; رياضة التسلق على الأحزاب | مجلة المجتمع

العنوان رياضة التسلق على الأحزاب

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر السبت 29-ديسمبر-2012

مشاهدات 64

نشر في العدد 2033

نشر في الصفحة 66

السبت 29-ديسمبر-2012

يمكن تعريف الانتهازية ببساطة بأنها: رياضة التسلق على الأحزاب وما أكثر الذين يمارسون هذه الرياضة في أيامنا هذه فما الذي يصد الإنسان، وقد فقد الإيمان - بسبب ظروفنا التاريخية والمعاصرة - بأي مبدأ، أو الالتزام بأية قضية عن ممارسة اللعبة التي تفتح أمامه بوابات الأمن والسلامة، والمنصب والمكانة، والذهب والفضة، وتجنبه الخوف والاضطهاد والتبطل والإهمال والفقر والحرمان وإذا كان العدد الأكبر من أبناء أمتنا، قد فقدوا فعًلا، أو بدؤوا يفقدون إيمانهم والتزامهم فإن لنا أن نتوقع لماذا تشهد بلادنا هذا العدد المتزايد من الانتهازيين، وهذه الحشودالزاخرة من هواة التسلق على الأحزاب الحاكمة ؟! إن لنا أن نفسر في الوقت نفسه كيف شهدت ساحات الرشيد في بغداد في الأول من مايو عام ١٩٥٩ م نصف مليون شيوعي يصفقون للزعيم ويهتفون باسمه، ثم لم تشهد هذه الساحات يوم أزفت الأزفة في الثامن من فبراير عام ١٩٦٣م إلا شراذم مبعثرة هنا وهناك وغير تجربة مايو وفبراير عشرات من التجارب شهدتها عواصم أخرى في وطننا العربي على امتداده من الخليج إلى المحيط.

إن نزعة براجماتية مصلحية تقول إن أية ممارسة يقوم بها إنسان ما يجب أن تحقق منفعة وتقود إلى مكسب ملموس هذه النزعة تكتسح اليوم عددا كبيرًا من أبنائنا وإخواننا، حيث إنهم لم يعودوا يتصورون أن إنسانًا يمارس عمًلا ما دون أن يأتيه ذلك العمل بمنفعة أو مال أو مكسب قريبوإنهم أحيانا أخرى يسخرون من تلك النماذج الأخذة بالانقراض، ويتهمونها بالغفلة والسذاجة، لأنها تمارس أعماًلا لا مردود لها في المدى المنظور، ويرون مثلهم الأعلى في الرجل العملي الذي لا يخطو خطوة إلا وهو متأكد من أنها تذهب هباء، وإلا فإنه مستعد لتغيير مواقع أقدامه من أجل أن يحظى بنتيجة أكثر ضمانًا فإذا ما أضفنا إلى هذا وذاك الخطيئة الكبرى التي تمارسها الأحزاب الحاكمة في اضطهاد القلة المستقلة، أو المعارضة، وملاحقتها، وتخويفها، واضطهادها وتسليط شتى صنوف التعذيب النفسي والجسدي عليها، واحتضانها – فيمقابل هذا - لكل انتهازي أفاق، أو وصولي دجال، أو منافق كذاب، ومنحه الأمن والمنصب والمال، وحماية مستقبله، وفتح الطرق العريضة أمام مطامحه وأحلامه أدركنا كم هي قوية عاتية تلك العوامل التي تتضافر لاستقطاب العدد الأكبر من الناس، ودفعهم دفعًا لكي يكونوا انتهازيين، ولكي يمارسوا رياضة التسلق تلك. ما الذي يدفع إنسانًا ما فقد الإيمان والإحساس بالمسؤولية، وانغمر حتى شحمة أذنيه في مصالحه الخاصة أن يعادي أو يتميز على الأقل، عن حزب حاكم يهدده بالويل والثبور إن اختار مواقع الرفض والعداء، ويعده - بالمقابل - بمغريات الحياة الدنيا كلها إن تجاوز موقفه ذاك، وتقدم لوضع يده في أيدي الحاكمين؟ ما الذي يصده عن ممارسة هواية التسلق، وهو يجد قوى الدفع والشد من أسفل ومن فوق، تجذبه جذبًا إلى الاندماج بالسلطة، والانضواء تحت مظلة حزبها الحاكم ؟

إن إنسانا فقد الإيمان والمسؤولية، وانغمر حتى شحمة أذنيه في مصالحه الخاصة، لا يعدو أن يكون حشرة نملة صغيرة ما الذي يصد النملة عن أن تتسلق أي عائق، وتجتاز أية قمامة من أجل تخزين المزيد من الطعام لأيام الشتاء؟! إننا نجد من حولنا أناساً كثيرين، كانوا يومًا مؤمنين متميزين، أو أنصاف مؤمنين، ينساقون بقوة لا تقهر لممارسة هذه الرياضة اللعينة، مبررين خطيئتهم بألف ذريعة وأسلوب.

 لكن المؤمن الحقيقي المؤمن الجدير بالانتماء إلى قيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لن ينسى أبدا كلماته المتوعدة لا يكن أحدكم إمعة يقول: «أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤوا أسأت ولكن وطنوا أنفسكم» ويومها لن تستطيع أية قوة في الأرض أن تدفعه إلى ممارسة صناعة الانتهازيةواحترافها، لأنها مروق صريح على تعاليم الله ورسوله .

الهوامش:

(*) مفكر إسلامي - أكاديمي عراقي

الرابط المختصر :