۱ مارت
إن السلطان عبدالحميد الثاني بريء تمامًا من تدبير حادثة ٣١ مارت «مارس» وكذلك هو بريء من كل الدماء التي سالت أثناءها.
الاتحاديون يتهمونني بالخيانة
قضينا في مصر فترة استجمام ثم عدنا إلى أثينا أصدر ديوان الحرب، بإستانبول حكمًا ضدي بالخيانة لكن أهالي سينوب الذين أمثلهم في المجلس أبرقوا إلى قائد جيش الحركة محمود شوكت باشا وقالوا له: «إن ممثلنا في مجلس المبعوثان الدكتور رضا نور إنسان وطني وشريف» وكانت هذه شجاعة عظيمة من أهالي سينوب.
أرسل لهم قائد الجيش قائلًا: إذا كان ممثلكم شريفًا فليسلم نفسه إلى ديوان الحرب.
قولوا له هذا.. أجابه الأهالي: «إنه شریف، لكننا لا نثق بديوان الحرب فليحاكمه مجلس المبعوثان أو أي محكمة عادلة».. إنني أفخر بهذا الشعب لابد أن يكون خلف عضو البرلمان شعب هكذا.. أرسل إلي أهالي سينوب نسخة من برقيتهم إلى مجلس المبعوثان.. كان الاتحاديون يظنون أنني كنت يوم العصيان في إستانبول، ولما اتضح لهم عكس هذا اتهموني قائلين بأن مقالاتي هي التي حرضت على العصيان «حادث ۳۱ مارت» كنت أثناء حركة العصيان هذه في نواحي قونية فكيف أقوم بعصيان؟!
ضعف حزب الأحرار الذي أقمناه، فاتخذنا قرارًا بفسخه، ونفذناه.
محمود شوكت باشا قائد عسكري متعدٍ
كان محمود شوكت باشا «قائد جيش الاتحاديين أو جيش الحركة» يتحكم ويهدد ويتوعد كم كان مغرورًا ما يقوله في مجلس المبعوثان هو الذي يسري، غضب المجلس لكرامته، وكان علي أن أغضب باسمه، كان روحي الخالدي نائب القدس في مجلس المبعوثان، محبًا للاتحاديين، قلت له: «إن لك حقوقًا، لكنك لا تستطيع أن تقول شيئًا» ، قلت له أيضًا: «إذا لم تمنع محمود شوكت باشا من حمل سيفه، وكان دائمًا يتمنطق به وهو في قاعة البرلمان لن أستطيع أن أجلس مرتاحًا على مقعدي في البرلمان، سأقوم وأقول كل ما أستطيعه»، وذات يوم جاءني روحي الخالدي وحاله نفس الحال، قلت لروحي الخالدي: «هيا، وإلا سأقلب الجو» قال لي: «تمهل بالله عليك سأعمل شيئًا»، ذهب والتقى بطلعت وأصحابه، عاد، ثم استدعى بأدب جم واحترام ولباقة متناهية محمود شوكت باشا خارج القاعة، وبعد مدة عاد محمود شوكت بعد أن خلع سيفه.. في البداية لم يكن راضيًا، أخبروه بتهديدي واستعطفوه: توسلوا إليه حتى لا يحدث شيء معقد، فرضي بذلك.
ذات يوم، اعترضت على رغبة لمحمود شوكت باشا مس هذا بكرامته وأخذ آخرون أيضًا في الاعتراض، وبهذا أصبح «هذا الوزير» يحقد علي، انتقمت الجمعية مني بأن حبستني، حبسوني ثم نفوني خارج البلاد.
حزب الأهالي
تشكل حزب باسم "حزب الأهالي" من ثلاثين نائبًا بقصد المعارضة، وكان على رأس هؤلاء الشيخ مصطفى صبري (شيخ الإسلام) ومجموعة من رجال الدين.
كان النواب الأرمن في مجلس المبعوثان يبلغون ثلاثين نائبًا، كانوا يساعدون الاتحاديين وكان قسم من اليونانيين أيضًا من الاتحاديين وأكثر الألبانيين اتحاديون والقليل منهم (أي من النواب البريطانيين الألبانيين) مثلنا معارضين، وانطلق العرب لتكوين حزب عربي، أما اليهود فقد كانوا اتحاديين.
الاتحاديون -على مصائبهم- أرحم من مصطفى كمال!
ومع كل ما فعله الاتحاديون من مساوئ إلا أنهم بالنسبة لمصطفى كمال «أتاتورك» رجال ممتازون جدًا، ثرنا ضد السلاطين، لكن الحكم المشروطي (الذي جاء به الاتحاديون) جعلنا نفتقد عبدالحميد ونترحم على أيامه، عانينا كثيرًا من الاتحاديين، وقاسينا منهم كثيرًا، وإذا بمصطفى كمال يتخذ مكانه فوق رقابنا سيفًا مصلتًا، عند ذلك قلنا: آه.. كم كان الاتحاديون وكم كانوا! كم هي مسكينة هذه الأمة!
هذا قدرها فلنر ماذا سيكون من مصطفى كمال بعد ذلك؟
أخذ العرب يفكرون في تأسيس حزب عربي، وكان هذا الفكر القومي العربي أمرًا بالغ الخطورة، وإذا انفتح هذا الطريق (أي القومية العربية) فإن نهايته لابد وأن تكون وخيمة.
مدحت باشا يؤيد العرب في إقامة دولة أموية
أخذت أحاول تجميع المعارضين على اختلاف جماعاتهم.
كنت أتباحث مع النواب المهمين، لم يرغب العرب في قبول فكرة الاتحاد في حزب عام واحد، وكان على رأس هؤلاء عبدالحميد الزهراوي كنا منسجمين مع نائب دمشق شكري العسلي، وكان ساذجًا، فقد صرح لي بكل أفكاره، كان لديه فكرة إقامة دولة أموية في دمشق حتى والده أيضًا كان هكذا!
وبناء على قوله هو: «إن مدحت باشا عندما كان واليًا على الشام، اتفق مع والد شكري العسلي في هذه الفكرة».
أهدد النواب العرب
أخذت في تخويف هؤلاء النواب العرب.
قلت لهم: إذا كونتم حزبًا عربيًا، فإننا بالضرورة سنقيم حزبًا لتركيا، ثم نتحد مع الاتحاديين، وسنرى بعد ذلك أينا سيصيبه الضرر.. خافوا وقبلوا فكرتي «في توحيد صفوف المعارضة ضد جمعية الاتحاد والترقي» كانت كل غايتي هو تجميع كل القوى المعارضة للاتحاديين.
منذ إعلان المشروطية، وحركات التمرد لا تنقطع في أرجاء الدولة، قام الدروز في جبل حوران يتمردون، فتوجه الجيش إلى هناك وسحق التمرد، الإمام يحيى في حالة تمرد في اليمن، توجه إلى هناك عزت باشا وامتص غضب المتمردين بإعطاء يحيى مجموعة من الامتيازات، وفي العراق أيضًا تمرد، والآن بلاد الألبانيين تشتعل ثورة، فمن جراء سوء حكم الاتحاديين انقلب عليهم حتى الألبان.
ضياع ليبيا وتقاعس الاتحاديين
وأثناء حكم الاتحاد والترقي ضاعت ليبيا، احتلها الإيطاليون.
كانت إيطاليا تفكر منذ فترة طويلة باقتناء مستعمرة كانت تستعد للاستيلاء على طرابلس الغرب بموافقة الدول الأوربية استعد الجيش الإيطالي لذلك.
وعند قيام الجيش الإيطالي بمناوراته وجهت الدعوة إلى الملحق العسكري العثماني «الاتحادي» علي فؤاد «باشا» لمشاهدتها.
نشرت الصحف صورة لهذا الملحق العسكري وهو بجانب قائد القوات الإيطالية.. كانت سفارتنا نائمة، وكان في نشر هذه الصور أبلغ الاستهزاء بنا.
قام الجيش الإيطالي بالتوجه إلى طرابلس الغرب.
كان الصدر الأعظم وقتها هو إبراهيم حقي باشا.. قدمت إيطاليا إعلانًا بالحرب ضدنا في ورقة رسمية قدموها للصدر الأعظم الذي كان يلهو في إحدى الملاهي الليلية.
لم ينظر إلى الورقة عندما قدموها له من فرط انشغاله بالملهى، طبق الورقة ووضعها في جيبه، وبعد ٢٤ ساعة فتح الورقة ليعرف ما فيها وإذا فيها: إعلان الحرب.
كان هذا الرجل يعمل بالنهار جيدًا ويسهر بالليل بين النساء واللعب، وكان شرِهًا للأكل حتى إنه عندما كان سفيرًا بعد ذلك في برلين مات بالتخمة.
قال لي ذات مرة: «إن محمود شوكت باشا له عقل عصفور ولم أر أحمق منه» حقيقة كان كلامه هذا صحيحًا.
أقال الاتحاديون هذا الصدر الأعظم لكنهم لم يجدوا وسيلة لإرسال الجنود إلى طرابلس الغرب.
سيطر الأسطول الإيطالي على السواحل كما احتل الإيطاليون جزيرة رودس وبقية جزرنا الأخرى..
أخذ بعض الضباط مثل أنور وفتحي ومصطفى كمال طريقهم إلى طرابلس الغرب عن طريق فرنسا والجزائر وتونس.
كما أخذ الشعب الليبي في الدفاع عن كيانه أيضًا.. نظم هؤلاء الضباط حركة دفاع الشعب الليبي. تم ضمان إرسال الذخيرة ومقدار من الضباط أيضًا إلى هناك واستطاع فتحي أن يهزم الإيطاليين عدة مرات. لكن هذا لم يجد شيئًا ولم تكن نتيجة واضحة، وكان لزامًا التخلص من هذه المسألة (الليبية) بتسليم طرابلس الغرب وبعض الجزر إلى إيطاليا.
جمعية الاتحاد والترقي تتفاهم مع إيطاليا.. وليبيا تضيع
حالة الحرب تأتي بالأضرار الاقتصادية لذلك يلزم التخلص منها، رغبت الحكومة «حكومة جمعية الاتحاد والترقي» في هذا، كانت محقة تمامًا.
والاعتراض عليها في هذا اعتراض في غير موضعه وكان يلزم على المعارضين للحكومة أن يقدروها في هذا الموقف.
كانت الوطنية والرجولة تقتضي هذا وتم عقد الصلح مع إيطاليا في «أوبشي» بسويسرا.
غباء محمود شوكت باشا
محمود شوکت باشا كم هو غبي وجاهل جدًا. رفض قبول استقالتي من الجيش، لكننا في النهاية تمكنّا في المجلس من إصدار قرار بقبول استقالتي وبذلك استرحت من عناء تحكم محمود شوكت باشا.
أخذ الاتحاديون في تخفيض رتب الذين ارتقوا سريعًا في عهد عبدالحميد.
والحقيقة أنني كنت ارتقيت سريعًا في عهد عبدالحميد.
بلطجة برلمانية
جاء يوم مذاكرة ومناقشة مادة من مواد الدستور (وهي المادة ٣٥)، وكان تعديلها في صالح الاتحاديين وضد مصلحتنا إذا عدلت هذه المادة فإن المجلس كان سيحل، وإذا وافقنا فسيقتلوننا وأخيرًا وجدت حلًا لهذا قلته لزملائي: إن في أوروبا قاعدة متبعة في هذه الحالة.. المعارضون عندما يجدون أنفسهم لن يوفقوا في مسألة من المسائل يقومون بالانسحاب الجماعي من قاعة البرلمان، فإذا وفقوا بهذه الصورة إلى عدم إيجاد أكثرية، فإن بحث هذه المسألة لا يتم، وتستمر هذه المشكلة قائمة عدة أشهر، فتجد الحكومة نفسها مجبرة على ترك المسألة موضوع الأخذ والرد.
ونحن المعارضون في مجلس المبعوثان أكثرية.. لا تدخل المجلس، وبالتالي لن يستطيع رئيس المجلس أن يبدأ الجلسة وهذا سلاح مشروع.
دخل الاتحاديون المجلس، ولم يدخل أحد منا، إلا أنا وعضو آخر بناء على اتفاق بين المعارضين.
فهم الاتحاديون المسألة فانسحبوا بعد قليل من المجلس ثم عادوا مرة أخرى.. الأكثرية اللازمة لاتخاذ القرار غير موجودة، صاح أحمد رضا الزعيم الاتحادي ورئيس المجلس قائلًا: «الأغلبية موجودة» مسكين أحمد رضا إن ما فعله ليس إلا جريمة تشريعية لم تكن هناك أغلبية في الجلسة صحنا بأعلى صوت لدينا: الأغلبية غير موجودة.
لم يعرنا أحد اهتمامًا كم كان هذا استبدادًا فظيعًا، خرج المجلس عن كونه ديمقراطيًا وأصبح هوائيًا.
قام أحمد رضا بفعلته هذه بدافع المحافظة على موقعه.
وكان هذا كافيًا لمحو شخصيته بل كل كيانه.
قال أحمد رضا- وهو الرئيس- قال: «إنني أختم الجلسة»..
إن هذا خداع واضح ربما لم يحدث في أي مكان في العالم بعد، إن هذا الأمر وصمة كبيرة في تاريخ التشريع التركي.
وتم حل المجلس وتكونت الوزارة الجديدة برئاسة سعيد باشا.