العنوان معطيات الهجرة النبوية (العدد 460)
الكاتب صالح الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 27-نوفمبر-1979
مشاهدات 99
نشر في العدد 460
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 27-نوفمبر-1979
- ليست الهجرة فرارًا من الإيذاء، وإنما تخطيط لبناء دولة الإسلام.
- في الهجرة عزم وثبات على دعوة الحق.
- في الهجرة معجزات للرسول -صلى الله عليه وسلم-.
إن لأحداث التاريخ آثارًا عميقة في نفوس الناس، وبالذات المتأملين فيها والدارسين لها، فكيف إذا كانت تلك الأحداث مرتبطة المعاني في الواقع المعاشي، واقع تعامل الناس ومناهج أعمالهم! وحادثات الزمن تلك يكون لها هذا الأثر لارتباطها بعقيدة، وهكذا مجموعات الناس كل منهم يتأثر بالأحداث التي تتصل بعقيدته ألا تتصل بعقيدته، إلا أن الواقعات التاريخية في الإسلام تمتد حتى إلى غير المسلمين لما لها من تأييد من رب العالمين جل وعلا، وبهذه الصورة وفي هذا الإطار يجب أن تكون النظرة إلى هجرة سيدنا المصطفى عليه وعلى آله وصحبه الصلاة والسلام لنضيء طريقنا بأقباس من نور تنير مسيرتنا في هذه الحياة.
- السرد التاريخي:
عند الوقوف على أخبار الهجرة سواء بالسماع من الدارسين أو بالاطلاع على كتب السيرة، نعرف عمومًا وبإجمال حلقات السلسلة التي انتهت بهجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة، وذلك أن أبا بكر -رضي الله عنه- أتاه بعد أن رأى رحيل المسلمين إلى المدينة ولم يبق بمكة سواه وعلِي والرسول الكريم -عليه السلام- وبقية من الصحابة لأمور منعتهم من هذا الانتقال الميمون، جاءه -رضي الله عنه- واستأذنه في الهجرة، فأمره -عليه السلام- بالتريث وقال له: «لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبًا». وتفاءل الصديق أن يكون هو الصاحب، فابتاع راحلتين وبعد أربعة أشهر على وجه التحديد جاء إذن الله لرسوله عليه الصلاة والسلام وخرج من داره ظهر يوم الخميس لليلتين خلتا من ربيع الأول الموافق ١٧ يونيو عام ٦٢٢م، واستأذن علِي أبا بكر فأذن له وقال له: اخرج من عندك، قال الصديق: هم أهلك. وكان عنده ابنتاه عائشة وأسماء، فاتفق معه على المسير ليلًا. وفي مساء ذلك اليوم ترك المصطفى -صلى الله عليه وسلم- عليًّا -رضي الله عنه- نائمًا مكانه مغطى بثوبه وقال له: «إنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم». وطلب منه أن يرد ودائع قريش التي تضعها عادة عنده. وهكذا خرج المصطفى عليه الصلاة والسلام ناثرًا الرمل على رؤوس فتيان قريش الذين أحاطوا بداره متربصين به، وانطلق إلى الصديق وضمهما ظلام ليلة الجمعة قاطعين الطريق إلى غار ثور، الذي يبعد عن مكة سبعة كيلو متر، وذلك بعد أن خُطط للقيام بهذه المهمة الشاقة حيث يأتيهما عبد الله بن أبي بكر بالأخبار ليلًا ويقفل راجعًا إلى مكة قبل الفجر كأنه قد بات فيها، ويتبعه عامر بن فهيرة بالغنم ليمحو آثار الأقدام، وتأتي أسماء بنت الصديق بالعشاء ليلًا. ودام الحال كذلك طيلة ثلاثة أيام بعدها، وفي سحر يوم الاثنين توجه سيدنا الرسول -عليه السلام- متجهًا إلى المدينة ومعه صاحبه الكريم ودليلهما عبد الله بن أرقط «مشرك»، وهو يسلك بهما طرقًا متشعبة وطرقًا غير معهودة، وأخذ الركب الميمون يغد السير مع ما لاقى من تعب وصعاب وما واجه من توقفات أفادت دعوة الإسلام، كلقاء أم معبد ولقاء سراقة بن مالك، وهكذا إلى أن وصل قباء وأحاط به الصحابة الكرام من الأنصار وإخوانهم المهاجرين، وسالت من الصغار والكبار ألحان الفرحة متمثلة في النشيد الذي غدا على لسان كل مسلم، وهو أبيات رقيقة سلسة مطلعها:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
- بداية المسير:
إن رحلة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام لم تكن مرتجلة سريعة دون تخطيط، وإنما كانت كاملة الأهبة والاستعداد؛ إذ إنه -صلى الله عليه وسلم- كان يرمق ذلك اليوم الذي يهجر قومه الشرك والأوثان إلى توحيد الله سبحانه، وأن ذلك لا يتم إلا بهجرة فيها تأسيس الدولة التي تحافظ على النفوس والحرمات وتصون كرامة الناس وتحررهم من آثار رغبات النفس والحياة إلى مراد الله سبحانه. وعليه فإن النبي الكريم كان دائم الصلة بالله جل وعلا، لذا لمَّا أن ائتمر سادة القوم على الفتك بهذا البشير النذير جاءه الأمر والإعلام بألا يبيت في فراشه، فتوجه إلى صاحبه ووزيره وخليفته من بعده في ساعة لم تكن هي ساعة الذهاب إليه، في وقت الظهر، وأخبره أن الله أذن له بالخروج والهجرة، وبذلك كانت بداية المسير من مساء ذلك اليوم.
- في غار ثور:
لم يكن اختباء الرسول الكريم عليه أفضل السلام وأتم التسليم ضعفًا ووجلًا، وإنما تشريع للأخذ بالأسباب والأخذ بلوازم الحيطة والحذر، وتظهر لنا صور كبيرة المعنى بعيدة الإحساس في شعور المسلم حدثت إزاء وفي هذا الغار، ذلك أن وجود الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيه جعله علمًا مرتبطًا بهذه الذكرى، وصورة أخرى من أعمق ما كان فيه، وهي قول الصديق للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام حال البحث عنهما إنه لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، ويرد عليه نبي الرحمة بألفاظ الثقة التامة بنصر الله ورعايته فيقول: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما». ويسجل القرآن الكريم هذه الكلمة على لسانه صلى الله عليه وسلم، بالقول الجليل: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (التوبة: 40). ويضطرب الناس في مكة وعلى أطرافها، ويدوم اللبث في الغار ثلاثة أيام دون علم إلا ممن رتب لهم الرسول صلى الله عليه وسلم المساعدة في مهمة الهجرة.
- مدلولات التخطيط:
يقف المشركون على غار ثور ويهُمُّون بالدخول فيه، إلا أنهم يُصابون بخيبة أمل تجعلهم يعدلون عن رأيهم؛ إذ إنه غار مهجور وليس حوله آثار أقدام تدل على أن أحدًا بداخله، ذلك أن عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يسير بغنمه خلف عبد الله بن أبي بكر ليمحو آثار قدميه، ومهمة عبد الله -رضي الله عنه- أن يأتي بالأخبار التي تدور في مكة عن الرسول الكريم وصاحبه الصادق، وعندما يحين المساء تأتي كذلك أسماء بنت أبي بكر حاملة الزاد، أما عبد الله بن أرقط فهو رجل مشرك مأمون استُعين به لخبرته بشعاب الطرق كي يكون دليلًا يتجه على غير مألوف أهل مكة جهة الجنوب بدلًا من الشمال للوصول إلى المدينة، وهذا التخطيط لا شك دليل وعي واستقصاء لأبعاد ما يفكر فيه المشركون للقضاء على النبي الكريم -عليه السلام-، ويدل على الاستعانة بالمشرك الفرد إن كان مأمونًا، كذلك أخذ الحيطة التامة. وعلى أمر مهم أيضًا ألا وهو تضحية الشباب؛ إذ إن هؤلاء الذين قاموا بأدوار تسيير موضوع الهجرة كانوا شبابًا لا الفتيان منهم، بل حتى الفتيات، ذلك أن أسماء -رضي الله عنها- كانت تسير هذه المسافة البعيدة يلفها الظلام «اللهم إن كان نورًا فهو نور القمر» مسافة تبلغ السبعة كم، ومشيها بشكل طبيعي يأخذ ساعةً ونصف تقريبًا. وتقوم بهذا العمل ذهابًا وإيابًا، حيث تمشي ثلاث ساعات، مما يدل على قيامها بمهمة شاقة دافعها الإيمان الراسخ وبلوغ رضوان الله سبحانه في خدمة رسول العالمين وخليفته رضي الله عنه. ومن التخطيط أيضًا ما كان في البداية من منام علِي -رضي الله عنه- مكان الرسول وتدثره بثوبه إيهامًا أنه محمد عليه الصلاة والسلام.
وبهذا.. فإن التأمل في نقاط التخطيط يبرز لنا القيادة الحكيمة في شخصية رسولنا الكريم، ويبرز لنا التضحية التامة في صحبه الكرام رضي الله عنهم أجمعين.
- معجزات في الطريق:
كانت حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- دعوة في كاملها وفي كل حركة منها، فقد بُعث داعيًا وبشيرًا ونذيرًا، لذا لم تكن تمر عليه الأحداث دون أن يجعلها في خط الدعوة ودون أن يوجهها إلى مراد الله سبحانه وعبادته وتوحيد ولايته دون سواه، لذا فقد كان مما صادفه في الطريق وصار معجزة من معجزاته أنه مر على خيمة أم معبد «عاتكة بنت خالد الخراعية» وسألها -عليه السلام- أن يبتاع منها تمرًا، فلم يكن منها إلا أن أشارت على شاة هزيلة وقالت إنه قد خلفها الجهد عن الغم، بمعنى أنها حائل مجدبة أي عقيمة لا تلد ولا تحلب. فقال لها عليه الصلاة والسلام: أتأذنين لي أن أحلبها؟ فأجابته. فما أن تناولها ومسح على ضرعها حتى درت وحلبت. فقدم لأم معبد إناءً وله وصحبه إناء، وإناء ثالث تركه لهم، مما أدهش أم معبد وجعلها تفطن أنه نبي إذ ذكر اسم الله؛ فأسلمت وجاء زوجها أبو معبد وأخبرته وأسلم. وتذكر هذه المرأة الكريمة -رضي الله عنها- أن تلك الشاة بقيت حتى عام الرمادة ١٨ هـ في عهد عمر وقالت: «كنا نحلبها صباح مساء».
أما المعجزة الثانية الشهيرة فهي لحوق أحد فرسان مكة بهما وعثور فرسه به واستنهاضه، ثم عثوره مرة أخرى جعل قوائمه تسيخ في الرمال، ألا وهو سراقة بن مالك الجشعمي أحد الفرسان الشباب العتاة ذوي القوة والفروسية، ولما أن حصل له ذلك ما كان منه إلا أن طلب الأمان من سيدنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأنه علم أنه ممنوع منه، فقال لأبي بكر أن يكتب له كتابًا يكون علامة بينهما، وهكذا خرج سراقة عازمًا القتل ورجع معاهدًا صادًّا معميًا من أراد اللحوق بمحمد عليه الصلاة والسلام. بل والمعجزة الكبرى هنا أكثر من ذلك أن الرسول الكريم وهو في هذه الحال وعده بأن يلبس سواري كسرى، وحقًّا تحققت كلمة الصادق الأمين حال فتح فارس في عهد عمر -رضي الله عنه- وألبسه عمر سواري کسری تحقيقًا لكلام الرسول عليه الصلاة والسلام.
- بشرى وصول الرسول صلى الله عليه وسلم:
لم يكن في حسبان أهل المدينة المدة التي قضاها الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- في الغار، لذا لما انتهت المدة المقررة لوصوله أخذوا يخرجون كل صباح منتظرين لقاءه الكريم في شوق ولهفة، وفي اليوم الثالث أو ما يزيد عليه من حالهم تلك صاح به أحد اليهود: يا بني قيلة قد وصل جدكم «وقيلة جدة للأنصار». فتسارعوا إليه والبهجة تغمر نفوسهم والغبطة بادية على أساريرهم منشدين هاتفين بكلمات رقيقة شاعت على لسان كل مسلم محب للرسول الكريم، وكانت هذه الكلمات الشديدة تقول:
طلع البدر علينا *** من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا *** ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا *** جئت بالأمر المطاع
هذا وقد كان أول وصوله -صلى الله عليه وسلم- إلى قباء يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول.
- الهجرة المطوية اليوم:
تعلمنا الهجرة معطيات جمة كثيرة، منها: بُعد النظر في أمور الدعوة وحتى أمور الحياة والأمل والتفاؤل وعدم اليأس، والثقة بالله -تبارك وتعالى- الذي بيده كل شيء، والأخذ بالأسباب مع اعتبار الاعتماد على الله وهو غاية التوكل، ومنها التضحية التي تدفع الشباب المسلم إلى البذل والعطاء. ولكن ما الهجرة المطلوبة اليوم؟ إنها ولا شك انعكاس من هجرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، حيث إنه -صلى الله عليه وسلم- ترك الجاهلية كلية لتمكين دعوة الله واستقرارها في مكان آمن، وهجرة اليوم تأخذ هذا المنطلق اعتمادًا على حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- الصحيح القائل: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه». وتلك هي الهجرة المطلوبة اليوم، أن يهجر المسلم بقلبه وروحه وفكره وعمله كل أمر يخالف الإسلام والانسجام مع تعاليم الإسلام وتشرُّبها روحيًّا وعمليًّا، كما أن هنا نطبق كلمة الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية»، وهو توكيد للهجرة بمعنى ترك الجهل بكل صوره وأشكاله ومعايشة الحياة الإسلامية بما فيها من شمول وكمال واتساع، وهو ما يجب اليوم اعتماده سواء أفراد أو شعوب، وإلا فلن نحقق معنى الهجرة، وكانت كما هو حادث في مدارس اليوم أن الهجرة حدث تاريخي، وهذا ما يجب علينا أن ندرك خطأه الفادح. إن الهجرة لها معطيات كثيرة منها ما ذكرناه وما يمكن أن يستشفه المسلم الدارس المتأمل في معاني هجرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل